الصحة والحياة

ومضت الأيام

16-05-2016 3884 زيارة

يروق لها الصمت ...

على غير عادتها ؛ لم تعد كما كانت قبل سنوات ...

كل شيء بدأ يتغير من حولها ، بل يتغير فيها خطوط العمر ، صارت تفترش ملامحها وتزاحم ابتسامتها التي لطالما كانت سر جمالها لتنذرها بأن العمر يمضي كرمال تنساب من بين أناملها ؛ فالزمن لا يتوقف ليستجيب لرغباتنا ولا يرحم غفلتنا يسير بنا دون التفات ، ويغير بنا ما يستطيع تغييره ...

إدراكنا ... مشاعرنا ... رغباتنا ، وحتى إشكالنا كل شيء يخضع لعامل الوقت ، لم تدرك هذا حينما كانت ترفض الزواج لأسباب ربما تتعلق بالغرور وحب الذات ، كان يغريها الرفض ، وتشعر بأن فارس أحلامها سيأتي حاملا شهادة جامعية ورصيد لا يستهان به ومنزل ، وربما قصر وكأنه بطل قصة أسطورية  و... و ... و ... ليصل سقف طموحها ويرضي غرورها وينهي تمردها ...

ولكن أحياناً يظلم المرء منا نفسه ، ويعتقد أن الحياة تتربص به وبأنه خلق ليشقى مع أنها جلبت الشقاء لنفسها ، بعدما قطعت خيوط الأمل ، ورمت نفسها في أحضان الوحدة ، فراحت تنفض عن روحها غبار الذكريات التي لن تعود ...

حتى الصور ، بدأت تزعجها لأنها تروي بصمت تفاصيل ملامحها وتخبرها عن شبابها الذي يحتجزه الماضي بين الصور والذكريات .

الغربة لا تعني أن نعيش في غير وطننا أو مع أشخاص لا تربطنا بهم رابطة دم ، فقد نعيش غربة حينما نفشل في أيجاد نصفنا الآخر أو حينما يتعذر علينا التواصل مع أقرب المقربين لنا ، لأنه ببساطة لا يفهمنا ، وربما حين نحكم على أنفسنا أن نعيش في عزلة عن عالمنا .

ليست الوحدة والغربة أشد ما أوجعها ، فكان شعورها بالعجز أن تكون أم ، هو الأكثر وجعاً حيث كانت مؤمنة بأن المرأة خلقت لتكون أماً ، وأن تمارس الأمومة وتؤدي الرسالة ، ولكن بعض الأمور نفهمها متأخراً بعد فوات الأوان .

كل ليلة كانت تتحدث مع وسادتها وتهمس لها بأن ...

" بعض الأحلام تتحقق ، أما المعجزات فلا ...

لن أكون أم في يوم من الأيام ...

ها أنا تجاوزت الأربعين عاماً ونيف ... "

كانت تعاقب نفسها بهذه الكلمات , ولكن ماذا يعني أن تقسو على ذاتها ؟ هي لن تغير شيئاً ! وبوحها للوسادة لن يسمعه أحد ولا حتى من تنتظره في أحلامها .

أصبحت تذرف الدموع بسخاء ، حينما تواسي أحدهم تتحين الفرص لتطلق حزنها مطراً يروي صحراء روحها الجرداء ...  تتحسر على عنادها وغفلتها وعن أشياء سرقت أشياء ...

معادلة صعبة لن يفهمها أحداً غيرها ...

لم تعترف أبداً بخسارتها أمام أي شخص حتى المقربين منهم ، تصر على أن تكابر ، وبأنها جوهرة ثمينة لم تجد من يصونها , أما أمام مرآتها ، فلها لوم وعتب وحتى غضب وحديث طويل ينتهي بحسرة .

تنقم من كلمة عانس وتكره عبارات وصفها بما معنى أن قطار الحياة تركها ومضى ولم يتوقف في محطتها ، وأي شيء يرد بهذا المعنى ...

هي تعرف تفسير نظرات من حولها جيداً وتفهم التلميحات وما بين السطور , وهذا هم آخر يضاف لهمومها في مواجهة الناس والتعايش مع نظرات الشفقة وأحياناً الخوف منها لا عليها .

لم تحسن التصرف , فكانت ضحية الغرور , أرادت أن تصرخ في وجه كل فتاة لتجنبها الغفلة وتخبرها عن قساوة الحياة بدون أمل لعلها تكّفر عن ذنبها وعن وحدتها حيث أصبحت كزهرة ذابلة نبتت في أرض مالحة

وما تعلمته أخيراً ، هو أن الحياة مثل الدرس , علينا أن نفهمه جيداً قبل الامتحان وإلا لن ننجح , ولكنها أدركت هذا الدرس بعدما فشلت في أهم اختبار لها في الحياة .

 ايمان كاظم الحجيمي

قد يعجبك ايضاً