قصة الشهيد السعيد (حامد هادي عبد عون جارالله)

غاصت الشمس في عين الغروب الحمِئةِ.. كأنها نارِ الغياب..

نارٌ تستعر في أفئدة الفاقدين، حتى الصغار..

طفلٌ اعتاد على الخروج الى ساحة المنزل، واقفاً تحت السماء، مستمداً منها برداً لقلبه الــملتاع بفقد جدّه الحاني عليه وعــلى جميع من يُحِط به خُبراً..

كانت عيناه تُراقب هبوط الشمس، يأخذ شهيقه من جهة السماء.. يلتفت ذات اليمين وذات الشمال وكأنه ناظِرٌ لأحدٍ ومرتَقِبه..

لمحَتهُ أمّهُ من النافذة مستفهمةً عن سبب وقوفه الطويل.. ليجيب:

- إنني بانتظار جدي!

تتعجَب، وتردّ عيناها دمعاً سرياً متمتمةً:

رحمك الله يا أبي...

كانت تأبى إلا ان تسميه (أبي) وإن سُئلت: ألستِ زوجة ابنه؟ تذهل وتستغرب العبارة.. إذ انه كان يناديها وتناديه هي بـ(أبي).. نسيت أنها (زوجة ابنه) لفرط حنانه الأبوي ومعاملته لها على أنها ابنته..

رفعت رأسها الى السماء لتُرسل حروفها الى الفقيد:

صحيح أن أبي قد توفي وفراغ الأب لا يُملى..

لكنك ملأته.. إيه وحقّك إن والدتي وإخوتي وأخواتي رأوا حزني عليك قد فاق حزني على أبي الذي ولدني..

وبينما هي كذلك حتى قطع صوت طفلها صادق مناجاتها صارخاً:

جاء جدي!

لتنتفض هي وابنتها الصغيرة (تبارك) الى حيث يقف صادق.. إنه يومئ الى فراشة على أصابع يُمناه الصغيرة ويُخيّم عليها بيُسراه، ليقول لأخته بسرور: إنها جدي!

أجل.. قد يُدرك الكبار عند قراءتهم للقرآن الكريم حياة الشهداء بعد مماتهم بهذه الآية: « ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربّهم يرزقون »..

لكن الصغار أدركوها بفطرتهم .. لم يستوعبوا الرحيل الكامل للأَخيار، ولا البُعد القصيّ للأحباب.. لابد من أثر لهم، ولابد من وصال، حتى لو تمثّلوا لهم بـ(فراشة)..

وكم كان دقيقاً اختيار صادق للفراشة، اختار شيئاً جميلاً ليوازي جمال الشهادة، وجمال الشهداء ..

إنهما مستأنسان بها جداً، يمسحان على أجنحتها الصغيرة.. قال صادق لأخته وهو يحاورها:

- أترين يا تبارك.. هذه روح جدي، هو صعد الى السماء ويبعث لنا بروحه بهيئة هذه الفراشة ليسعدنا فهو كان يحبّنا ولازال.

قلت أنه صعد الى السماء، اين تعني في السماء؟.

- في الجنة.

وكأن كلمة (الجنة) قد أخمدت نار الوجد فتلفّت أحدهما الى الآخر مبتسماً  ابتسامة يقين، ثم واصلا نظرهما إلى الفراشة، ليستذكرا ذكرياتهما مع جدّهما..

تذكّرت الصغيرة (تبارك) عملها الذي انقطع برحيل جدّها، والذي لا ترضى أن يزاوله غيرها.. كانت تمنع حتى أبيها وتُسابق الجميع لتحظى بسقاية جدّها إذا ما شعر بالعطش وطلب الماء..

تذكّرت كيف أنه عصيٌّ جداً في أمر عودته، تتذكّر عندما يتصلون به ويستمعون لصوته الشجيّ، كيف أن كل زفرة من زفراته تحمل شوقاً مكثفاً إلى عائلته إلا انه الأقل إذا ما قورن بشوق الجهاد..

كان يُنهي اتصالاته بكلمات رفضه للعودة قائلاً: سأبقى أيام اُخر ..

كان يحبهما كثيراً..

