132 ــ حبيب البغدادي: (القرن الثالث عشر الهجري)

كربلاء الحسين

2020-07-11

96 زيارة

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) تبلغ (26) بيتاً:

أبدتْ خفايا حقدِها واستظهرتْ *** فـي (كربلا) بضمائرِ الأغمادِ

نشرتْ صحائفَ غدرِها واستقبلتْ * وجهَ الهدى بصفائحٍ وصعادِ

فترى الحسينَ مـشـمِّـراً عـن سـاعـدٍ الايمانِ مدَّرِعاً دلاصَ رشادِ

وقال من أرجوزة طويلة جداً يصف بها رحلته من جبل عامل إلى العراق لزيارة المراقد المقدسة:

وغـايـةُ الـمـقـصـدِ لثمُ تربِهم *** والـفـوزُ بـازديـارِهـم وقـربِهمْ

فلثمُ ذاكَ التربِ من أرضِ النجفْ قد ضمنَ الفوزَ منالاً والشرفْ

ولثمُ تربِ (كربلا) أكـرمْ بها *** من تـربةٍ للفضلِ فيها المنتهى

الشاعر

حبيب بن طالب بن علي بن أحمد بن جواد البغدادي الكاظمي، ولد في الكاظمية ولا يعرف بالتحديد سنة مولده ووفاته غير أن السيد محسن الأمين حدد الفترة التي كان فيها حياً فقال: (كان حياً سنة 1269 هـ / 1853 م والله أعلم كم عاش بعدها).

ثم يقول في ترجمته: (شاعر مجيد متفنن خفيف الروح، يجمع شعره الرقة والانسجام وأنواع الطرائف، أصله من العراق من بلد الكاظمين عليهما السلام (الكاظمية). سكن جبل عامل... ثم عاد إلى الكاظمية وتوفي هناك. ولا تزال ذريته في جبل عامل إلى اليوم). (1)

وقال عنه الشيخ محمد آل مغنية: (الشاعر المفلق الذي إذا خطب أعجب وإذا انشد أطرب، لم أر في عصري افكه من هذا الشاعر المجيد، وكان أسرع الناس بديهة وأذكى قريحة، رأيته مراراً لا يتوقف في كتابة ما أراد من الشعر والإملاء، سريع البديهة حسن المحاضرة، صاحب أجوبة مسكتة، جزل الكلام، إذا تكلم أعجب كل سامع. ينشئ القصيدة الطويلة في الوقت القصير، وشعره كثير لا يكاد يحصى، من السهل الممتنع). (2)

وقد ذكر له السيد الأمين كثيراً من شعره في أغراض شتى انتقينا منه ما يخصّ أهل البيت (عليهم السلام):

يقول من قصيدة مطوّلة فيهم (عليهم السلام):

بني النـبـيِّ لـكـمْ في القلـبِ منزلة *** بـهـا لـغـيـرِ ولاكـم قط ما جنحا

يلومني الناسُ في تركي مديحكمُ *** وكمْ زجرتُ بكمْ من لامني ولحا

عذراً بني المصطفى إنْ عنكمُ جمحتْ قريحتي وهي مثلُ الزندِ مُقتدحا

فلا أرى الوهمَ والأفهامَ مدركةً ***ما عنونَ الذكرُ من أسرارِكم مدحا

سـبـقـتمُ الناسَ في علمٍ ومعرفةٍ *** والأمـرُ تـمَّ بـكـمْ خـتـمـاً ومُـفتتحا

ومنها:

لكنما الناس في عـشواءَ خابطةٍ ***ليلاً وآثاركم في المعجزاتِ ضحى

إن شاهدوا الحقَّ فيما لا تحيط به *** عــقـولـهـم جعلوا للحقِّ مُنتزحا

تـجـارةُ اللهِ لـم تـبـذلْ نفـائسَها *** إلا لـمن كان عن غشِ الهوى نزحا

وربما خاضـتِ الألبابُ إذ شعرتْ مـضامنَ النـورِ دون السترِ قد لُمحَا

فآضَ كلٌّ على دعوى مكـاشفةٍ *** تـوهُّــمـاً أن بـابَ الـسـتـرِ قد فُتحا

شاموا ظواهرَ آياتٍ لها وقـفتْ *** ألبابُـهـم غـيـر أنَّ الوهـمَ قـد شرحا

وهمْ على خوضِ ما ألفوهُ من أثرٍ ** كـمثلِ أعمشَ من بعدٍ رأى شبحا

فليس يدري لتشعيـبِ الظنونِ به *** أسـانحاً ما رأى أم بارحاً سـرحا

إنَّ المدى لبعيـدٌ والسـراةُ غـدتْ *** فـيه كلالاً وكلٌّ في السـرى دلحا

وكـلـمـا شِـيـمَ مـن آثارِ مـعجزةٍ *** فـإنَها رشحٌ ما عن فيضِكم طفحا

فالحجبُ عن سعةِ الآثارِ ما بخلتْ والحكمُ في صفةِ الأسرارِ ما سمحا

وقال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام):

خـلِّ الـنـسـيـبَ فـلـستُ بالمرتادِ *** لـهـوَ الحديثِ بزينبٍ وسعادِ

ما لـي وكـاعـبـة تكلّفني الهوى *** شـتـانَ بـين مُرادِها ومرادي

دعني وفيضَ محاجري فلقد غدت تقري ضيوفَ الهمِّ نارُ فـؤادي

واذكر مصابَ الطفِّ فهيَ رزيةٌ فصمَ الضلالُ بها عُرى الإرشادِ

يومٌ أصاب الشرك فيه حشى الهدى ** بمسدَّدِ الأضغانِ والأحقادِ

يومٌ غدا فـيـه عـلـى رغـمِ العُلا *** رأسُ الحسينِ هدية ابنَ زيادِ

يوم رُمـي سـبـط النبيِّ بعصبةٍ *** جُبلتْ على ما سنَّ ذو الأوتادِ

آلــتْ عــلــى أن لا تــغــادرَ لــلــنــبـيِّ بـقـيـةً وأتـتْ بـكـلِّ فـسـادِ

أبدتْ خفايا حقدِها واستظهرتْ *** في (كربلا) بضمائرِ الأغمادِ

نشرتْ صحائفَ غدرِها واستقبلتْ *وجـهَ الهدى بصفائحٍ وصِعادِ

فتـرى الحسينَ مُشمِّراً عن ساعدِ الإيـمـانِ مُـدَّرعـاً دلاصَ رشـادِ

وبـكـفِّـه قـلمُ الحتوفِ فلم يزلْ *** يمحو سطورَ الشركِ والإلحادِ

في عـصـبـةٍ رأتِ المنيَّةَ مُنيَةً *** فـي اللهِ فـانـتـهزتْ منالَ مُراد

فرماحُها لحشى الصدورِ مشوقةٌ **وسيوفُها لدمِ الرقابِ صَوادي

اللهُ أكبرُ يا لـيـومٍ فـي الـورى *** لـبـسـتْ به الأيـامُ ثـوبَ سوادِ

يومٌ بـه نُـكـسـنَ أعـلامُ الـهدى *** حـتـى تـداعـى شـمـلـه بـبدادِ

يـومٌ بـه عـجَّـتْ بـنـاتُ مـحمدٍ *** مـن مـبـلـغٍ عنا النبيَّ الهادي

يا جدُّ لو أبـصرتَ ما بلغَ الـعدى *** مـنّـا ومـا نـالـتـه آلُ زيـادِ

أما الحسينُ ففي الوهادِ وإننـا **في الأسرِ والسجادُ في الأصفادِ

يـا جـدّ مـا آووا ولا راعـوا ولا ادَّكــروا بــأنَّ اللهَ بـالــمـرصـادِ

أهـونْ بـكـلِّ رزيـةٍ إلّا الـتـي ***صـدعـتْ بـعاشوراءَ كلَّ فؤادِ

لكَ في جوانحِنا زعازعُ لم تزلْ منها تصبُّ من الجفونِ غوادي

مـولايَ يـا مـن حبُّه وولاؤه *** حرزي ومدَّخري ليومِ معادي

أينالُ مـني من علمتَ شقاءه *** ويريدُ بي سوءاً وأنتَ عِمادي

وعليكمُ صلّى المهيمنُ ما سرتْ * نـيبُ الفلا وحدا بهنَّ الحادي

وقال عند زيارته لمرقدي الإمامين الكاظمين (عليهما السلام):

وافتْ إليكمْ تجوبُ الماءَ حاملةً *** ناراً من الشوقِ لا يطفأ لها لهبُ

حتى ترى الطورَ والأنوارَ تشمله من نارِ موسى وفيهِ السرُّ مُحتَجَبُ

وقال في زيارته إلى مرقدي الإمامين العسكريين (عليهما السلام):

