تزاحمت خطى المارة على طريقٍ تمازج هواءه بتراتيل تنبئ بخطب جلل ، فما أوثق النقش على اللحد ؛ وما أشد القلوب وهي تعصب عينيها عما غدا من رؤى الأحباب .

ما تلك الأصوات التي قصمت ظهر الصمت ؟ هل فارقتُ جسدي وحلقتُ في عالم آخر هو أقرب للرفعة ؟ أم تراني أقف على طريق الجنة الموعودة ؟

كلا .. لم أمت بعد ، فما زلتُ أسمع تلك الألحان تنشدها حناجر القلوب ، وأتحسس تلك الخيبة التي سرت في جسدي كما السم الزعاف ، وكل ذاك التخاذل الذي شد أوصالي إليه مانعا إياها مرافقة من حسنوا الرفقة من الأنبياء والصديقين والصالحين ، وكأنها ثورة من الحواس قد ثارت لتوقظ حممي ، ثم ابتعد ذلك الهتاف عن مرافئ سمعي " نحن انصار الحسين " وبدأ يخفت شيئا فشيئا حتى تلاشى ، ورتل الأبطال لم يبق منه سوى خيالات عسكرية خلف الهواء الذي يقف بتحية إجلال بين الأرض والسماء ويشتعل لهبا من فتيل الواجب .

رحلوا على مرأى بصري وخلفوني دونهم أحمل عبء انكساراتي ، عار علي ، فذريعة الأهل والأبناء شماعة كانت أولى بجاري " أبا محمد " لو أراد تعليق ثياب تقاعسه عليها ، فهو يملك كل دواعي التخاذل ، زوجة وخمس بنات وأم طاعنة في السن هزيلة القوى وليس من ولد يشد عضده ويحمل عنه ثقل أيامه ، ورغم ذلك رايته للتو يسابق الريح ولا ينظر خوفا من أحداقٍ قد تهزم إصراره .

طأطأت راسي خجلا ! فأوهام الأسباب لا تليق بي ، فأنا أبن كرب وبلاء ، وربيب العشق الحسيني ، أنا قطرة من جود العباس وحرف من شجاعة الحر الرياحي .

لم أحتمل مرارة الذل ، قل لي بربك ، هل يحتمل الذل ؟! إذن سأركض الآن مسرعا الى داري ؛ ابحث بين ملابسي التي جهزتها لمثل هذا ؛ عن نقود ادخرتها ليوم فاقتي .

ها هي زوجتي ، رأتني بتلك الثورة العارمة على الذات ، فسارعت تسألني عما أبحث ؟! شددت على يديها بقوة وأجبتها :

ـــ         أنني سألتحق الى جبهة القتال مع أبناء مدينتي ، ومن اجل ذلك ، ابحث عن ما ادخرته من نقود كي اشتري بها بدلة عسكرية وسلاح .

أوصيتها برعاية الأولاد ، وأن تقوي عزيمتها تأهبا لما ستتجرعه بعدي لأنني لن أتوانى عن هدف أصبح محفورا بذاكرتي ، كنت أتكلم بسرعة لأسابق اللحظات ، فالوقت يمر دون سريعا .

أما زوجتي ، وبكامل هدوءها ، أخرجت ما تملك من نقود في حقيبتها وأعطها لي قائلة :

ـــ       وأنا أوصيك بقراءة سورة الكرسي كي تكون حرزك الأمين ، ولا تخف من الموت فلك حياة أخرى خير وأبقى ، أما بالنسبة لأطفالك ، فلا تقلق عليهم أبدا ، فهم وأنا في عين الله التي لا تأخذها سنة ولا نوم .

تفرست وجهها بنظرات الاستغراب ، فلم أعهدها بهذه القوة ، عندها بادرتني بالإجابة عن سؤال قرأته في ملامح وجهي الذي لا يحترف الكذب .

ـــ       نعم ، أذهب ... فأنا الآن أنظر إليك بعين الزوجة الخائفة من فكرة فقدانك بل أنظر بمرآة الزمن لسيدتي زينب عليها السلام وهي تودع أخوتها وحُماتها ، فما أنا من سيدتي زينب ومن أنت من الحسين عليهما السلام ، وإلا ؛ ما الفائدة من عبارة رددناها كثيرا بلسان الولاية " يا ليتنا كنا معكم " ... أذهب .. فأنا لن أمنعك من نصرة الحق وتأدية الواجب ، فقد حان وقت الاختبار ، وكل منا سيأخذ دوره .

 

          لم اشرد كثيرا بعباراتها سوى أنها أعطتني أسبابا أخرى تدفعني بزخمها صوب الطف الجديد ، فمضيت بأبهى حُلة من ثيابي العسكرية وسلاحي الذي اتقد بقوة زندي وفتيل بسالتي ، ولم تهرب الهتافات من مرمى سمعي ، وروحي لم تهدأ منذ صحوة جهادها حتى لفظت آخر الأنفاس وهي تردد عبارة أغاظت الأعداء" لبيك يا حسين ... لبيك يا حسين " .

          أنا الشهيد حسين حسن عباس ، نثرت جلنار روحي في مدينة تكريت في 21 حزيران 2015 بعد ثورة من الانتصارات ، ومن حيث أنا الآن ، ما أروع رائحة الفردوس ؟ وما أجمل حسن الخاتمة ؟

 

نغم المسلماني