لكن ساحة الحرب اختطفت قلبه أكثر وبزمن سريع، زمن مقداره دقائق إعلان الفتوى استحوذ خلالها على قلبه حب الجهاد..

صوت الفتوى وكلمات المرجع كانت أجمل عنده من صوت أولاده وأحفاده..

كم من فتوى عظيمة هي وكم من مرجع عظيم هو حتى أخرجا حب الدنيا ومتعلقاتها من قلوب المجاهدين من أجداد وآباء وأبناء وإخوة..

رفرفت الفراشة بجناحيها لتعود مرة اخرى وتقف على كفيّ تبارك..

أرادت ان تخبر جدتها بأمر الفراشة فهي تعلم مدى شوقها له، اسرعت الى الغرفة لترى جدتها في إحدى الزوايا تفترش مصلّاها ممسكةً سبحتها بيدها وكأنها تقول مع كل حبّة منها: اللهم اني راضية بقضائك، فخذ حتى ترضى.. لطالما سُئِلَت من قِبل النساء عن موقفها عندما عزم زوجها الشيخ الكبير على أمر الجهاد، وهل عارضت أم لا؟ لتجيب مستغربة وقبل إتمام السؤال: أنا أُعارض؟! أبداً..

هو حقاً (عمود بيتي) إلا ان تثبيطه عن الجهاد يهوي بعمود الوطن بأكمله!

تحينت تبارك الفرصة..

فأسرعتُ مرتميةً في أحضان الجدّة مناشدةً إياها غُرُفات من معين جهاد الجدّ، فرأتها قد سُرّت وحوّلت بصرها لوجهةٍ أخرى وكأنها صارت جليسة الجدّ، وشرعت تقصّ على حفيدتها أحسن القصص، ليدخل عليهما (صادق) ويصغيا معاً:

ولداي.. احفظا عني ما أقول، واتبعا أثر جدّكما..

يا صغيراي إن (جدكما) ومع كبر سنّة إلا أنه لم يتوانَ عن تلبية نداء الوطن بعدما سمع فتوى المرجعية المباركة..

رغم كونه كهلاً إلا أنه كان بطلاً..

اعتمد على ما اكتسبه من خبرة عسكرية طوال سنين عمره التي شارفت الستين ..

درّب المجاهدين وأعدّهم لمواجه العدو،  وهيأهم للقتال والاستبسال فيه..

اختار لنفسه ان يؤمن للشباب المجاهد ما يسلكونه من طريق عند قيامه بتفكيك العبوات المزروعة بأيدي الارهاب الجبان..

كان يخشى على المجاهدين اكثر من خشيته على نفسه.. يتألم ان اصيب احدهم.. يرابط في سوح القتال بدلاً عمن يحتاج الى اجازةٍ لأمر طارئ يعود فيها الى اهله.. فكثيراً ما يواصل ايام جهاده لأكثر من شهر كامل..

سكتت الجدّة وكأن أمراً قد حزّ في نفسها أجرى دمعها.. واصلت الحديث قائلة:

لذلك.. لأجل شجاعته وقوته.. ولما ألحقه بالإرهاب من خسائر.. توعدوا للتخلص منه أعدوا له كميناً مفخخاً بالعبوات، إذ إنهم يخشون المواجهة كالأبطال.... اثناء تفكيكه لما زرعته الايادي الخبيثة، انفجرت واحدة منها لتلتحق روح جدكما مع أرواح الشهداء السعداء.. 

قال صادق بقوة:

- نعم، نعم يا جدّتي هم جبناء ويخشون مواجهة جدي..

أجابته جدته وهي تمرر يدها على رأسه:

أبداً لم يستطيعوا، ولن يستطيعوا مواجهتهم ليس فقط جدك إنما جميع المجاهدين، ولن يستطيعوا مواجهتك أنت يا صادق.. فأرى فيك الكثير من صفات جدك يا بني.

من سلسلة قصص كتاب ومنهم من ينتظر (الجزء الثالث) الصادر عن مركز الحوراء زينب (عليها السلام) في العتبة الحسينية المقدسة

زهراء حسام

مواضيع ذات صلة