للهِ تربُـكِ سـامـراء فـاحَ بــه *** ريــحُ الــنـبـوَّةِ إشـمـامـاً وتـعـبـيـقـا

هـنِـئـت يـا طـرف فيما متّعتك بهِ *** يــدُ الـمـواهـبِ تـأيـيداً وتوفيقا

لم يطرق العقلُ باباً من سرائرِهم *** إلا وكـان عـن الإفـهامِ مغلوقا

وفي الـمـعـاجـزِ والآثارِ تبصرُه *** لـرائـمٍ غـررُ الايـضـاحِ تـحقيقا

هذا الـكـتـابُ فـسـلـه عـنهمُ فبهِ *** صراحة المدحِ مفهوماً ومنطوقا

أبصرْ بـعـيـنِـكَ واسـمعْ واعتبرْ وزنِ المعقولَ واختبرِ المنقولَ توثيقا

وجـلْ بـطــرفِـكَ أيـماناً ومـيسـرةً ***وطـفْ بسعيـكَ تغريباً وتشريقا

فهلْ ترى العـروةَ الـوثـقى بغيرِهمُ *** حـيثُ الولاءُ إذا بالغتَ تدقيقا

وهل ترى نارَ موسى غيرَ نورِهمُ وهلْ ترى نعتَهم في اللوحِ مسبوقا

وهـل تـرى صـفـوةَ الآيـاتِ معلنةً *** لـغـيرهم ما يـؤدِ الفكرَ تشقيقا

قومٌ إذا مُـدحـوا فـي كـلِّ مـكرمةٍ *** قالَ الكتابُ نعمْ أو زادَ تصديقا

أضحى الثناءُ لهم كالشمسِ رأدُ ضحىً وباتَ في غيرِهم كـذباً وتلفيقا

إنّي وإن قلَّ عن أوصافِهم خطري *** وهل ترى زمناً ينتاش عيّوقا

تعساً لقوم تعامتْ عن سنا شهبٍ *** إيـضاحُها طبَّقَ الأكوانَ تطبيقا

إنَّ الإمـامـةَ والـتـوحـيـدَ في قرنٍ *** فـكيفَ يؤمنُ من يختارُ تفريقا

يا من إليهم حملت الشوق ممتطياً *** أقـتاب دجلة لا خيلا ولا نوقا

الماءُ يحملُني والنـارُ أحـمـلُها *** مـن لاعجِ الوجدِ تبريحاً وتشويقا

أنـتـمْ رجـائـي وشـوقي كلُّ آونةٍ *** وأنـتـمُ فرجي مهما أجدْ ضيقا

في يـوم لا والـدٌ يُـغـني ولا ولدٌ *** ولا يـفـرِّجُ وفـرَ المالِ تضييقا

ونـحـنُ في هذهِ الدنيا لحبِّكمُ *** نرعى على الضيمِ جبريَّاً وزنديقا

من بـينِ مُبدي عداءٍ لا نطيقُ له *** رداً وآخرُ حقداً يخزرُ الموقا

وقال في حق الإمام الرضا (عليه السلام):

أبا الحسنِ الرضا قصَدَتكَ منَا * قلوبٌ قد وردنَ نداكَ هيما

ولاحتْ قبةٌ كالشمسِ تمحو *** أشعتُها عن القلبِ الهموما

فـلـم تـرَ غـيـرَ حـبّـكمُ نجاةً *** ولم ترَ غيرَ فضلكمُ نعيما

ومنها:

ألستمْ خيرَ أهلِ الأرضِ طرَّاً وخيرَ من ارتدى الشرفَ العميما

ولو بـكـمُ اسـتـجـارتْ آلُ عادٍ *** لمـا عـادتْ لـيـاليها حسوما

ألستمْ في الورى كسفينِ نوحٍ ***ومن ركبَ السفينَ نجا سليما

تبصّرَ من تبصَّـرَ فـي ولاكمْ ** فـلـم يـعدُ الصراط المستقيـما

ومن جابَ الفيافي في ولاكـمْ *** فـلا بـأسٌ يخافُ ولا جحيما

محمد طاهر الصفار

..............................................................

1 ــ أعيان الشيعة ج ٤ ص ٥٤١

2 ــ جواهر الحكم ودرر الكلم

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً