هل كان ابن العلقمي مسؤولاً عن سقوط بغداد بيد المغول ؟؟

الأدب الحسيني

2020-06-04

901 زيارة

اتفق أغلب المؤرخين والكتاب ــ قديماً وحديثاً ــ على أن غزو المغول لبغداد قد مُهِّد له من الداخل, وأن هناك أسباباً وعوامل هيّأتها جهّات متنفّذة من داخل البلاط العباسي بصورة مباشرة أو غير مباشرة ساعدت على دخول هولاكو إلى بغداد وأدت إلى النكبة العظيمة التي حلت بها.

ولكن الجديد في هذا الموضوع هو الاختلاف الذي كشفته الحقيقة عمّا سبق من القول فيه، ويدور هذا الاختلاف حول هوية الممهّدين والمسبّبين لهذا الغزو الذي تمخض عن مجزرة بشرية تقشعر لها الأبدان جرت فيها دماء مئات الآلاف من الأبرياء وأدت إلى خراب مدينة وإبادتها بالكامل ولم يسلم من هذه الإبادة حتى الأطفال الرضَّع والنساء والشيوخ والعجائز فضلاً عن الرجال والشباب.

فالذي روّجت له المصادر التاريخية التي ارتكز أصحابها على التقليد الأعمى وسايروا سياسة السلطة, هو أن الوزير ابن العلقمي كان قد تعاون مع المغول وراسل هولاكو ومهّد له احتلال بغداد, وقد لاكت الألسن هذه التهمة وجرت الأقلام على تناقلها طوال قرون عديدة، وصار اسم ابن العلقمي مقروناً باللعنة والسخط من قبلهم، ووصفوه بالغدر والخيانة, بل وتعدّى الأمر إلى تخوين الشيعة كلهم بسبب كذبة وضعها رجل حاقد على ابن العلقمي والشيعة معاً كما سنرى.

إن مصادر تلك الفترة كلها تبرِّئ ابن العلقمي من هذه التهمة وتشير إلى المتهمين الحقيقيين في هذه المجزرة, كما تشير إلى أن الذين كانوا سبب وقوع هذه المأساة هم مَن ألصقوا هذه التهمة بابن العلقمي ظلماً وزوراً وروّجوا لها, ثم وجدت هذه التهمة من يتبنّاها من المؤرخين فأثبتها في تاريخه وتناقلتها بقية التواريخ حتى أصبحت لديهم من المسلمات لتبقى لصيقة بابن العلقمي وهي كذبة ستكشفها الحقيقة من مظانها.

ونرجو في هذا الموضوع أن نُوفّق بما تيسّر لدينا من مصادر تاريخية معتبرة في رفع الحيف عن بعض مَن جنى عليهم التاريخ, وكشف بعض الحقائق التي أخفاها المؤرخون ــ سهواً أو عمداً ــ ولا نريد هنا استعراض أقوال مؤرِّخي السلطة من الذين ألصقوا التهمة بابن العلقمي كذبا وافتراءً والتي خالفت الحقيقة لأنها:

1 ــ صاغتها الأهواء, وكل قول قد زاد على سابقه بما شاء صاحبه من اتباع الهوى والانحياز المذهبي.

2 ــ وقع فيها التناقض في المعلومات إلى الحد الذي استخف قائلها بعقله قبل عقول القراء.

3 ــ يشمُّ منها رائحة الحقد ليس على ابن العلقمي فقط، بل على الشيعة جميعاً، فهي فعلاً تصيب القارئ بالغثيان, ومن أراد أن يطالع ما يكنّه هؤلاء من الحقد على الشيعة فليراجع ما كتبه الأستاذ يوسف الهادي الذي استعرض هذه الأقوال، وفنّدها وكشف أباطيلها ودوافع أصحابها وأثبت براءة ابن العلقمي بما لا يدع مجالاً للشك (1)

فالدافع الأول والأخير لهذا الموضوع هو كشف الحقيقة, ولا يضير من قرأ الأقوال المضّادة لها من مؤرِّخيه، من الاطلاع عليها، إلّا إذا كان يخشاها ليبقى على جحوده لها, فالحقيقة لا تخيف إلّا من في قلبه مرض فيفرغ من خلاله عن حقده بخلافها بالطعن في طائفة تؤمن بالله وكتابه ورسوله وتقيم الفرائض, متذرِّعاً بكذبة على رجل كل جريمته أنه شيعي !

ولنفرض جدلاً أنها صحيحة كما يدّعي، فهل يسوغ له ذلك تخوين طائفة كاملة والتهجّم عليها ونعتها بكل ما هو شائن، ويمتدّ هذا التهجّم والسباب واللعن لهذه الطائفة عبر القرون إلى أجيال وأجيال وهي تخوّن وتُلعن بسبب هذه الكذبة ؟

ورغم أن الحقيقة التاريخية تثبت هذه التهمة على أناس من غير الشيعة، إلا أنه ليس من المنطقي, بل لا يمكن بأي حال من الأحوال إلصاقها بالطائفة التي ينتمون إليها ففي ذلك مخالفة صريحة للقرآن الكريم الذي يقول: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ). (2)

هالة الخلافة

إن الذين وجّهوا أصابع الاتهام إلى ابن العلقمي وأغمضوا أعينهم عن الأسباب الحقيقية لهذه النكبة والمسببين الحقيقيين لها، لا تزال الهالة المزيَّفة على أعينهم في نظرتهم إلى الخليفة الحاكم المنزَّه عندهم من المعاصي والكبائر, بل وحتى اللمم رغم علمهم بظلمه وجوره واستخفافه واستهتاره بالأمة، وانهماكه في الفسوق والفجور والملذّات والشهوات ومعاقرته الخمر بين الراقصات والمغنيات.

فقد: (أدى عامل التذرّع بضرورة صيانة سمعة الخلفاء العباسيين لكونهم من أهل بيت النبي (ص)، ولا يجوز ذكر أي شيء يؤدي إلى التقليل من احترامهم إلى كتمان الكثير من الحقائق التاريخية الخاصة بواقعة الغزو المغولي للبلاد الخاضعة للحكم العباسي، ومرّ زمان ضاعت تلكم الحقائق وحلّ محلها حشد من الروايات التي ما لم يجد كاتبوها ما يعللون به الوقائع التي أدت إلى تلكم الكارثة أو أنه هالهم صدورها من أناس يحترمونهم كالخليفة مثلاً، بادروا إلى اختلاق ما تصوّروا أنه قد حدث على أرض الواقع، وانطلاقاً من هذه الرؤية التي تحترم الخليفة العباسي إلى هذا الحد، اندفع بعض هؤلاء وبحماس فعدّلوا الروايات التي وصلتهم أو حذفوا منها أو زادوا فيها، بل أن بعضهم ألّف نصوصاً من إنشائه وأدخلها في كتابه على أنها جزء من الوقائع التاريخية). (3)

وهذه التهمة التي ألصقت بابن العلقمي هي من الفقرة الأخيرة، فقد أُختُرِعت وأدخِلت في التاريخ وتناقلها المؤرخون فأصبحت من ضمن تاريخ هذه المرحلة, وقد اتخذ أصحاب هذه الكذبة ومن جاء بعدهم ممن تناقلها ذريعة للتشنيع على الشيعة، وعبّروا عن أحقادهم وكرههم بسيل من الأكاذيب حتى أنساهم حقدهم النظر إلى كل ما له علاقة بسقوط بغداد بيد المغول وتمسكوا بسبِّ ولعن ابن العلقمي والشيعة.

ابن العلقمي .. العربي

بلغ من تعصّبهم الأعمى أنهم سلخوا من ابن العلقمي حتى نسبه العربي ورموه على الفرس إمّا عمداً أو اشتباهاً وإن كان الاحتمال الأول هو الراجح، ورغم أن هذا الأمر لا يضرّ ولا ينفع فـ (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى)، إلا أنه يشكل لديهم حافزاً ومبرراً ــ وإن كان غير منطقي ــ لتعميم التهمة على أمة كاملة دانت بالولاء لأهل البيت (ع).

فالوزير ابن العلقمي هو عربي أسدي القبيلة (4) وليس هناك مصدر واحد يشير إلى غير ذلك، وهو بغدادي المولد والمسكن (5) وأصله من قرية النيل في الحلة, (6)، وهو مؤيد الدين أبو الفضل محمد بن أحمد بن علي بن المحسن القصري الأسدي البغدادي المعروف بـ (ابن العلقمي), (7)، وهو صهر الوزير مؤيد الدين محمد بن محمد بن عبد الكريم القمي الذي ولد في قم وسكن بغداد, وكان وزيراً للناصر لدين الله وابنيه الظاهر ثم المستنصر، وقد عزله الأخير وسجنه مع أفراد أسرته، فتوسّط ابن العلقمي لدى المستنصر لفكّه وقد وقع الالتباس بينهما كونهما يحملان نفس الاسم والكنية فابن العلقمي عربي والقمي فارسي. (8)

ويؤيّد ذلك ما ذكره الشيخ محمد رضا الشبيبي في ترجمة ابن العلقمي قوله في نسب ابن العلقمي: (كمال الدين أحمد بن محمد الأسدي القرشي النيلي الحاجب ... ) (9) وقد وقع الالتباس (لاشتراك شخصين في اسم واحد ولقب واحد وكنية واحدة في زمن واحد، وكل منهما وِلِي الوزارة مضافاً إلى ذلك أن بينهما قرابة ماسة) (10) فـ ابن العلقمي هو (أسدي الأصل بغدادي المسكن والمدفن) (11)

أما لقبه بـ (العلقمي) فقد ورد فيه ثلاثة أقوال، أولهما: أن جده حفر النهر المسمّى بـ (العلقمي) وقد سمي باسمه (12) وثانيهما: أن أحد أجداده من بني علقمة بن دارم من بني تميم (13)، ولكن هذا القول يتعارض مع كون ابن العلقمي أسدياً، والظاهر أن علقمة هذا غير التميمي، وهو الذي أشار إليه الشيخ محمد السماوي حيث يقول في أرجوزته:

وشقّ فناخسرو نهراً رسمه   ***   لكربــــلا وناطه بعلقمه

الأسدي جـدّ آل العلقمي   ***   فأصبح النهر إليه ينتمي (14)

أما القول الثالث في نسبة ابن العلقمي هو: (أن أسرته كانت تسكن قريباً من هذا النهر ثم نزحوا منه إلى النيل في الحلة، وإن المألوف لدى العرف العشائري أن النسبة إمّا أن تكون إلى الجد الأعلى للعشيرة، أو إلى المكان الذي تعرف به الأسرة) (15) وفي الاعتماد على أي من القولين الأول والثالث فإن لقبه جاء نسبة إلى هذا النهر. ولكن القول الثالث هو الأصح لوجود روايات في مصادر كثيرة تاريخية وجغرافية ولغوية تشير إلى أن هذا النهر ــ العلقمي ــ كان موجوداً قبل القرن الأول الهجري (16).

ولد ابن العلقمي عام (591هـ) في أسرة تميّزت بميزتي العلم والثروة فهو: (من بيت السؤدد والفضل والتقدم في جليل المناصب والتنقل في رفيع المراتب) (17) وقد انتقلت هذه الأسرة من الحلة إلى بغداد وزاول أفرادها مناصب عليا في الدولة كالكتابة والحجابة، كما كان أخوال ابن العلقمي في نفس المرتبة، ومنهم: خاله عضد الدين أبو نصر ابن المبارك المعروف بالأسدي القرشي البغدادي أستاذ الدار، وكان الناصر العباسي يعتمد عليه في سفاراته إلى خصومه، وقد عرف بالعلم والسياسة والتدبير كما كان يقرب العلماء والأدباء. (18)

كان لهذه البيئة العلمية والأدبية أثرها الكبير على ابن العلقمي فصقلت مواهبه وشخصيته فـ (اشتغل في صباه في الأدب ففاق فيه), درس الأدب في بغداد على يد أبي البقاء العكبري (شارح ديوان المتنبي) في بغداد،  ثم لما بلغ مرحلة الشباب أرسلته أسرته إلى الحلة التي كانت في ذلك الوقت حاضرة من حواضر العالم الإسلامي ومركزاً علمياً مهماً، فدرس على يد رضي الدين (عميد الرؤساء) هبة الله بن حامد بن أحمد بن أيوب الحلي اللغوي الذي كان (متصدّر بلده).

وقد هيّأت له هذه الدراسة سلم الارتقاء في العلم والأدب، حيث عرف بحدّة ذكائه وحفظه وسرعة بديهته وصفاء ذهنه، كما ساعد على سرعة تعليمه ونبوغه حالة أسرته المادية الجيدة التي هيّأت له سبل النجاح، ومهّدت له طريق المجد، ووفرت له كل ما يحتاجه ليتفرغ للدراسة والبحث.

كانت المدارس العلمية والأدبية في الحلة في ذلك الوقت قائمة على قدم وساق، وهي تعجّ بالعلماء والأدباء والفقهاء، فوجد فيها ابن العلقمي ضالته المنشودة، ولقي فيها ما تتوق إليه نفسه، فلم تقتصر دراسته على يد (عميد الرؤساء)، بل حضر مجالس السادة آل طاووس، وهي من أبرز الأسر العلمية في الحلة آنذاك وكانت تربطه صداقة وثيقة مع أبرز أعلام هذه الأسرة وهو السيد رضي الدين علي بن طاووس الذي يعد من كبار علماء الإمامية, ومن أساتذة ابن العلقمي أيضاً المحقق الحلي والشيخ محمد بن أبي البركات الصغاني الذي أجازه.

إلى بغداد

عاد ابن العلقمي إلى بغداد وهو مسلح بسلاحي العلم والأدب وواصل دراسته في بغداد وصار له مجلس يجتمع فيه أهل العلم والأدب ويقصده المتعلمون فكان: (يفاوض كل من يدخل عليه من العلماء مفاوضة عاقل لبيب محصل) (19)

كما أشارت المصادر إلى نبوغه في العلم وتضلعه في الأدب وطول باعه في الفقه فأصبح من العلماء الأعلام في عصره فكان: (عالماً فاضلاً أديباً يحب العلماء ويسدي إليهم المعروف). (20)

و(كان من الفضلاء في الإنشاء والأدب والفقه) (21)

و(حصل على أنواع العلوم والفضائل والكرم الفطري ورسم على لوحة سطرة العلوم النقلية والعقلية والفنون المنثورة والمنظومة). (22)

و(كان من أهل الإنشاء المشهورين ومن الأدباء المرموقين). (23)

ونكتفي بهذه الأقوال وقد تركنا غيرها كونها تتشابه في المضمون وكلها دلت إضافة إلى علمه وأدبه، نزاهة نفسه، ونبل أصله، وكرم أخلاقه، وحميد خصاله.

أدبه وشعره ومكتبته

وُصف شعره بجزالة اللفظ وحسن السبك ورقة الشعور ودقة المعنى، وقد غلب عليه طابع التشاؤم واليأس, ولعل سبب ذلك الأحداث المريرة التي عاشها والفتن والمؤامرات التي حِيكت ضدّه، وهذا الموضوع يحتاج إلى دراسة خاصة لتسليط الضوء على خصائص شعره وشاعريته، وسنعرض بعض أشعاره بقدر ما يمت بصلة بالموضوع.

أنشأ ابن العلقمي مكتبة ضخمة، وجعلها وقفاً على الناس، فأصبح كل من يحتاج كتاباً ولا يستطيع شراءه يقصد مكتبته، فقد: (كان يحب أهل الأدب ويقرّب أهل العلم..) (24) وقد وصف ابن الفوطي مكتبته بالقول: (وكان ابن العلقمي قد ابتنى داراً للكتب افتتحها سنة (644هـ) ونقل إليها الكتب في جميع العلوم) (25)، ويقدر ابن الطقطقي عدد كتب هذه الدار بأكثر من عشرة آلاف كتاب من نفائس الكتب (26)، ويصف ابن أبي الحديد (شارح نهج البلاغة) والذي ألفه بإيعاز من ابن العلقمي هذه المكتبة ويذكر بعض الكتب التي احتوتها فيقول:

رأيـــــتُ الخزانــة قد زُيِّـنتْ   ***   بكتبٍ لهـــــا المنـظرُ الهائلُ

عقــــولُ الشيـــوخِ بـها ألّفتْ   ***   ومحصــوله ذاكَ والحـاصلُ

ولمّا مــــــــــــثلتُ بها قـائماً   ***   وأعجبني الـفضلُ والفـاضلُ

تمثّلتُ أسمــــــــــاءها مـنكمُ   ***   على النـــقلِ ما كـذّبَ الناقلُ

بها (مـجمعُ البحــــــرِ) لكنه   ***   من الجودِ ليــــسَ لـه ساحلُ

وفيها (المهذّب) من فضلكم   ***   و(مغنٍ) ولكـــــــــــــنه نائلُ

وفيها (الوسيط) بما نرتجيه   ***   وفيها (النهايةُ) و(الكــــاملُ)

وإن كـــــان أعوزها شامل   ***   فقد زادها جودُك الشـــــاملُ

وإن كان قـــد فاتها فائتٌ   ***   أبو الفضل في علمِهِ كاملُ (27)

وكان ابن العلقمي يوعز إلى العلماء بالتأليف، ويشجعهم على ذلك، وفتح باب مكتبته لهم وحثهم على نشر العلم، ومن الذين شملهم نوال ابن العلقمي فأشاد به وبمكتبته، أبو الفضائل الحسن بن محمد الصغاني صاحب كتاب (العباب في اللغة), والذي قرأ ابن العلقمي مؤلفاته كلها وأعانه كما أعان غيره من العلماء ودعمهم مادياً ومعنوياً، ورفع عن كواهلهم الحاجة والفقر، ووفر لهم ما يحتاجونه في حياتهم العلمية فكتب في مقدمة كتابه يشكر ابن العلقمي ويصفه بالعالم في وصف طويل مسجع منه قوله: (العالم العادل المؤيد المظفر ...) ثم يقول: (وشرفني بمطالعة مصنفاتي وارتضاء مؤلفاتي). (28)

كما وصفه ابن أبي الحديد في مقدمة شرحه نهج البلاغة وقد ألفه له بطلب منه: (ولا عجب أن يتقرّب بسيد الكتب إلى سيد الملوك، وبجامع الفضائل إلى جامع المناقب، وبواحد العصر إلى واحد الدهر، فالأشياء بأمثالها أليق، وإلى أشكالها أقرب، وشبه الشيء إليه منجذب ونحوه دان ومقترب) (29)

ولما فرغ ابن أبي الحديد من تأليفه ــ شرح نهج البلاغة ــ أكرمه ابن العلقمي غاية الاكرام وأهداه هدايا قيّمة غيّرت حاله إلى أحسن حال ورفع اسمه بتأليفه إلى مصاف العلماء وأهل الفضل، ولولا ابن العلقمي لما تم له ذلك كما يقول هو في القصيدة التي مدح بها ابن العلقمي وأرسلها إليه بيد أخيه أبي المعالي يقول في مطلعها:

أيا ربّ العبادِ رفـعتَ ضبعي   ***   وطلتُ بمنكبـــي وبللتُ ريقي

ويقول منها:

و(شرحُ النهجِ) لم أدركه إلّا   ***   بعونِكَ بعد مجهـدةٍ وضيــــــقِ

تمثّل إذ بدأت لــــــــه لعيني   ***   هناكَ كذروةِ الطــــودِ السحيقِ

فتمَّ بحسنِ عونِكَ وهـو أنأى   ***   من العيّــــوقِ أو بيضِ الأنوقِ

بآلِ العلقميِّ ورتْ زنـادي   *** وقامت بين أهلِ الفضلِ سوقي (30)

أما بالنسبة إلى ابن العلقمي ــ المؤلف ــ فرغم أنه لم يصل إلينا أي أثر له، إلا أن هناك ما يدل على أنه خاض غمار التأليف, فقد ذكر المحقق الأربلي ما نصه: (ونقلت من كتاب جمعه الوزير السعيد مؤيد الدين محمد بن أحمد بن محمد بن العلقمي رحمه الله تعالى في باب مناقب الإمام محمد الباقر عليه السلام ...)، (31) والأربلي كان معاصراً لابن العلقمي وصديقه المقرّب، وهذا الحديث يدل على أن لابن العلقمي على الأقل مؤلفاً.

وقد أثنت كل كتب الشيعة على ابن العلقمي وأجمعت على توثيقه وفضله وعلمه:

يقول المجلسي: (وكان رحمه الله إمامي المذهب صحيح الاعتقاد رفيع الهمة ...) (32)

وقال بنفس هذا القول كل من النوري (33)، والحر العاملي (34)، والشيخ عباس القمي (35)، وقال الخونساري (وكان مؤيد الدين الذي هو من أكابر الشيعة في ذلك الزمان...) (36)

وليس أدل على تشيّعه الصحيح وصدق ولائه لأهل البيت (ع) من نشر علومهم وإبراز فضلهم على غيرهم، وبذله الأموال الكثيرة في سبيل ذلك، ومنها تكليفه ابن أبي الحديد لتأليف شرح نهج البلاغة وإكرامه على ذلك غاية الكرم.

كما أثنت كتب السنة عليه ووصفته بالعلم والحلم والفضل، يقول ابن شاكر الكتبي: (وكان وزيراً كافياً خبيراً بتدبير الملك ولم يزل ناصحاً لأصحابه وأستاذه ...) (37)

ويقول سبط ابن الجوزي: (كان رجلاً فاضلاً صالحاً عفيفاً ديناً قارئاً للقرآن) (38)

ويقول ابن الفوطي: (كان عالماً فاضلاً أديباً يجب العلماء ويسدي إليهم المعروف) (39)   

ويقول الأشرف الغساني: (كان عالماً فاضلاً أديباً حسن المحاضرة دمث الأخلاق كريم الطباع خيِّر النفس كارهاً للظلم خبيراً بتدبير الملك لم يباشر قلع بيت ولا استئصال مال) (40)

أستاذ الدار

 اشتهر اسم ابن العلقمي في بغداد، وأصبح اسمه يذكر على الألسن لعلمه وأدبه، وكان خاله عضد الدين ابن المبارك أستاذاً لدار الخلافة فراح ينوّه باسم ابن العلقمي ويشيد بعلمه وأدبه، فتم ترشيحه لمنصب (مشرف دار التشريفات)، أي (رئيس مفتشين) وهي وظيفة مهمة في القصر وقد استمر بهذه الوظيفة أكثر من اثنتي عشرة سنة وشهد له من في القصر على أمانته ونزاهته وعفته فارتقى لمنصب (أستاذ الدار) أو ناظر القصر، ويتبوأ هذا المنصب (شخصية لها خطرها وأهميتها) (41) وقد بقي فيه أربعة عشر عاماً قام خلالها بأعمال جليلة وقدم خدمات كثيرة للناس ذكرنا بعضها، ومنها إشرافه المباشر على بناء المدرسة المستنصرية التي لا تزال قائمة إلى اليوم.

بداية السقوط

في سنة (640هـ) مات المستنصر العباسي, وقد جرت العادة في مثل هذه الحالة أن يُعلن للناس وفاة الخليفة ومن يحكم بعده، وتُقدّم التعازي ومن ثم التهاني للخليفة الجديد على الملأ, ولكن لم يحدث أي شيء من هذا القبيل في هذه المرة ! فقد كُتم خبر موت المستنصر حتى على أقرب الناس إليه, بل وحتى على ولده، ووزيره ابن الناقد.

(والأغرب من ذلك أن الخطباء كانوا يخطبون باسمه ويدعون له بالسلامة والنصر على أعدائه وهو مسجّى على فراش الموت، وكانت أخبار موته تأتي على شكل رقاع لدعوة وجهت إلى ذويه وخاصته) (42)

(وكتم موته إلى أن بويع ولده أبو أحمد عبد الله ــ المستعصم ــ ثم خطب له على منابر بغداد وهو ميت ثم أشيع موته بعد ذلك) (43)

يثير هذا الأمر الجديد على الآلية المتبعة لتنصيب الخليفة والذي لم يعهده تاريخ الخلافة العباسية سابقاً كثيراً من الاهتمام والتساؤل والدهشة، ومما يزيده غرابة أن أكثر المؤرخين تعاملوا معه باعتيادية وكأنه أمر مألوف !

في تلك الفترة الحرجة من التاريخ الإسلامي حيث كانت جيوش المغول تجتاح البلاد الواحد تلو الآخر كانت مقاليد الأمور في بغداد بيد حزبين متنافسين متصارعين، أو بالأحرى شخصين وكل منهما يحاول بشتى الوسائل والطرق إظهار كفاءته وولائه للخليفة المستنصر.

الحزب الأول: بقيادة شرف الدين إقبال الشرابي وهو مملوك تركي (كان لعز الدين نجاح الشرابي وانتقل إلى زوجته بعد وفاته فلما أفضت الخلافة إلى الظاهر أرسلته إليه فقبله منها وأبعده رشيق ــ من مماليك الظاهر المتنفذين ــ وأنفذه إلى ولده المستنصر فلما دخل عليه قال له ما اسمك ؟ قال: إقبال فسُرَّ بذلك واستبشر وتفاءل به فلما أفضت الخلافة إليه قرّبه وقبض على رشيق وحبسه وجعل إقبال شرابياً ــ أي ساقياً ــ ثم جعله سرخيل العسكر وبعدها أصبح من أشهر قادة الجيش العباسي وأمرائه في عصري المستنصر والمستعصم وكانت الحلة من إقطاعاته ...) (44)

أما الحزب الثاني: فهو بقيادة مجاهد الدين أيبك المعروف بـ (الدويدار الصغير) وهو مملوك تركي أيضاً، وسُمِّي بالدويدار لأنه كان يحمل دواة الخليفة، ولقب بالصغير لأن أباه كان بهذا المنصب وكان يعرف بالدويدار الكبير فلما عجز وشاخ حل ابنه محله ولقب بالصغير، ثم صار من مستشاري المستنصر المقربين، ورغم قربه من الخليفة إلا أنه لم يستطع أن يصل إلى ما وصل إليه الشرابي في قربه من الخليفة وأن يحل محله في نفس المستنصر، فقد كان الشرابي أقرب الناس إلى المستنصر بل حتى أقرب من أهله وأخصّ خواصه. (45)

سبب كتم خبر موت الخليفة  

كان من الطبيعي أن يكون الشرابي أول من يعلم بموت الخليفة فهو أقرب شخص إليه وهذا ليس بعجيب فقد كان الأتراك المماليك على اطلاع بكل أسرار البلاط العباسي وأسرار الخليفة, ولكن العجيب أن يُكتم خبر موت الخليفة، فقد كان المعتاد أن يحسم أمر الخليفة الجديد بمجرد أن يلفظ الخليفة الذي سبقه أنفاسه, لكن الشرابي أخفى خبر موت المستنصر وأوصى من علم بالخبر من خدم وموظفي القصر بكتمانه.

يقول ابن كثير: (وكتم موته أي المستنصر حتى كان الدعاء له على المنابر ذلك اليوم) (46)

إذن مرّ يوم كامل والخليفة ميت ولا يعلم بموته غير الشرابي وعدة أشخاص أمرهم بكتمان الخبر، وحتى ابن المستنصر عبد الله والذي تولى الخلافة بعد أبيه ولُقِّب بالمستعصم لم يكن يعرف بخبر موت أبيه !

فما هي الغاية من وراء ذلك ؟ وما هو الهدف الذي سعى إليه الشرابي بعمله هذا ؟

ألا يدعو هذا الأمر إلى التساؤل والتنقيب عن الغاية بدلاً من كيل التهم بالمجان لشخص ليس له علاقة بالمتآمرين على الخلافة لا من قريب ولا من بعيد ؟ بل بالعكس فقد حاول بكل جهده أن يمنع دخول المغول إلى بغداد ومنع حدوث المجزرة، لكن المتآمرين جمّدوا حركته واتهموه بالخيانة، والعجيب أن المؤرخين أغمضوا أعينهم عن كل ذلك ولم يولوه أية أهمية تذكر رغم أنه كان الشرارة التي أحرقت بغداد وأدت إلى دخول المغول إليها وإبادتها !

لقد أعدّ الشرابي عدّته، وأحكم خطته، وحبك مؤامرته جيداً, فقد أراد هو أن ينصّب الخليفة الجديد بنفسه وقد اختار الخليفة الجديد الذي يضمن بتنصيبه بقاءه في منصبه وهيمنته على القصر وإصدار الأوامر والتخلص من الخصوم، ولن يتم له ذلك إلا إذا تولى الخلافة بعد المستنصر ابنه المستعصم الذي لم يكن مؤهلاً تماماً للقيام بأمور نفسه فضلاً عن الخلافة, ولنترك الحديث للتاريخ وهو يصف الطريقة التي تمت بها بيعة المستعصم رغم معارضة جميع أفراد بني العباس وأهل الحل والعقد من رجال البلاط وسياسيي الدولة.

يقول السيوطي: (واستدعي ــ أي المستعصم ــ من مسكنه بالتاج سراً من باب يفضي إلى ظهر داره وكان المستدعي له والقائم بأمر هذه الإنالة شرف الدين إقبال الشرابي المستنصري وأجلسه على سدة الخلافة وخاطبه بـ أمير المؤمنين ...). (47)

ويقول الدكتور سعد الغامدي: (بعد أن توفي الخليفة المستنصر والذي لم تعرف أسرته عن وفاته شيئاً إلا بعد مضي ما يقرب من ثمان وأربعين ساعة، جاء شرف الدين إقبال الشرابي وكان يعتبر أكبر رجل في البلاط إلى المستعصم بصفة سريعة وهو في بيته واطلعه على وفاة والده، كما قدم له التعازي ثم طلب منه أن يقبل أن يكون خليفة، فقبل المستعصم ذلك المنصب إلا أن أقرباءه رفضوا الانصياع بقبوله أن يكون خليفة) (48)

ويقول المؤرخ عباس العزاوي عن المستعصم: (ولما توفي والده بكرة الجمعة 10 جمادي الثانية لسنة 640 هـ 1242م  لم يكن حاضراً فاستدعاه شرف الدين الشرابي من مسكنه سراً من باب يفضي إلى غرفة في ظهر داره، فحضر ومعه خادمه مرشد الهندي فسلم عليه الشرابي بالخلافة وأجلسه على سرير الخلافة وكان والده مسجى وكتم الأمر إلى ليلة السبت من الشهر المذكور) (49)

ولكن كيف استطاع الشرابي ارغام العباسيين على مبايعة المستعصم ؟ 

يقول ابن الفوطي: (واستدعي أحد أعمامه وهو أبو الفتوح حبيب، وأوهم أن جماعة من أخوته حضروا وبايعوه، فلما حضر لم يرهم فبايع، وعاد إلى داره بالفردوس ثم طُلب الباقون للمبايعة فامتنعوا ثم طلب القضاة والأمراء ...) (50)

وماذا فعل الشرابي مع الممتنعين عن المبايعة ؟

يقول ابن الساعي: (وأما أعمامه وكذا عم أبيه الممتنعون عن الحضور والمبايعة فأشير باستدامة غلق باب الفردوس الذي يحتوي على دورهم بحيث لا يدخل عليهم طعام ولا غيره فبقوا ثلاثة أيام فسألوا المبايعة وأحضروا فبايعوا). (51)

ويقول الغامدي: (وقد أخذ كل من رفض أن يبايع إلى سجن خاص فحُبسوا ومُنعوا من الطعام والشراب حتى شارفوا على الهلاك وأخيراً خضعوا لأوامر رجال البلاط وعلى رأسهم الشرابي فبايعوا مكرهين) (52)

بهذه الوسائل الإرهابية والمخادعة بُويع المستعصم رغم أنوف بني العباس التي جدعها وأذلها مملوك تركي ! ولكن إلى الآن لم تتضح الغاية كاملة من هذا الانقلاب وإن اتّضحت بعض خيوطه وستتضح أكثر في أوصاف شخصية المستعصم كما وصفه المؤرخون.

شخصية المستعصم

كان هذا الشخص إمّعة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى, وفي منتهى التفاهة والحماقة والنذالة والجهل والجبن والخسة والبخل, وهذه الصفات التي حملها قد انعكست على سياسته وأدّت إلى حلول الكارثة ببغداد، ورغم أن المؤرخين هم أعلم الناس بهذه الصفات إلا أن هالة الخلافة والأهواء المذهبية منعت المؤرخين من إظهارها تنزيهاً له، لكنهم لم يتورّعوا عن تخوين رجل حاول بشتى الوسائل وبذل غاية جهده دون دخول المغول بغداد وهو ابن العلقمي ولكن (لا رأي لمن لا يطاع) وهذه بعض الأقوال في وصف الخليفة:

يقول ابن كثير (53): (وكان المستعصم سنياً، ولكن كان فيه لين وعدم تيقظ ومحبة للمال وجمعه, ومن جملة ذلك أنه استحل الوديعة التي استودعه إياها الناصر داود بن المعظم فاستقبح هذا من مثل الخليفة وهو مستقبح ممن هو دونه بكثير بل (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ...) (54)

وأي خيانة أقبح من هذه الخيانة والله تعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا) (55) وخليفة المسلمين يخون الأمانة ويستحل الوديعة !

والعجيب أن ابن شاكر الكتبي يذكر هذه الخيانة ثم يصف المستعصم بالتديّن فجاء قوله غاية في القباحة والتناقض حين يقول: (وكان المستعصم متديّناً متمسّكاً بمذهب أهل السنة والجماعة, على ما كان عليه والده وجده, ولم يكن على ما كانوا عليه من التيّقظ والهمّة, بل كان قليل المعرفة والتدبير والتيقّظ, نازل الهمّة محبّاً للمال, مهملاً للأمور يتّكل فيها على غيره, ولو لم يكن فيه إلا ما فعله مع الملك الناصر داود في أمر الوديعة لكفاه ذلك عاراً وشناراً, والله لو كان الناصر داود من بعض الشعراء, وقد قصده وتردد عليه على بعد المسافة ومدحه بعدة قصائد كان يتعيّن عليه أن ينعم عليه بقريب من قيمة ووديعته من ماله, فقد كان في أجداد المستعصم بالله من استفاد منه آحاد الشعراء أكثر من ذلك...) (56)

وهنا يتّضح لم عارض بنو العباس بيعة رجل هو بهذا المستوى من الانحطاط والخسّة وبهذه الصفات الرذيلة .. وابن شاكر أعرف بباقي مخازي المستعصم وموبقاته لكنه يتعمّد الغموض فيقول: (إلى غير ذلك من الأمور التي كانت تصدر عنه مما لا يناسب منصب الخلافة, ولم تتخلق بها الخلفاء قبله) !

ما هذا التناقض يا ابن شاكر ؟ ألم تقل: (أنه كان متديّنا متمسكاً بمذهب أهل السنة والجماعة على ما كان عليه والده وجده) ؟ فأيّ دين هذا الذي يبيح استحلال الوديعة وخيانة الأمانة ؟ إضافة إلى أمور أخرى مشابهة لها أنت تعرفها جيداً قبل غيرك ولكنك أغضيت الطرف عنها حفاظاً على سمعة الخلافة.!

ثم لما اتضح لابن شاكر أن هذه (الأمور) هي التي أدت إلى نزول البلاء ببغداد ووقوع الكارثة بها، وأن الخليفة هو السبب الرئيسي لها عزى ذلك إلى إرادة الله فقال:

(فكانت هذه الأسباب كلها مقدمات لما أراد الله تعالى بالخليفة والعراق وأهله) !

قال ذلك رغم أن الله تعالى يقول: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ). (57)

أما الأمور الأخرى التي لم يستطع ابن شاكر أن يذكرها وخان الحقيقة فيها فنجد ذكرها عند ابن الطقطقي حيث يقول:

(وكان المستعصم آخر الخلفاء شديد الكلف باللهو واللعب وسماع الأغاني, لا يكاد مجلسه يخلو من ذلك ساعة واحدة, وكان ندماؤه وحاشيته جميعاً منهمكين معه على التنعم بالملذات...) (58)

ويقول أيضاً: (كان ــ أي المستعصم ــ مستضعف الرأي قليل الخبرة بأمور الملك غير مهيب في النفوس ولا مطلع على حقائق الأمور وكان زمانه ينقضي أكثره بسماع الأغاني والتفرّج على المساخرة) (59)

وفي الوقت الذي كان هذا حال الخليفة والقصر, كان المغول يواصلون زحفهم وهم يحتلون البلد تلو الآخر (فكتبت للخليفة الرقاع وفيها أنواع التحذير وألقيت فيها الأشعار، وكل هذا وهو عاكف على سماع الأغاني واستماع المثالث والمثاني وملكه أصبح واهي المباني) (60)

ونرى في أبيات أحد شعراء (الدولة المستعصمية) حال الناس والواقع المزري الذي وصلت إليه البلاد وهذا الشاعر هو مجد الدين النشابي الإربلي الذي يقول:

يا سائلي ولمحـــــــضِ الحقِّ يرتادُ   ***   أصخ فعنــديَ نشدانٌ وإنشادُ

واضيعة الناسِ والدينِ الحنيفِ وما   ***   تلقاهُ من حادثاتِ الدهرِ بغدادُ

قتلٌ وهتكٌ وأحــــــــداثٌ يشيبُ لها   ***   رأسُ الوليـدِ وتعذيبٌ وأصفادُ

وفيما تعيش البلاد الكوارث والمجاعة التي أضرّت بالناس كان الخليفة منهمكاً بملذاته، وكلما قيل له إن العدو على الأبواب قال: تكفيني بغداد ! في مثل هذه الظروف الصعبة للغاية تسلم ابن العلقمي الوزارة وكانت البلاد في أمس الحاجة إليه، ولكن المتآمرين على البلاد وقفوا في وجهه وقيّدوا حركته وكادوا له فكان كما قال:

كيف يُرجى الصـلاحُ في أمرِ قومٍ   ***   ضيَّعوا الحزمَ فيه أيَّ ضياعِ

فمطــــــــــــاعٌ وليسَ فيه سدادٌ   ***   وسديدُ المقـالِ غير مطاعِ (61)

ولعل أغرب حادث في تلك الفترة هو: أن والي الموصل بدر الدين لؤلؤ الأرمني وصل إليه في يوم واحد كتابان، الأول: من المستعصم يطلب منه جماعة من المطربين والمغنين والعازفين، والكتاب الثاني من هولاكو يطلب منه المنجنيقات وآلات الحصار لاقتحام بغداد ! فقال لؤلؤ: انظروا إلى المطلوبين وابكوا على الإسلام وأهله ! (62)

ولكن لؤلؤ لم يذرف دمعة واحدة على الإسلام، بل أعان أعداء الإسلام على المسلمين فأرسل لهولاكو المنجنيقات مع جيش لمعاونته على غزو بغداد بقيادة ابنه !! (63) ولم يكتف بذلك بل قدم لهم خطة مكنتهم من الانتصار (64) وكانت تربطه مع المغول علاقة قوية ومتينة، (65) ولكن الغريب أن لا تجد من المؤرخين من يصفه بالخيانة ؟ ولؤلؤ هذا هو صهر الدويدار وشريكه في المؤلمرة على ابن العلقمي للإطاحة به. (66)

الخفاجي العباسي

هذا الاسم يلوح في تلك الفترة كشخصية عباسية حازمة، وذات عزم وهمة ومقدرة ليس على دفع الأخطار عن بغداد فحسب, بل على دحر العدو في عقر داره وهو عمّ المستعصم وأجدر رجل من بني العباس بالخلافة في تلك المرحلة الحرجة، يقول السيوطي عنه:

(وكان يقول: لئن وليت لأعبرن بالعسكر نهر جيجون وآخذ البلاد من أيدي التتار واستأصلهم، فلما مات المستنصر لم ير الدويدار ولا الشرابي تقليد الخفاجي خوفاً منه وأقاما ابن أخيه أبا أحمد للينه وضعف رأيه) (67)

إذن فقد كان استخلاف المستعصم فرصة ذهبية للسيطرة على البلاد والقضاء على الإسلام، وجدها خصوم الدولة في الداخل والخارج فاستفادوا منها واستغلوها أفضل استغلال.

يقول اليونيني: (وكان للمستنصر أخ يعرف بالخفاجي يزيد عليه في الشجاعة والشهامة وكان يقول: إن ملكني الله تعالى أمر الأمة لأعبرن بالعساكر نهر (جيجون) وانتزع البلاد من يد التتار وأفنيهم قتلاً وأسراً وسبياً فلما توفي المستنصر بالله لم ير الدويدار والشرابي وكانا غالبين على الأمر تقليده الخلافة خوفاً منه لما يعلمون منه من استقلاله واستبداده بالتدبير دونهم وآثروا أن يليها المستعصم بالله لما يعلمون من لينه وانقياده ليكون الأمر إليهم) (68)

ويقول السبكي بعد أن يذكر قول الخفاجي: (فلما توفي المستنصر كان الدويدار والشرابي أكبر الأمراء وأعظمهم قدراً فلم يريا تقليد الخفاجي الأمر خوفاً منه وآثرا المستعصم علماً منهما بلينه وضعف رأيه لتكون لهما الكبرياء فأقاماه) (69)

ويقول الغامدي: (إن الشرابي والدويدار اختاروا المستعصم بصورة متعمدة من بين أضعف شخصيات أفراد البيت العباسي، وذلك لكي يتمكن رجال وحاشية بلاط الخلافة في الاستمرار في هيمنتهم وتحكمهم في جميع الشؤون المتعلقة بالدولة) (70)

ولم يكن الخفاجي هو الشخص الوحيد المؤهّل للقيادة في تلك المرحلة، بل أن هناك عدة أشخاص من بني العباس لو استخلفوا لما وقعت تلك المجزرة الرهيبة والمذبحة الفظيعة، يقول الشيخ محمد حسين الساعدي: (والذي يظهر لنا من خلال تلك النصوص أن هناك أكثر من شخصية عباسية لها من مقوّمات الزعامة والقدرة على إدارة دفة الحكم ما يجعل ترشيحها ضرورة ملحة وبخاصة حينما لم يكن هناك من نص بولاية العهد إلى المستعصم، وإن شخصية مثل الخفاجي العباسي ــ وهو عم المستعصم ــ الذي أجمع المؤرخون على قوة شخصيته بل كان أكثر حزماً وأسدّ رأياً من أخيه المستنصر، إن شخصية كهذه لا يمكن إغفالها في مثل تلك الظروف الحرجة التي تعيشها الأمة وترزح تحت نيرها). (71)

فأين ابن العلقمي من هذه المؤامرة ؟ ولِمَ كِيلت له التهم جزافاً وبُرِّئت ساحة الدويدار والشرابي ولؤلؤ و.. الخليفة ؟

خوفاً من ناصر جديد

لم تكن مؤامرة الشرابي والدويدار وليدة الصدفة أو خوفاً من المجهول, بل إنها جاءت نتيجة لتجربة سابقة مرّت على المماليك, فبعد إيغالهم في البلاط العباسي على مدى عقود طويلة وإمساكهم بمقاليد الأمور داخل البلاط, حتى غلبت سلطتهم فيه سلطة الخليفة وأصبح الخليفة كالريشة في مهب الريح وكالخاتم في أصبعهم يعينون من شاءوا ويعزلون من شاءوا وبلغ ضعف الخلافة أشده في عهد المنتصر, حدث لهم ما لم يكن بالحسبان في عهد الناصر جد المستعصم !

فقد انقلبت الموازين في عهد الناصر لدين الله الذي كان حازماً وداهية وقد أدرك أن ضعف الخلافة بسبب هيمنة المماليك الأتراك على قيادات الجيش والمناصب الرفيعة، فقرر القضاء عليهم واستئصالهم والتخلص نهائياً من نفوذهم، وكانت له سطوة وقد: (ملأ القلوب هيبة وخيفة فكان يرهبه أهل الهند ومصر كما يرهبه أهل بغداد) (72)

وقد خدمته الظروف وساعدته على ذلك, ففي عهده أدّت الفتن والحركات الانفصالية التي أصابت الدولة السلجوقية إضافة إلى صراعها الطويل مع الخوارزميين إلى ضعفها وانهيارها, كما فرغ له الجو من الغزو الصليبي بعد تصدي الفاطميين والحمدانيين له وتآكل الدولتين بسببه وانقراضهما، كذلك استيلاء الأيوبيين على مصر والشام وإعلانهم الولاء للخلافة العباسية في بغداد... (73)

كل هذه الأوضاع الجديدة ساعدت على استعادة الخلافة العباسية عافيتها فأعاد الناصر نظام (الفتوة) الذي قضى به على المماليك وكسر شوكتهم وقصم ظهورهم به وأذلهم بعد استبدادهم وتسلطهم.

هذه السياسة التي سار بها الناصر كان الدويدار والشرابي يضعانها بعين الاعتبار، ويحسبان لها ألف حساب فهي تثير حفيظتهم وتقلقهم، وكانا يحاولان جاهداً عدم عودتها في خليفة عباسي آخر يسير بهذه السياسة، من المؤكد أن يكون الخفاجي أو يمكن أن يكون غيره.. لكن هذه السياسة الحازمة بعيدة كل البعد عن رجل تافه كالمستعصم.

ورغم دهاء الناصر ومكره وحزمه وحرصه على التمسك بالسلطة والقضاء على الخصوم بشتى الطرق وكانت له (حيل ومكائد غامضة وخدع لا يفطن لها أحد) (74) إلا أنه هو من فتح باب غزو البلاد الإسلامية (وأطمع التتار في البلاد وراسلهم) وتآمر مع جنكيز خان الكافر على علاء الدين خوارزمشاه المسلم، وطلب منه قتل علاء الدين في رسالة وصفها ابن الأثير بأنها (طامة كبرى)، و(يصغر عندها كل أمر عظيم) (75) وقد ذكرها أيضاً المؤرخ الأمريكي هارولد لامب فقال: (إن الخليفة الناصر لدين الله راسل جنكيز خان متودِّداَ له ومستعدياً إياه على الخوارزميين) (76)

لكن لا تجد من يتهم الناصر بالخيانة من المؤرخين !!

مع ابن العلقمي 

وزيرٌ له من بـــــــأسهِ وانتقامِه   ***   بطيِّ رقاعٍ حشوها النظمُ والنثرُ

كما تسجعُ الورقاءُ وهي حمامةٌ   ***   وليسَ لها نــــهيٌ يطاعُ ولا أمرُ

هذان البيتان هما لابن العلقمي يوضحان الكثير من الأمور ويفصحان عن مدى المعاناة والألم والحسرة في نفسه من الأوضاع المزرية للأمة والأعمال المجحفة بحقها من قبل الخليفة وأتباعه وخاصة الدويدار والشرابي.

في تلك الفترة الرهيبة والمضطربة من تاريخ الخلافة يصبح ابن العلقمي وزيراً بعد أن تدرّج في مناصب: (مشرف التشريفات) إلى (أستاذ الدار) ثم أصبح (وزيراً) بعد موت ابن الناقد وذلك عام (643هـ) أي بعد ثلاث سنوات من تولي المستعصم، وقد رشح الخليفة لهذا المنصب السيد علي بن طاووس أحد كبار علماء الشيعة فرفض رفضاً قاطعاً ولم يُجدِ معه إلحاح الخليفة عليه، فاختير ابن العلقمي لأن الظرف الراهن كان يحتم وجود شخصية شيعية مؤثرة في المجتمع ولها كفاءة في إدارة الأمور وكانت هذه الصفات تنطبق على ابن العلقمي.

أبدى ابن العلقمي جدارة فائقة في منصبه فما إن استلم الوزارة حتى واجهته المشاكل والحروب، لكنه كان جديراً بالتغلب عليها وحسمها لصالحه, ففي الأيام الأولى لوزارته هاجم التتار بغداد وكان سبب هجومهم هو قتل أحد رجالهم على يد أحد أمراء بغداد المماليك وهو سليمان بن برجم التركي، فطوّق عشرة آلاف من التتار أسوار بغداد قادمين من تبريز فاستطاع ابن العلقمي ردّ هذا الهجوم بحنكته وسياسته، وقد ذكر ابن أبي الحديد هذه الواقعة وكتب قصيدة في مدح ابن العلقمي يصف فيها الانتصار الذي حققه وهزيمة التتار وقد نَسب إليه هذا الانتصار (77)

أما إدارته للبلاد فقد كانت بتدبير وحكمة فقد عالج موجة الغلاء التي وقعت ببغداد أثناء تنصيبه ووفر للشعب قوته حتى أصبح الخبز (متوفّراً وبحالة أجود مما كانت عليه من قبل...) (78) بردعه المتلاعبين بأرزاق الناس والمستغلين

كما وقع في زمنه فيضان بغداد الشهير الذي هدد بغداد بالغرق وأثار الرعب في قلوب الناس فاستطاع أن يقود حملة لبناء سد بدأها بنفسه: (وخرج الوزير ابن العلقمي إلى هناك ونزل عن فرسه وحمل باقة حطب فوافقه كافة الناس واشتد العمل ...) (79)

وهناك أعمال أخرى تركناها خشية الإطالة كلها أكدت على مدى حرصه ونزاهته واهتمامه بأمور الشعب والسعي لتلبية احتياجاتهم فكان: (عفيفاً عن أموال الديوان وأموال الرعية متنزِّهاً مترفِّعاً) (80)

جرائم الدويدار

وفي الوقت الذي كانت قلوب البسطاء من الشعب تطمئن لهذا الوزير وتتجدد آمالهم به في الخلاص من هذا الواقع المزري لأنه وقف إلى جانبهم، فقد كانت هناك قلوب تتميّز من الغيظ والحسد والحقد عليه، وكان هذا الحقد يتنامى كلما أشاد الناس بأعمال الوزير وكلما أخذت شعبيته في الاتساع، وكان أكثر هذه القلوب السوداء حسداً وبغضاً وحقداً على ابن العلقمي هو قلب الدويدار الذي شعر أن البساط سيسحب من تحت قدميه في بغداد وهو من غامر بتدبير مؤامرة استخلاف المستعصم مع الشرابي.

وقد وجد الدويدار من يشاركه هذا الحقد وهو ابن الخليفة المستعصم وبلغ هذا الحقد أوجّه وذروته فأقدم على محاولة للحط من شخصية ابن العلقمي وسلبه نزاهته وعفّته أمام الخليفة والناس فاتفق مع صهره ــ زوج ابنته ــ بدر الدين لؤلؤ والي الموصل على مؤامرة ضد ابن العلقمي لكنها باءت بالفشل الذريع.

فقد اتفقا على إرسال لؤلؤ هدية قيمتها عشرة آلاف دينار إلى ابن العلقمي وفي حال قبولها سيتم إخبار الخليفة بأن ابن العلقمي قد استلم رشوة، وسيروّج لذلك بين الناس، لكن ابن العلقمي ما إن وصلت إليه الهدية حتى أرسلها إلى الخليفة وقال: إن صاحب الموصل قد أهدى إليَّ هذا واستحييت منه أن أرده إليه وقد حملته وأنا أسأل قبوله, فلما وافق الخليفة على قبول الهدية ردّ ابن العلقمي على هدية لؤلؤ بهدية قيمتها اثني عشر ألف دينار والتمس منه أن لا يهدي إليه شيئاً بعد ذلك. (81)

زادت هذه الحادثة من غيظ الدويدار وابن المستعصم على ابن العلقمي وأصبح العداء يأخذ شكلاً سافراً غير آبهين بأوضاع البلاد الحرجة التي تقتضي الوحدة والاتحاد لدفع الأخطار عنها، وكان اشتراكهما في الحقد على الوزير يزيد من علاقتهما ببعض ويوثق من إصرارهما على ما صمما عليه وهو القضاء على ابن العلقمي وخاصة بعد موت الشرابي وضمّ منصبه وهو قيادة الجيش إلى الدويدار إضافة إلى منصبه السابق.

لقد استغل الدويدار منصبه الجديد هذا أبشع استغلال، فبدلاً من التفكير في إعداد الجيش لدفع خطر المغول الداهم فإنه كان يسخّره ضد أبناء الشعب ويعيث فساداً في البلاد وقد: (امتدت أيدي جماعة من الزناطرة والمشاغبين والرعاع والسفلة بالاعتداء والسلب, وكانوا في كل يوم يغتصبون بعض الأشخاص الأبرياء. وكان مجاهد الدين الدويدار يحتضن بنفسه هؤلاء الرعاع والسفلة فصار في مدة وجيزة صاحب شوكة وبأس) (82)

وقد دعته طائفيته البغيضة إلى صبّ جام غضبه وحقده على الشيعة مستغلاً أبسط الفرص للتنكيل بهم، فقاد غارة همجية على منطقة الكرخ الشيعية: (وشرع أصحابه بالقتل والفتك وأخذوا ينهبون ما في الدور ويحرقون المحلات العامة ويخرجون النساء من بيوتهن ويطوفون بهن في الشوارع في بغداد سافرات الوجوه عاريات الأقدام وقد شددن على أثفار الخيل، ـــ سير في مؤخرة السرج ــ ولما خُوطب الخليفة في أمرهم أمر بالكف عنهم ونُودي بالأمان لهم حتى حملت النسوة والأسرى إلى دار الرقيق ومن بعد ذلك أعيدوا إلى أربابهم) (83)

وبلغ من تمادي الدويدار وغيّه أقصى مدى، ففي ذلك الوقت الذي كان يجب أن يعد جيشه لدرء الخطر الذي تواجهه الدولة مما يتطلب تكاتف الجهود وتوحيد الصف لدفع هذا الخطر وبدلاً من ذلك فقد كان: (يدبر في خلع المستعصم والمبايعة لولده الكبير) (84) إذ أنه: (لما لمس في نفسه القوة ورأى الخليفة المستعصم شخصاً عاجزاً لا رأي له ولا تدبير وساذجاً اتفق مع طائفة من الأعيان على خلعه وتولية خليفة آخر من العباسيين في مكانه) (85)

ولما علم ابن العلقمي بمؤامرة الدويدار أحسّ بالخطر الكبير من هذا الأمر الذي لم يكن في وقته تماماً، فهو يمثل في هذا الوقت فتح ثغرة لا يمكن ردمها في الداخل، ونشوب صراع سياسي داخلي تكون نتيجته لصالح العدو الخارجي فسارع لإخبار الخليفة بهذه المؤامرة وقال له : (يجب تدارك أمرهم). (86)

ولكن الخليفة الغبي بدلاً من أن يتحرّى على الأقل من كلام ابن العلقمي ليعرف صحته من عدمها، فإنه أعتبر كلام الوزير طعناً وغمزاً بالدويدار، فاستدعاه فوراً وقال له: (لما كنت اعتمد عليك وأثق بك فإني لم أصغ إلى كلام الوزير وهو يغمزك وإني لأبلغك بأنه لا يجوز بأن تخدع بأية حال ولا تحيد عن جادة الطاعة) ! (87)

إن الخليفة مطمئن كل الاطمئنان من عدوه وهو يحيك له المؤامرة ! فما أغباه وأضله ؟ إنه حتى لم يسأله كمتهم بمؤامرة خطيرة، بل استدعاه لكي يجدد ثقته به ويوثق اعتماده عليه ولم يفكر حتى أن المؤامرة التي نفذها بأبيه وقومه من بني العباس يمكن أن ينفّذها نفسها عليه. وبدلاً من التحرّي في الأمر فقد سلم للدويدار السلاح الذي سيقتله به، فأصدر بياناً جاء فيه: (إن ما قيل في حق الدويدار إنما هو محض افتراء وبهتان ونحن نعتمد عليه اعتماداً كلياً وهو في أماننا) ! (88)

(وبناء على هذا البيان فقد صار الدويدار الرجل الثاني في الدولة بعد الخليفة وأصبح اسمه يذكر في الخطبة بعد اسمه) ! (89) كان هذا الموقف هو فرصة ذهبية للدويدار للإيقاع بابن العلقمي وإلصاق تهمة الخيانة به فقال: (إذا ثبت عليَّ جرم فهذا رأسي وهذا هو السيف. ومع هذا فأين يذهب عفو الخليفة وصفحه وغفرانه)

إن رائحة الريبة تُشمّ من هذا الكلام فإذا كان صادقاً فلم يطلب العفو والصفح والغفران من الخليفة ؟

ثم رأى أن الفرصة سانحة للإيقاع بابن العلقمي وتلفيق تهمة خطيرة به ما دام الخليفة بهذه السذاجة فقال:

(أما هذا الوزير المزوّر المخادع فقد حمله الشيطان بعيداً عن الطريق المستقيم, واختمرت في ذهنه المظلم فكرة الولاء والميل إلى هولاكو خان وجيش المغول, وإن سعايته في حقي لمن أجل دفع هذه التهمة عن نفسه, وإنه عدو الخليفة, فهو يتبادل مع هولاكو خان الجواسيس) (90)

ومنذ تلك الحظة التي انطلقت فيها هذه الكذبة انتشر صداها في الآفاق وكانت الشرارة التي تأججت في الهشيم ولم تنطفئ إلى الآن وتغاضى المؤرخون عن كل الحقائق التي تدين الخليفة والدويدار والشرابي وتمسّكوا بهذه الكذبة ليصبّوا كل أحقادهم الطائفية على رجل بريء ولتمتد هذه الأحقاد لتشمل طائفة كاملة. ! وهكذا خرج الدويدار من لقاء الخليفة منتصراً، بل عززت مؤامرته على الخليفة من قوته ووثقت محله عنده. !

موقف ابن العلقمي

كان تأثير المجزرة التي حلت بالشيعة في الكرخ كبيراً على نفس ابن العلقمي فانزوى في بيته وهو يعيش حالة الألم، وخاصة بعد أن خذله الخليفة وشكك بصدق دعواه على الدويدار وحدّ من نشاطه، فجلس في بيته والألم يعتصر قلبه وهو يفكر بما ينتظر الدولة من الأخطار التي أصبحت على الأبواب ..

كان الرجل الوحيد في البلاط الذي ملأه التفكير حول مصير بغداد إذا دخلها المغول، فليس خافياً ما فعلوه في بلاد كثيرة من المجازر والأهوال كـ (سمرقند) و(فرغانة) و(خوجاند) وغيرها عندما دخلوها سوى القرى والمدن الصغيرة التي كانت طعماً سهلاً لهم حتى أن ابن الأثير أعرض سنيناً طويلة عن وصف ما فعلوه في (بخارى) التي استحالت ركاماً وأنقاضاً استعظاماً لما جرى فيها لأنها (تذيب القلب حسرة وأسى) (91)

يقول ابن الأثير ما نصه: (ولقد بقيت عدة سنين مُعرِضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها, كارهاً لذكرها, فأنا أقدم إليه رجلاً وأؤخر أخرى فمن ذا الذي يسهل عليه نعي الإسلام والمسلمين ؟ ومن ذا الذي يهون عليه ذكر ذلك ؟ فيا ليت أمي لم تلدني ويا ليتني مُتّ قبل هذا وكنتُ نسياً منسياً إلى أن حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيره وأنا متوقف ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعاً فنقول هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عفت الأيام والليالي عن مثلها عمّت الخلائق وخصّت المسلمين فلو قال قائل منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا) (92)

لقد بات وصول هؤلاء الوحوش إلى بغداد قريباً جداً بعد اكتساحهم المدن، المدينة تلو الأخرى والخليفة غارق إلى أذنيه في ملذاته وشهواته، وأرسل هولاكو رسالة للخليفة مفادها: إما طاعته وإرسال الهدايا كإشارة على الخضوع والاستسلام، أو القتال. فشاور الخليفة رجال الدولة، فأشار عليه ابن العلقمي بإرضاء هولاكو ببذل الأموال والهدايا وقال له: (لا وجه لإرضاء هذا الملك الجبار إلا ببذل الأموال والهدايا والتحف له ولخواصه) (93)

فوافق الخليفة وعندما شرعوا بتجهيز الهدايا اعترض الدويدار وقال للخليفة: (إنما يدبر شأن نفسه مع التتار وهو يروم تسليمنا إليهم ليفتك بنا فلا نمكنه من ذلك) فوافق الخليفة على كلام الدويدار أيضاً !

وتوالت رسائل هولاكو وهو يعاتب فيها الخليفة على إهماله، والخليفة يماطل، حتى استطاع الدويدار أن يصوّر للخليفة صورة ضعيفة عن هولاكو ويستخفّ بقوته وأقنعه بإرسال رسالة تتضمن تهديداً له ووصفه بالطيش والغرور والانتقاص منه، فلما وصلت رسالة المستعصم وهي بهذا المضمون إلى هولاكو غضب غضباً شديداً وعزم على غزو بغداد وقتل الخليفة (94)

كان هذا الموقف من الخليفة هو بمثابة نصب المقصلة لأهل بغداد جرّاء بخله وغبائه، فقد كان يستطيع تلافي هذا الغزو بسهولة لو أخذ بمشورة ابن العلقمي وهو ما أكده هولاكو نفسه بقوله لرسول الخليفة شرف الدين ابن الجوزي أستاذ الدار:

(إن الخالق القديم منذ نشر لواء جنكيز خان وهبنا وجه الأرض من الشرق إلى الغرب فكل من كان مخلصاً لنا حفظ ماله وأهله وأولاده ونجا من مخالب الموت ومن خالفنا فليس له أمان ولا أمن) (95)

وكتب هولاكو ردّاً على رسالة الخليفة بما نصّه: (إن حب المال والجاه والغرور قد أثر ببصيرتك بحيث لم تسمع نصائح المصلحين ومريدي الخير...)

موقف الخليفة

لم يعبأ الخليفة لرسالة هولاكو وانهمك في الملذات وإقامة الليالي الحمراء، أما الوزير فقد اظلمت الدنيا في عينيه وهو يتخيّل ما سيجري على بغداد من الويلات، ولم تجد كل النصائح التي قدمها للخليفة أذاناً صاغية، فقرر أن يقوم بإجراء يحول دون وقوع الكارثة بعد أن يئس من استجابة الخليفة لطلبه، فأوعز لرئيس الاستعراض (التجهيزات) أن يجهز الجيش ونشر الخبر فجمع رئيس الاستعراض جيشاً عظيماً وفرقاً كثيرة وطلب من الوزير الأموال لتجهيزهم فعرض الوزير هذا الطلب على الخليفة لكنه جُوبِه بالرفض. (96)

وفي الوقت الذي كان الوزير يعمل جاهداً على منع حدوث الكارثة التي صار حدوثها وشيكاً كان أصحاب الدويدار يروّجون بين الناس كذبته والخليفة لا يأبه لكل ما يجري في البلاد وما يحيق بها من الأخطار وذهبت كل محاولات ابن العلقمي لانقاذ بغداد أدراج الرياح

وهناك حادثة تدل على مدى انحطاط المستعصم وتفاهته وهي تثير الخجل والغضب في نفس الوقت لدى القارئ وهي: لما أحاط هولاكو ببغداد من كل الجهات بجيش يبلغ أكثر من مائتي ألف مقاتل ونصب المناجيق وبدأ التتار بالرمي على أسوارها لتحطيمها ولم يكن في بغداد جيش يستطيع صد هذا الغزو فاقتحم التتار الجانب الغربي وبدأوا برمي النبال (فدخل سهم من نافذة قصر الخليفة وأصاب إحدى المولدات (الراقصات) وتسمى (عرفة) فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة فأنزعج الخليفة واغتمّ وأمر بعمل ستائر من الخشب تحول دون نفوذ السهام) !!! (97) هكذا يحمي الخليفة بلاده من غزو المغول ويصد هجومهم !

غباء المستعصم يثير سخرية هولاكو

لما (أحسّ) الخليفة عند ذلك بهذا الخطر الكبير على قصره ! أرسل عدة وفود للمفاوضة ولكن الأوان قد فات فأجاب هولاكو رسل الخليفة ساخراً: (إني وصلت في سيري إلى هذا الحد فليس في قدرتي أن أعود أدراجي من غير أن أحظى بمقابلة الخليفة، وإنني أعد بإجراء المشاورة معه وأتلقى أوامره ثم أعود من حيث أتيت .... ) (98)

وزحف هولاكو من همدان صوب بغداد فدمر في طريقه كرمنشاه، ووصل إلى نهر حلوان وهو من روافد نهر ديالى القريبة من بغداد، عند ذاك أرسل الخليفة قائده الدويدار بجيش لمحاربة هولاكو فنزل بعقوبة, وتتوالى طامات الخليفة، فعندما بلغه اقتراب الجيش المغولي أراد أن يمد الدويدار بجيش فأمر (مرشداً) الخصي بالخروج بباقي العسكر للقتال مع الدويدار ضد هولاكو، فأستنكف الأمراء أن يكونوا تحت إمرة خصي في الوقت الذي كانت القوات المغولية تتجمع من البلاد فانهزم الدويدار بعد أن قُتل كثير من جنده وعاد إلى بغداد وتبعه المغول.

أطبق هولاكو الحصار على بغداد ونزل المغول في الجانب الغربي فقتلوا من وجدوا فيه وعقدوا جسراً جنوب بغداد لمنع من يريد الخروج منها عن طريق دجلة، وقتلوا كل من حاول الخروج، وقاد هولاكو حملة بنفسه على الجانب الشرقي ونصب المنجنيقات، وقبض على ثلاث سفن فنهبها وقتل من فيها وكان من ضمن المقتولين نقيب العلويين.

ولما رأى المستعصم الجبان أن لا طاقة له على القتال، طلب من هولاكو الأمان والخروج والمثول بين يديه فخرج ومعه أولاده وأهله، وقدم لهولاكو مجموعة كبيرة من الجواهر والدرر والحلي والذهب والفضة، فأهان هولاكو المستعصم وعنّفه وأذله وكلمه بشدة من عدم استخدام هذه الكنوز لتهيئة الجيش وإعداده للدفاع عن بغداد !

ولكن هولاكو لم ير شيئاً من هذه الكنوز إلى الآن فعندما دخل قصر الخليفة أمره بفتح الخزائن فلما فتحها وجد ما لا حصر له من الذهب والدر والجواهر فأمر هولاكو بتوزيعها على أتباعه الحاضرين وقال للخليفة: (إن الأموال التي تملكها على وجه الأرض ظاهرة وهي ملك عبيدنا اذكر ما تملكه من الدفائن ما هي وأين توجد ؟ فاعترف الخليفة بوجود حوض مملوء بالذهب الأحمر وكان كله سبائك تزن الواحدة مائة مثقال) (99)

النساء والجواري ومقتل الخليفة

ثم أمر هولاكو بفرز نساء الخليفة فكنّ سبعمائة امرأة ومعهن ثلاثمائة ألف وثلاثمائة وصيفة ووصيف، ! وأمر المستعصم بإصدار أمره إلى أهالي بغداد الذين قرروا الدفاع عنها وحملوا السلاح لمقاتلة التتار بأن ينزعوا السلاح ويخرجوا، فأمرهم الخليفة ففعلوا وهم مطمئنون وقد حسبوا أن صلحاً جرى بين الخليفة وهولاكو, ولو أصدر هولاكو مثل هذا الأمر لم يكونوا ليستجيبوا، بل كانوا سيقاتلون دفاعاً عن أرضهم وعرضهم، فخرجوا بأجمعهم وكانوا مجموعة كبيرة وهم عُزّل من السلاح فأحاط بهم التتار وقتلوهم بأجمعهم ! ثم أمر هولاكو باستباحة المدينة وقتل جميع من فيها، ولم يفرق التتار في القتل بين الرجل والمرأة والطفل والشيخ ولم يسلم من أهل بغداد سوى النصارى الذين أعطى هولاكو لهم الأمان كرامة لزوجته المسيحية دوقوز خاتون !

ووُصفت هذه المجزرة الرهيبة بالقول: (ووضع السيف فيمن بقي من أهل بغداد في الخامس من صفر سنة (656هـ) مدة لا تقل عن سبعة أيام لم يفرق فيها بين الرجال والنساء والأطفال حتى لم يبق من أهل البلد ومن التجأ إليهم من أهل السواد إلا القليل, إلا النصارى فقد عين لهم شحان يحرسون بيوتهم ...

وأحرق معظم البلد ومنها جامع الخليفة، ومشهد الإمام موسى الكاظم (ع) ومراقد الخلفاء، وكان القتلى في الأسواق والدروب كالتلول وقعت عليهم الأمطار وداستهم الخيول فتغيّرت صورهم، وأمر هولاكو بقتل الخليفة فقتل وقتل معه ولده أحمد وابنه الأوسط عبد الرحمن وقتل أعمام المستعصم وأقاربه وقتل الدويداران الكبير والصغير, وابن الجوزي (أستاذ الدار), وابنه عبد الرحمن, ومجموعة كبيرة من الأمراء.

وإذا كان الخليفة قد قاد شعبه للذبح كالنعاج، فإن قائد الجيش الدويدار قد سلم جيشه للمقصلة حيث خدعه هولاكو بجلب أتباعه بدعوى ضمّهم إلى جيشه لغزو الشام ومصر فجاء بهم: (وكانوا خلقاً لا يحصون مؤمّلين أن يجدوا الخلاص فقسموهم ألوفاً ومئات وعشرات وقتلوهم جميعا) (99)

عدد القتلى 

استناداً إلى الاحصائيات التاريخية عن عدد القتلى يتّضح مدى جبن الخليفة وسوء طويته وخبثه وأنانيته وبخله, لقد كان يستطيع دفع العدو بالخضوع لهولاكو والتسليم له وإرسال الهدايا كما فعل أمراء كثير من البلاد ومنهم والي الموصل بدر الدين لؤلؤ وغيره، فكف هولاكو عنهم ولما لم يفعل ذلك لبخله، كان يتوجب عليه دفع خطر التتار بإعداد جيش وقتال هولاكو لكن الانجاز الوحيد و(العظيم) الذي عمله هو أن أمر بعمل أستار من الخشب لنوافذ قصره لمنع دخول سهام التتار التي تشوش عليه جلسته وتنغص عليه لذته !

اختلف المؤرخون في عدد القتلى، ونجد في أقل إحصائيات القتلى أنه كان يستطيع بهم صدّ هجوم جيش هولاكو المكوّن من مائتي ألف مقاتل فقد ذكر ابن الفوطي (إنهم زادوا عن ثمانمائة ألف نفس عدا من ألقي من الأطفال في الوحول ومن هلك في القنى والآبار وسراديب الموتى جوعاً وخوفاً) وذكر الذهبي (100) وابن تغري بردي (101): أن الذين ساقهم غباء وجبن الخليفة إلى الموت من أهل بغداد كانوا (مليون وثمانمائة ألف إنسان وزيادة) وفي احتمال تقدير عدد الرجال والشباب الذين يستطيعون القتال منهم بربع هذا العدد فإنه سيكون له جيش تعداده قرابة أربعمائة وخمسين ألف مقاتل وهو أكثر من ضعف جيش هولاكو ولكن ...

الكرج أم الكرخ ؟

لم تزل أقلام الحقد تثير النعرات الطائفية باعتمادها على مؤرخين طائفيين أوغلوا في الطعن بالشيعة وتمادوا في نعتهم بكل قبيح، فلم تقتصر تهمة الخيانة على ابن العلقمي وحده، بل شملت الشيعة كلهم في ذلك الوقت !

إن المغول عندما دخلوا بغداد لم يفرّقوا في القتل بين شيعي وسني باستثناء المسيحيين، وقد قتلوا نقيب العلويين الشيعي وأحرقوا مشهد الإمام الكاظم (ع)، كما قتلوا ابن الجوزي السني وأحرقوا جامع الخليفة, ولكن النفوس المريضة أبت إلا أن تزرع التفرقة حتى في الفاجعة، فعندما غزا المغول بغداد كان في جيشهم فرقة من (الكرج) ــ أي الجورجيين ــ ويؤكد ذلك أول مصدر للحادثة، وأول مؤرخ دوّنها ــ وكان معاصراً لها ــ وهو المؤرخ ابن واصل الشافعي (604 ــ 697هـ) حيث يقول ما نصه: (وتوجه التتر إلى العراق وجاء بايجو نوين في جحفل عظيم من الكرج ومن عسكر بركة خان ابن عم هولاكو) (102)

هذا هو النص الأصلي للحادثة، ونجد عند الذهبي أيضاً مفردة (الكرج) ولكنه أضاف إليهم مدد صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ الذي لم يكتف بتعزيز جيش هولاكو بالمناجيق بل أرسل له مدداً حيث جاء ما نصه: (ركب هولاكو في خلق من التتار والكرج ومدد من صاحب الموصل ..) (103) وأورد الذهبي نفس العبارة ــ الكرج ــ أيضاً في تاريخ الإسلام (104) ويؤكد المؤرخ الأرمني كيراكوز هذه الحقيقة فيقول: (كان في قوات هولاكو التي اشتركت في فتح بغداد كتيبة من الجورجيين) (105) وكيراكوز كان معاصراً لغزو المغول بغداد.

ولكن اليونيني البعلبكي الذي نقل كل تفاصيل الحادثة من ابن واصل أبدل الجيم بالخاء وكتب (الكرخ) بدلاً من (الكرج) (106) ! ومن المعروف أن الكرخ هي منطقة شيعية, فانفتحت قرائح الطائفيين لينفسوا عن أحقادهم بإضافة ما شاءت أهواؤهم فوضع المقريزي قبل كلمة الكرخ أهل وأضاف بعدها لفظة (الرافضة) (107) وجاء بعده من وضع اسم (الشيعة) وو.. ليبدأ سيل الاتهامات.

إن المصدر الأول لهذه الحادثة ينفي كل من قال بغيرها، كما أن الحادثة نفسها تفند هذا التزوير, وقد أكد ذلك مؤرخ معاصر آخر للحادثة وهو (كيراكوز) الذي توفي سنة (671هـ/1272م) وقد نقلنا قوله.

ويؤكد الذهبي أيضاً أن الشيعة قد قتلوا مع السنة في هذه المذبحة حيث يقول: (راح تحت السيف الرافضة والسنة وأمم لا يحصون) (108)، وقد قتل من مشاهير الشيعة وأعيان العلويين: (نقيب الطالبيين علي ابن النسابة, ونقيب مشهد الكاظم تقي الدين الموسوي, وشرف الدين أبو الفضل محمد بن طاووس العلوي) (109) و(النقيب علي بن النقيب الحسن بن المختار, وعمر بن الجلال عبد الله بن المختار العلوي حاجب باب المراتب) (110) و(بهاء الدين داود بن المختار العلوي) (111)

ابن العلقمي وجناة بغداد

يتضح من كل ما سبق أن المسببين الحقيقيين لهذه الكارثة التي حلت ببغداد هم: الخليفة الذي يتحمل الجزء الأكبر من هذه الكارثة، ثم الدويدار والشرابي فهذا الثالوث المشؤوم الذي جلب الشر إلى بغداد كان السبب في إبادة مدينة كاملة، إضافة إلى والي الموصل لؤلؤ الذي أعان هولاكو ..., والغريب أن لا تجد من يحمِّلهم هذه المسؤولية الكبرى والجناية العظمى من المؤرخين بل تجد من يدافع عنهم ويحمِّل هذه الكارثة رجلاً حاول بشتى الوسائل أن يدفع الخطر عن بغداد !

إن يد التدليس والتزوير امتدت إلى المصادر المعتبرة لأثبات هذه الكذبة ولكن الحقيقة مهما أخفيت لا بد أن تظهر، فقد ترجم ابن الفوطي لابن العلقمي فجاء ما نصه: (توفي الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي في جمادي الآخرة ببغداد وعمره ثلاث وستون سنة وكان عالماً فاضلاً أديباً يحب العلماء ويسدي إليهم المعروف ...) (112)

إلى هنا ينتهي كلام ابن الفوطي لكن كذبة الدويدار لا تزال تجد صداها عند الطائفيين، فألحق أحدهم بعد هذه الترجمة ما نصه: (إلا أن خيانته لمخدومه تدل على سوء أصله) !

وهذه الإضافة قد فضحها الدكتور مصطفى جواد وبيّن أنها قد أضيفت على النص وليست منه وعلق عليها بالقول: (إنها التهمة التي ألصقها بابن العلقمي مؤرخو مصر والشام والعوّام من القدماء) (113)

ومما يؤكد هذه الكذبة أن المؤرخين العراقيين الذين ألموا بأدق تفاصيل الحادثة لم يذكروها وروج لها وأشاعها مؤرخو مصر والشام. يقول الدكتور سعد الغامدي: (والذي نراه صحيحاً في هذا الشأن كما يبدو لنا هو أن المؤرخين الذين اتهموا الوزير ابن العلقمي وعلى رأسهم الجوزجاني كانوا مؤرخين سنيين متطرفين فقد وجهوا إليه تلك التهم أصلا بدافع من التعصب المذهبي تمليه حوافز عدوانية وعواطف تحاملية يكنونها تجاه هذا الوزير المسلم الشيعي المذهب لهذا فإن المرء ليقف عند روايات من هذا القبيل موقف الشك، هذا إذا لم يرفضها رفضاً قاطعاً وإن ما أورده أولئك المؤرخون في تقاريرهم حول هذا الشأن لا يقوم على أساس علمي دقيق ومحقق) (114)

ونجد في صفة أحد هؤلاء المؤرخين المتطرفين وهو أقدمهم، ما يغني عن الحديث عمن سواه ممن هم على شاكلته وهذا المؤرخ هو شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة (توفي 665 هـ) وهو دمشقي وكان معاصراً للحادثة وقد تلقف ما أشِيع حول ابن العلقمي من التهم الباطلة تلقف المسلمات فأخذ كل من جاء بعده منه وزاد عليه ونترك الحكم عليه للمؤرخ المصري شمس الدين السخاوي الشافعي (توفي 902 هـ) الذي يقول أبي شامة: (وممن امتحن بسبب إطلاق لسانه بغير مستند ولا شبهة الإمام أبو شامة) ثم يقول: (كان كثير الوقيعة في العلماء والصلحاء وأكابر الناس والطعن عليهم، والتنقص لهم وذكر مساوئهم وكان السبب في اغتياله هو بذاءة لسانه ... ) (115) ولا نريد أن نضيف أي تعليق على كلام السخاوي فهو واضح كل الوضوح وهو وحده كاف لبراءة ابن العلقمي مما ألصق به من كذب وافتراء.

رثاء بغداد

هزت هذه الحادثة المأساوية العالم الإسلامي هزّاً عنيفاً وانتشر صداها في الآفاق, ولعل أهم مصدر يصف هذه الحادثة هو الشعر الذي أطلق عليه (رثاء المدن), وقد حُظي مثل هذا الشعر بأهمية خاصة لدى الباحثين والدارسين لما يحمله من تصوير صادق للواقع ونقل أمين للأحداث.

فلم يقتصر هذا الشعر على فئة معينة من الشعراء, بل إنه كان شائعاً بين مختلف طبقات الشعب يتخذونه وسيلة للتعبير عما يعيشونه من واقع مأساوي، إضافة الى اشتراك كبار الشعراء المشهورين في ذلك الوقت في نقل هذا الواقع, فقد برز اسم ابن الرومي في رثاء البصرة، كما برز اسم أبي البقاء الرندي وابن زيدون في رثاء الأندلس وغيرهم. أما في رثاء بغداد فقد برزت أسماء كثيرة صوّرت أحداث سقوط الدولة العباسية ودخول هولاكو إليها فصوّر الشعراء الخراب والدمار الذي لحقها والقتل والتشريد الذي أصاب أهلها تصويراً دقيقاً مؤلماً.

صورت هذه الأشعار حالة الفوضى والاضطراب الذي كان يعيشه الشعب فيما كان الخليفة منهمكاً باللذات واللهو وسماع الأغاني ولا يكاد مجلسه يخلو من معاقرة الخمر ساعة واحدة، وقد حذّره الناس من مغبة أفعاله وعاقبة التمادي في استهتاره وغيه والمصير الأسود الذي ينتظر الشعب إن لم يبادر بإعداد جيش قوي وتهيئته للدفاع عن بغداد وإصلاح الأوضاع الداخلية وتقويمها لصد الهجوم المرتقب من قبل هولاكو الذي كان يواصل زحفه نحو البلاد الاسلامية فاحتل في طريقه بلاد فارس وفتك بأهلها. وكثرت الرقاع من الناس وفيها أنواع التحذير وكتبت فيها الأشعار وألقيت في دار باب الخلافة ومن هذه الأشعار:

قُل للخليـــفةِ مهلاً    ***   أتـــــــاكَ ما لا تحبُ

ها قد دهتـكَ فنونٌ    ***   من المـصائبِ غربُ

فانهض بعـزمٍ وإلا   ***   غشــاك ويلٌ وحربُ

كسرٌ وهتكٌ وأسرٌ    ***   ضربٌ ونهبٌ وسلبُ (116)

ولم تنفع كثرة الرقاع واستنكار الناس أفعال الخليفة الذي ظل سادراً في فسقه وفجوره حتى تحوّل هذا الغيظ المكبوت إلى غضب عارم وسخط شعبي بلسان مكشوف، وانطلقت ألسنة الشعراء تكشف هذا الواقع الفاسد والمصائب التي تنتظره، وكان أجرأ شاعر في هذا الميدان هو مجد الدين النشابي الذي ألقى قصيدة طويلة بهذا الصدد مطلعها:

يا سائلي ولمحضِ الحقِ يرتادُ   ***   أصغ فعنديَ نشدانٌ وانشادُ

وتعدّ هذه القصيدة من أهم القصائد التي قيلت في هذا الموضوع وأبرزها وقد أشار فيها الشاعر إلى اضطراب الأوضاع وفسادها واختلال الإدارة ونظام المصادرة والتعدّي على الناس والقضاء على الحريات ومحو العدل والمساواة كما انتقد فيها بشدة الوزراء ورجال الخليفة المنشغلين بعبثهم وفجورهم الغارقين في غيهم ومجونهم:

واسمعْ فعنــــــــدي رواياتٌ تحققها   ***   درايـــــةٌ وأحــاديــــثٌ وإسنادُ

فهمٌ ذكــــــــــــــيٌّ وقلبٌ حاذقٌ يقظٌ   ***   وخاطرٌ لنفـــــــــــودِ النقدِ نقادُ

عن فتيةٍ فتكـــوا في الدينِ وانتهكوا   ***   حماهُ جهلاً بـــــرأي فيهِ إفسادُ

وهو يبث شكواه إلى رسول الله (ص) لما حلّ بالمسلمين:

إن جئتَ يثـربَ أو شارفتَ ساحتها   ***   فقلْ لمن أنــزِلتْ في حقهِ صادُ

الكفرُ أضـــــرمَ في الإسلامِ جذوته   ***   وليسَ يُرجى لنارِ الكفرِ إخمادُ

واضيعة الملكِ والدينِ الحنيـفِ وما   ***   تلقاه من حــادثاتِ الدهرِ بغدادُ

وفي آخر هذه القصيدة الطويلة تمنى الشاعر الموت قبل رؤية المسلمين وقد حل بهم مصاب عظيم فقال:

أين المنيّة منّي كي تســـــــــاورني   ***   فللمنيـــــــــــــةِ اصدارٌ وايرادُ

من قبل واقعةٍ شنــــــــــعاء مظلمةٍ   ***   يشيبُ من هــولها طفلٌ واكبادُ (117)

ولكن كل هذه القصائد والتحذيرات لم تجحد لها آذاناً صاغية فكانت صيحة في واد او نفخة في رماد وبقي الخليفة وأتباعه على تهتكهم وفسادهم.

ثم يأتي تصوير ما بعد الحادثة وما لقي الناس من المغول من الويلات والدمار والفتك والهوان.. لقد كانت النكبة التي حلّت ببغداد عظيمة والفاجعة التي داهمتها كبيرة، وقد صوّرت قصائد الشعراء الحزينة هذه الفاجعة الأليمة بكل تفاصيلها فمن الشعراء الذين شهدوا هذه النكبة الشاعر تقي الدين اسماعيل بن أبي اليسر التنوخي الذي بكى بغداد بقصيدة طويلة مطلعها:

لسائلِ الدمعِ عن بـــــــغداد إخبارُ   ***   فما وقوفكَ، والأحبابُ قد ساروا ؟

فبغداد أصبحت فارغة من أهلها:

يا زائرين إلى الـــزوراءِ لا تفدوا   ***   فمـــــــــا بذاكَ الحمى والدارِ ديَّارُ

ويعدد ما فعله المغول ببغداد:

وكم حريمٍ سبته الـــــتركُ غاصبة   ***   وكان مــن دونِ ذاكَ السترِ أستارُ

وكم بدورٍ على البـــدريةِ انخسفتْ   ***   ولم يعد لــــــــــــــبدورِ منه إبدارُ

وكم ذخائرَ أضحـــت وهي شائعة   ***   من النهابِ وقد حـــــــــازته كفارُ

وكم حدود أقيمتْ مــــــن سـيوفِهمُ   ***   على الرقابِ وحطت فيـــه أوزارُ

لقد كانت هذه القصيدة التراجيدية عبارة عن آهة نابعة من القلب المفطور من تلك الأحداث فقد رأى الشاعر النساء الشريفات اللواتي دفعن الى الموت وهن في أزرى حالة ورفع يده الى السماء راجياً من الله تعالى أن يسلط على الأعداء عذابه ونقمته:

ناديتُ والسبيُ مهتوكٌ يــــــجرهمُ   ***   إلى السفاحِ من الأعداءِ دعّـــــــارُ

وهم يساقونَ للموتِ الذي شهــدوا   ***   النارُ يا رب مــــــن هذا ولا العارُ

يا للرجـــــــــــــال بأحداثٍ تحدثنا   ***   بما غـــــــــــــدا فيه إعذارٌ وإنذارُ (118)

ومن الشعراء الذين شهدوا هذه النكبة أيضاً سعدي الشيرازي الذي كتب قصيدة قاربت المائة بيت باللغة العربية رثى بها بغداد وبكاها بدموع غزار يقول فيها:

حبستُ بجفنـــــــــيَّ المدامعَ لا تجـري   ***   فلما طغى المـــاءُ استطالَ على السكرِ

نسيمُ صـــــــــــبا بغداد بعد خرابِـــــها   ***   تمنّيت لو كـــــــــانتْ تمرُّ على قبري

لأنَّ هلاكَ النـــفسِ عند أولي الـنــــهى   ***   أحبُّ له من عيــــــشِ منقبضِ الصدرِ

زجـــرتُ طبيباً جسَّ نبضي مــــداوياً   ***   إليك، فما شكواي مــــن مـرضٍ تبري

لزمتُ اصـطباراً حيث كنــــتُ مُفارقاً   ***   وهذا فراقٌ لا يُعـــــــــــــــالجُ بالصبرِ

تسائلني عمــــا جري يـــوم حـصرهم   ***   وذلكَ مما ليسَ يدخلُ في الـــــــحصرِ

أديرت كـــؤوسُ المــــوتِ حتى كـأنه   ***   روؤسُ الأســـــارى رجحنّ من السكرِ

لقد ثكلتْ أمُّ الـــــــــــــــــقرى ولكعبةٍ   ***   مدامعُ في الميــزابِ تُسكبُ في الحجرِ

نوائبُ دهرٍ ليتني مُـــــــــــــــتُّ قبلها   ***   ولم أرَ عدوانَ السفيــــــــهِ على الحبرِ

محــــــــــابرُ تبكي بعـــدهمْ بـسوادِها   ***   وبعضُ قلوبِ الناسِ أحـــــلكُ من حبرِ

لحى الله مـــــــن يســــدي إليه بنعمة   ***   وعند هجـــــــــــومِ الناسِ يألفُ بالغدرِ

مررتُ بصمِّ الـــــــــراسياتِ أجوبُها   ***   كخنساء من فــــرط البكاءِ على صخرِ

أيا ناصحي بالصبر دعني و زفرتي   ***   أموضعُ صبرٍ والـــكبودُ على الجمر ؟

تهدّم شخصــــــــي من مداومةِ البكا   ***   ويندم الجــــــــــــرف الدوارسِ بالمخرِ

وقفتُ بآبادان أرقــــــــــــــــب دجلةً   ***   كمثلِ دمٍ قانٍ يسيــــــــــــــلُ إلى البحرِ

وفائضُ دمـــــعي في مصيبةِ واسطٍ   ***   يزيدُ على مدِّ البحيــــــــــــــرةِ والجزرِ (119)

ولعل أكثر الشعراء تألّماً من هذا الواقع المؤلم وأكثرهم تفجّعاً له حيث لم يستطع شاعر أن يصل إلى ما وصل إليه من بكاء على بغداد هو الشاعر شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الكوفي الذي سمّاه الشيخ محمد رضا الشبيبي (شاعر مأساة بغداد) (120) فقد عبّر هذا الشاعر عن هذه الحادثة الموجعة بقصائد محزنة كثيرة بكى فيها المدينة المنكوبة ووصف الأعمال الشنيعة التي قام بها الغزاة بحق الناس الأبرياء كما رثى الأهل وندب الأحباب وأبّن الأصحاب في قصائد تفيض بالدمع والأسى وتأتي نونيته العصماء في مقدمة رثائياته التي عبرت عن صدق مشاعره الحزينة تجاه المدينة المفجوعة فتمنى الموت على البقاء بعد هذه الحادثة فقال:

إن لم تـقرِّحْ أدمـــــعي أجفاني   ***   من بعد بُعدهم فما أجفاني

إنسانُ عـيـني مذ تناءتْ داركم   ***   ما راقهُ نظـــرٌ إلى إنسانِ

يا ليتني قـــــد متُّ قبل فراقِكم   ***   ولساعةِ التوديعِ لا أحياني

مالي وللأيَّـــــامِ شتتَ صرفها   ***   حالي وخـــلّاني بلا خلّانِ

ويطوف الشاعر بهذه المدينة فيشاهد ما عملته أيدي الغزاة بها من الدمار والتهديم والحرق وقد خلت المنازل من أهلها فيقول:

ما للمنازلِ أصــبحتْ لا أهلها   ***   أهلي، ولا جيرانها جيراني

وحيـــاتكم ما حلّها من بعدكم   ***   غير البــلى والهدمِ والنيرانِ

ويسترسل الشاعر على هذه الوتيرة في كل قصائده الرثائية يقول في ميميته:

عندي لأجــــــــــــلِ فـراقكم آلامُ   ***   فألامَ أعــذل فيــــــكمُ وألامُ

من كان مثلي للحبــــــيبِ مفارقاً   ***   لا تعـذلـوه فــــــالكلامُ كلامُ

نعمَ المساعد دمعي الجاري على   ***   خــــــــــــــــدّيَّ إلا أنه نمَّامُ

قفْ في ديارِ الظاعنيــــن ونادِها   ***   (يا دارُ ما فـعلتْ بكِ الأيُامُ)

ويتجرّعُ لوعة الأسى ومرارة الحرمان قائلا:

وحياتــــكمْ أني على عهدِ الهوى   ***   بــــاقٍ ولم يخفـرْ لديّ ذِمامُ

فدمي حـــــلالٌ إن أردتُ سواكمُ   ***   والعيــشُ بعدكـمُ عليَّ حَرامُ

يا ليتَ شعـري كيفَ حالُ أحبّتي   ***   وبأيّ أرضٍ خـيّموا وأقاموا

مالي أنيسٌ غير بيــــــــــتٍ قاله   ***   صبٌّ رمته من الفراقِ سهامُ

(والله ما اختـــرتُ الفراقَ وإنّما   ***   حكمــــــت عليّ بذلك الأيامُ)

وحينما كان وطء الضيم والحيف عظيماً على شاعرنا احتمى برسول الله (ص) ووجده خير عزاء لنفسه المكلومة وشفاء لها فقال من قصيدة طويلة أربت على المائة بيت مطلعها:

جار الزمانُ على قلبي الحزين ولو لا   ***   مدحي المصطفى لم يبقَ لي رمقُ

المجتبى خيرُ خـــــــــــــــلقِ اللهِ كلهمُ   ***   ومن تكمّل فيـــــــه الخلقُ والخُلُقُ

صلى الإلهُ على المختـــارِ ما طلعتْ   ***   شمسٌ وأشـرق نجمٌ أو دجى غسقُ (121)

وهناك شعراء آخرون ذرفوا قصائدهم دموعاً على بغداد ولكن يبقى أبرزهم هو شمس الدين الكوفي فكونت قصائدهم صور حية عن ذلك الواقع الأليم بعد أن عاصروا أحلك فترة مرّت بها الأمة الاسلامية وقد عبّروا في شعرهم أصدق تعبير ويعد وثيقة هامة من الوثائق التاريخية

محمد طاهر الصفار

الهوامش

...........................................................................

1 ــ إعادة كتابة التاريخ .. سقوط الخلافة العباسية أنموذجا.

2 ــ فاطر 18

3 ــ إعادة كتابة التاريخ .. إسقاط الخلافة العباسية أنموذجا / يوسف الهادي ص 63

4 ــ الفخري في الآداب السلطانية لابن الطقطقي ص 248 / مجمع الآداب في معجم الألقاب لابن الفوطي ج 4 ص 248

5  ــ فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي ج 2 ص 312 / البداية والنهاية لابن كثير ج 13 ص 213 / الأعلام للزركلي ج 6 ص 185 / رياض العلماء لعبد الله الأصفهاني ج 4 ص 356 وغيرها من المصادر

6 ــ مجمع الآداب في معجم الألقاب لابن الفوطي ج 5 ص 130

7 ــ مجمع الآداب ص 560 / أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج 6 ص 86

8 ــ مؤيد الدين بن العلقمي وأسرار سقوط الدولة العباسية للشيخ حسين الساعدي ص  14

9 ــ مؤرخ العراق ابن الفوطي ج 2 ص 94

10 ــ مؤيد الدين بن العلقمي وأسرار سقوط الدولة العباسية للشيخ حسين الساعدي ص 12

11 ــ ذيل مرآة الجنان لقطب الدين اليونيني ج 6 ص 747 / شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 8 ص 24 / الوافي بالوفيات للصفدي ج 1 ص 184

12 ــ الفخري في الآداب السلطانية لابن الطقطقي ص 248

13 ــ مدينة الحسين لمحمد حسن الكليدار ج 1 ص 6

14 ــ مجالي اللطف بأرض الطف ص 48

15 ــ مؤيد الدين بن العلقمي وأسرار سقوط الدولة العباسية للشيخ حسين الساعدي ص 12

16 ــ مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي لأمير علي ص 354 / نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري ج 1 ص 256 / بلدان الخلافة الشرقية لـ كي لسترنج ص 101 / وادي الفرات لأحمد سوسة ج 1 ص 256 / دليل خارطة بغداد لمصطفى جواد ص 69 وغيرها

17 ــ تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب / ابن الفوطي ج 4 ص 332

18 ــ خلاصة الذهب المسبوك لابن قنينو الأربلي ص 286

19 ــ الفخري في الآداب السلطانية / ابن الطقطقي ص 12

20 ــ الحوادث الجامعة / ابن الفوطي ص 336

21 ــ البداية والنهاية / ابن كثير ج 13 ص 212

22 ــ دستور الوزراء / غياث الدين خواندمير ص 98

23 ــ تاريخ مغول إيران / عباس إقبال ص 185

24 ــ الفخري / ص 248

25 ــ الحوادث الجامعة ص 210

26 ــ الفخري ص 249

27 ــ الحوادث الجامعة ص 210

28 ــ مجالس المؤمنين / نور الله التستري ص 421

29 ــ شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد ج 1 ص 5

30 ــ شرح نهج البلاغة  ج 1 ص 3 ــ 5

31 ــ كشف الغمة ج 2 ص 353 وقد ألف الأربلي الكتاب عام 687هـ

32 ــ بحار الأنوار ج 25 ص 16

33 ــ مستدرك وسائل الشيعة ج 3 ص 483

34 ــ أمل الآمل ص 490

35 ــ الكنى والألقاب ج 1 ص 356

36 ــ روضات الجنات ص 582

37 ــ الوافي بالوفيات ج 1 ص 151

38 ــ مرآة الزمان ج 8 ص 747

39 ــ الحوادث الجامعة ص 365

40 ــ العسجد المسبوك ص 640

41 ــ مختصر تاريخ العرب أو التمدن الإسلامي / أمير علي ص 354

42 ــ مؤيد الدين ابن العلقمي وأسرار سقوط الدولة العباسية / الشيخ محمد حسين الساعدي ص 59

43 ــ الحوادث الجامعة ص 155

44 ــ الحوادث الجامعة ص 309 ــ 310

45 ــ نفس المصدر ص 72 وما بعدها

46 ــ البداية والنهاية ج 13 ص 186

47 ــ تاريخ الخلفاء ص 461

48 ــ سقوط الخلافة العباسية ص 203

49 ــ تاريخ العراق بين احتلالين / عباس العزاوي ج 1 ص 200

50 ــ الحوادث الجامعة ص 155 ــ 156

51 ــ الجامع المختصر في عنوان التاريخ وعيون السير ص 129

52 ــ سقوط الخلافة العباسية ص 204

53 ــ البداية والنهاية ج 13 ص 204 ــ 205

54 ــ آل عمران 75

55 ــ النساء 58

56 ــ فوات الوفيات ج 1 ص 496

57 ــ الشورى 30

58 ــ الفخري ص 33

59 ــ نفس المصدر ص 333

60 ــ نفس المصدر والصفحة

61 ــ نفس المصدر ص 33 / تاريخ مغول إيران ص 178 ــ 179

62 ــ الفخري ص 33

63 ــ تاريخ مختصر الدول لابن العبري ص 482 / الأعلاق الخطيرة لعز الدين ابن شداد ص 479 / البداية والنهاية لابن كثير ج 13 ص 233

64 ــ جامع التواريخ ج 2 ص 716

65 ــ الحياة السياسية في العراق في عهد السيطرة المغولية ص 76

66 ــ مؤيد الدين ابن العلقمي وأسرار سقوط الدولة العباسية ص 73

67 ــ تاريخ الخلفاء ص 461

68 ــ مرآة الزمان ج 1 ص 254

69 ــ طبقات الشافعية ج 5 ص 110

70 ــ سقوط الدولة العباسية ص 203

71 ــ مؤيد الدين ابن العلقمي وسقوط الدولة العباسية ص 64 ــ 65

72  ــ تاريخ الخلفاء / السيوطي ص 450

73 ــ مؤيد الدين ابن العلقمي وأسرار سقوط الدولة العباسية ص 58 ــ 59

74 ــ تاريخ الخلفاء ص 499

75 ــ الكامل في التاريخ / ابن الأثير ج 13 ص 125

76 ــ جنكيز خان امبراطور الناس كلهم، ترجمة بهاء الدين نوري ص 90 ــ 91

77 ــ شرح نهج البلاغة ج 8 ص 239 ــ 242

78 ــ الحوادث الجامعة ص 202

79 ــ نفس المصدر ص 231

80 ــ الكنى والالقاب / الشيخ عباس القمي ص 245

81 ــ الفخري ص 248

82 ــ جامع التواريخ / رشيد الدين الهمداني ج 1 ص 262 ــ 263

83  ــ الحوادث الجامعة ص 315 / بغداد مدينة السلام لريتشارد كوك ج 1 ص 208 / مختصر تاريخ العرب لأمير علي ص 340

84 ــ الحوادث الجامعة ص 294

85 ــ جامع التواريخ / رشيد الدين الهمداني ج 1 ص 262 ــ 263

86 ــ جامع التواريخ ج 1 ص 262

87 ــ الحوادث الجامعة ص 294

88 ــ جامع التواريخ / رشيد الدين الهمداني ج 1 ص 262 ــ 264

89 ــ نفس المصدر والصفحة

90 ــ جامع التواريخ  ص 264

91 ــ مختصر تاريخ العرب أو التمدن الإسلامي / أمير علي ص 186

92 ــ الكامل في التاريخ / ابن الأثير ج 9 ص 329

93 ــ تاريخ مختصر الدول ص 471 ــ 472

94 ــ نفس المصدر والصفحة

95 ــ تاريخ العراق بين احتلالين ج 1 ص 269 ــ 270

96 ــ مؤيد الدين ابن العلقمي وأسرار سقوط الدولة العباسية ص 92 ــ 93

97 ــ الحوادث الجامعة ص 232 , البداية والنهاية / ابن كثير ج 13 ص 233

98 ــ بغداد مدينة السلام / ريتشارد كوك ج 1 ص 214

99 ــ جامع التواريخ / رشيد الدين الهمداني ج 1 ص 292

100 ــ تاريخ الإسلام

101 ــ النُجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج 7 ص 46

102 ــ مفرج الكروب ج 6 ص 215

103 ــ العبر في خبر من غبر ج 5 ص 225

104 ــ ج 14 ص 672

105 ــ العراق في عهد المغول الايلخانيين ص 55

106 ــ مرآة الزمان ج 1 ص 256

107 ــ النجوم الزاهرة ص 49

108 ــ تاريخ الإسلام  ج 48 ص 37

109 ــ نفس المصدر ج 48 ص 309 ــ 310

110 ــ العسجد المسبوك / الغساني ص 637 ــ 639

111 ــ طيور الفتوة وأثرها في الأدب / مقالة في مجلة العربي الكويتية للدكتور مصطفى جواد العدد 114 / 1968

112 ــ الحوادث الجامعة ص 240

113 ــ في التراث العربي ج 1 ص 598

114 ــ سقوط الدولة العباسية ص 342

115 ــ الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ص 60

116 ــ تاريخ العراق بين احتلالين ج 1 ص 202

117 ــ نفس المصدر ص 206

118 ــ سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي لعبد الملك العاصمي ج 3 ص 521

119 ــ تاريخ العراق بين احتلالين ج 1 ص 418

120 ــ ابن الفوطي مؤرخ العراق

121 ــ فوات الوفيات ج 2 ص 232  

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً