131 ــ حازم القرطاجني: (608 ــ 684 هـ / 1211 ــ 1286 م)

كربلاء الحسين

2020-07-10

144 زيارة

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء تبلغ (29) بيتاً:

فإن رزءاً بـ (كربلاءٍ) *** فـرَّقَ بين الكرى وبيني

بالطفِّ يوماً بكته منَّا *** ومن حيا المزنِ كلُّ عينِ

أودِي حسينٌ به فمالي *** عـلـيهِ بالصبرِ من يدينِ

الشاعر

أبو الحسن حازم بن محمد بن حازم القرطاجني، شاعر وأديب من كبار أدباء الأندلس وهو صاحب كتاب (منهاج البلغاء وسراج الأدباء) الذي يعد من أهم الكتب في البلاغة. كما وُصف بأنه خاتمة الشعراء الفحول في الأندلس.

ولد القرطاجني في (قرطاجنة) شرق الأندلس وإليها نُسب، ونشأ في أسرة دينية علمية. كان أبوه محمد بن حازم عالماً وفقيهاً تولّى القضاء في قرطاجنة لمدة أربعين سنة، فعهد بتربيته وتعليمه الديني، فعلمه القرآن الكريم والقراءة والكتابة وأوليات العلوم فكان (الولد سر أبيه) في اقتفاء أثره الديني والعلمي فواصل هذا المشوار وتجوّل في حلقات الدروس في قرطاجنة ومرسية وغرناطة.

درس القرطاجني ــ إضافة إلى أبيه ــ عند أبي علي الشلوبين الذي كان يعد من أكبر علماء العربية في الأندلس في ذلك الوقت، كما كان القرطاجني من أبرز تلاميذه، فأوصاه بقراءة كتاب ابن رشد، وبعد سقوط قرطاجنة ومرسية بيد الأسبان هاجر القرطاجني إلى مراكش التي كانت حاضرة إسلامية علمية

في مراكش عاش معززاً مكرماً في ظل دولة الموحّدين وانضم إلى جلساء الخليفة الموحدي عبد الواحد بن المأمون الملقب بـ (الرشيد)، الذي كان مجلسه يضم العلماء والأدباء والشعراء، ولكن الحال لم يستقر بالقرطاجني عند الرشيد فترك مراكش بسبب الأوضاع السياسية المضطربة في الأندلس وهاجر إلى تونس التي كانت تحكمها الدولة الحفصية فاتصل بسلطانها يحيى بن حفص مؤسس الدولة الحفصية الذي عيَّنه كاتباً في ديوانه.

وكان يحيى الحفصي يحث العلماء والأدباء على القدوم إلى تونس ويجزل لهم في العطاء وأعد مكاناً لإقامتهم ووفّر لهم ما يحتاجوه من رفاهية العيش، وقد لجأ إليه كثير من الأعلام بعد سقوط المدن الأندلسية بيد الأسبان منهم: المؤرخ والشاعر الكبير ابن الأبار القضاعي (محمد بن عبد الله البلنسي)، وأبو الفتح الإشبيلي (محمد بن محمد اليعمري) المعروف بـ (ابن سيد الناس)، وابن عصفور النحوي (علي بن مؤمن الحضرمي الإشبيلي)، وابن الرومية (أحمد بن محمد بن مفرج) المعروف بـ (أبو العبّاس النباتي) وابن سَعِيد الأندلسي (علي بن موسى العنسي) وغيرهم.

وبعد موت يحيى الحفصي تولى ابنه محمد الحكم الذي سار على نهج أبيه في احترام العلم ورعاية العلماء وكان يولي القرطاجني أهمية خاصة لسعة علمه ويستشيره في الأمور العلمية والأدبية وبقي القرطاجني في تونس حتى وفاته فيها

مؤلفاته

أهم ما ألف القرطاجني هو كتاب سراج البلغاء الذي طبع باسم (مناهج البلغاء وسراج الأدباء) تناول فيه صناعة الشعر، وطريقة نظمه، وخصائصه كالمعاني والمباني والأسلوب، وغيرها من أمور الشعر ممنهجة في أبواب، وقد تناول هذا الكتاب الكثير من النقاد ــ قديما وحديثا ــ بالدراسة ولا يزال أثره إلى الآن قائما

أما في الشعر فله ديوان مطبوع احتوى على مختلف أغراض الشعر

وللقرطاجني أيضاً المقصورة الشهيرة التي أربت على الألف بيت التي مطلعها:

لله ما قد هجت يا يوم النوى *** على فؤادي من تباريح الجوى

وفيها يستنفر الهمم لإنقاذ الأندلس من براثن الإسبان وقد احتوت على كثير من الأحداث التاريخية لتلك الفترة، وقد شرحها محمد بن أحمد الحسني المعروف بـ (الشريف الغرناطي) في كتاب سماه (رفع الحجب المنشورة على محاسن المقصورة).

شعره

لقصيدته في الإمام الحسين (عليه السلام) مع قطعة حسينية أخرى قصة اشترك فيها مجموعة من الشعراء وهي أن الشريف نجم الدين بن يونس الحسني طلب منه ومن شعراء آخرين في مراكش بحضور الرشيد بن عبد المؤمن الموحدي تذييل بيتي الشاعر الحسن بن أحمد بن محمد المعروف بـ (ابن حكّينا البغدادي) وقد أنشأهما في الاعتذار عن الاكتحال في يوم عاشوراء وهما:

ولائمٌ لامَ في اكــتحالـي *** يـومَ اسـتـحلّوا دمَ الحسينِ

فقلتُ دعني أحقُّ عضوٍ *** يحظى بلبسِ السوادِ عيني

وكان من الحاضرين من الشعراء: ابن القطان، وأبو بكر الفزاري، وابن الحناط، والعشبي، وابن حجاج، وابن زغبوش، والطهيري، وإبن زنون، وإبن غالب، وإبن موسى، والطرفي، وإبن عمران، وابن هشام، والجياني، وابن أبي ثلاثة، والمصانعي، والقرطاجني وأخوه أبو علي الحسن، فارتجل حازم القرطاجني بخمسة أبيات في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) وهي:

أما تـراهـا تـسـحُّ دمـعـاً *** كـأن عـيـني بكتْ بعينِ

والــدمــعُ مــمـا يـدلُّ أنَّ الــحـدادَ لـلـحـزنِ لا لـزيـنِ

إنّ مـصـابَ الحسينِ رزءٌ *** فرَّقَ بين العزا وبيني

حبَّبَ لونَ الشبابِ عندي * وصحَّف الشيبَ لي بشينِ

حتى كأنَّ المشيبَ صبحٌ ** سقى حسيناً كؤوسَ حينِ

وقال أيضا في حسينية أخرى:

لا تـبـكِ حـزنـاً ليـومِ بينِ *** وذِكـرِ ريـمٍ بـرامـتـيـنِ

وابنَ البتولِ الحسينَ فاندبْ ** الطاهرَ ابنَ المطهَّرينِ

قـفـا خـلـيـلـيَّ نبـكِ حزناً *** بـكـاءَ قـلـبٍ ونـاظـريـنِ

فـإنَّ رزءاً بـ (كـربلاءً) *** فـرَّقَ بـيـنَ الكرى وبيني

بالـطـفِّ يـومـاً بكته منَّا *** ومن حيا المزنِ كلُّ عينِ

أودِي حـسـيـنٌ بـه فـمـالـي *** عليهِ بالصبرِ من يدينِ

هـمْ جمعوا من شبا العوالي *** ورأسُـه بـيـن كوكبينِ

كـأنَّـمـا وجـهُـه سـراجٌ *** لـشـمـعـةِ الـبـاسلِ الرُّديني

أشـقـى تـاللهِ نـجـلَ سـعدٍ *** ونجلَ حربٍ وحزبَ ذينِ

ويـحَ ابـن حـربٍ لقد تعدّى *** لـنـقـرِ تـلـكَ الـثـنـيّتينِ

لـم يـرعَ لـثـمَ الـنـبـيَّ تلكَ *** الـثـنـيّـتـيـنِ الـسـنـيّـتينِ

وقـالَ مـا قـالَ مـن كـلامٍ *** كـسـتـه عـقـبـاهُ كلَّ شينِ

لـو نـظـرتْ مـقـلـتـا أبـيـهِ *** إلـيـه بـيـنَ الـكـتـيـبـتينِ

لـراعَ مـنـه الـعـدى هـزبـرٌ *** خضيبُ كفٍّ ومخلبينِ

ولـو رنـا جــدُّه إلـيـهِ *** وهـوَ خـضـيـبُ الـذؤابـتـيـنِ

لـجـالـدتْ دونـه سـيـوفٌ *** مـا أرهـفـتـهـا يـمينُ قينِ

وجـنـدُ نـصـرٍ بـهـم عـلا الـديــنُ يـومَ بـدرٍ وفي حنينِ

لا برَحتْ ما حـيـيـتُ عـيني *** تـسـيـلُ للدمعِ واديينِ

وتـكـتـسـي لـلأسـى حـداداً *** يُـلـبـسُ جـفني سدفتينِ

لو كـان مـن مـقـتـلي فيه *** عـلى السوادينِ مسعدينِ

خضبتُ منها ما ابيضَّ حزناً مـا اسودَ من لونِ مقلتينِ

لكـنـني قـد سـنـنـتُ تـوياً *** أسودَ مـنـهـا بـمـدمـعينِ

لولا الأسى ما سننتُ كحلاً *** منها بجفنٍ ومحجرينِ

ولائـمٌ لامَ فـي اكـتـحـالٍ *** يـومَ استحلّوا دمَ الحسينِ

فقلتُ دعني أحقُّ عضوٍ ** يحظى بلبسِ السوادِ عيني

فليسَ حزنٌ كحزنِ عيني * ولـيسَ خطبُ الأسى بهينِ

نورُ الهدى غابَ عن عيونٍ * إذ حانَ للسبطِ يومَ حينِ

فالشمسُ والبدرُ من تواري شمسَ هدىً غير مشرقينِ

والعـيـنُ ثكلى لم تبدِ كُحلاً *** للـحُسنِ كلا ولا لزينِ

محمد طاهر الصفار

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً