129 ــ جواد مرتضى: (1266 ــ ١٣٤١ هـ / 1849 ــ 1923 م)

كربلاء الحسين

2020-07-09

83 زيارة

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) تبلغ (24) بيتاً:

أو ما سـمـعـتَ بـحـادثٍ *** مـلأ الـعـوالمَ بالنياحِ

حيث الحسينُ بـ (كربلا) *** بين الأسنة والرماحِ

يغشى الوغى بفوارسٍ ** شوسٍ تهيجُ لدى الكفاحِ

ومنها:

فلقد قضى سبطُ النبيِّ بـ (كربلا) صديانَ ضـاحي

أدمى المدامع رزؤه *** ورمى الأضالعَ بالبراحِ

فـلـتـلـطـمِ الأقوامُ حزناً *** حُـرّ أوجـهِـهـا بِرَاحِ

الشاعر

السيد جواد بن حسين بن حيدر بن مرتضى بن محمد بن حيدر بن محمد بن مرتضى بن حيدر بن علي بن حيدر بن محمد بن يوسف بن محمد بن قاسم الحسيني العاملي العيثاوي، المعروف بـ (جواد مرتضى) نسبة إلى جده الأعلى والذي ينتهي نسبه الشريف إلى زيد الشهيد ابن الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).

عالم كبير وفقيه مجتهد وشاعر ومن مؤسسي النهضة العلمية الحديثة في جبل عامل، ولد في قرية (عيتا الزط) في جبل عامل، وقرأ في طفولته القرآن الكريم والعلوم الدينية والعربية على يد أبيه، ثم درس علوم العربية على يد الشيخ موسى حسن مروة في بلدة (حداتا)، وبعدها درس في (شقرا) ــ التي كانت حاضرة علمية ــ عند السيد عبد الله الأمين ــ عم السيد محسن الأمين صاحب أعيان الشيعة ــ ثم انتقل إلى (مجدل سلم) فدرس هناك على يد الشيخ مهدي شمس الدين.

إلى النجف الأشرف

كانت هذه عادة الأسر العلمية في قرى جبل عامل وهي إرسال أولادهم لطلب العلم في النجف الأشرف يقول السيد محسن الأمين (وهذا يعطينا صورة صادقة عما كان عليه أهل جبل عامل في تلك الأعصار من الاهتمام بالدين والعلم والمثابرة على تعليم أولادهم العلوم الدينية وتحملهم المشاق في ذلك فيعلمونهم القرآن الكريم والكتابة بأنفسهم بصورة شاقة وطريقة صعبة ثم يرسلونهم إلى بلاد الغربة في بلادهم مع عدم السعة وعدم توفر أسباب المعيشة ثم إلى بلد الغربة في البلاد النائية مع صعوبة المواصلات ويصبرون على فراقهم عشرات السنين)

بعد إكمال السيد جواد العقد الثاني من عمره هاجر إلى النجف الأشرف مع أخيه السيد حيدر مرتضى لإكمال تعليمه، فدرسا في النجف على يد الشيخ موسى شرارة الذي سبقهما إلى النجف واحتضنهما هناك وقام بتدريسهما.

وبعد تسع سنين عاد السيد جواد إلى بلدته تاركاً أخاه السيد حيدر الذي بقي في النجف لمواصلة تعليمه، فافتتح مدرسة دينية في بلدته تصدّر فيها التدريس وضمّت كثيراً من طلاب العلم كان أبرزهم: السيد محسن الأمين الذي يقول في ترجمة أستاذه: (فأقام في قرية عيثا الزط نحو أربع سنين وقرأت عليه النحو في أوائل طلبي للعلم وسني يومئذ 13 سنة فقرأت عليه شرح القطر لابن هشام وشرح ألفية ابن مالك لولده بدر الدين والمغني ..)

وبقي السيد جواد في بلدته مدرِّساً ومرشداً دينياً لمدة أربع سنين فعاوده الحنين إلى الحلقات العلمية النجفية، فرجع إلى النجف ودرس على يد كبار العلماء في الفقه والأصول كالشيخ: محمد حسين الكاظمي، والشيخ محمد طه نجف، والشيخ محمد كاظم الخراساني (صاحب كفاية الأصول).

كانت مدة إقامته في النجف هذه كسابقتها ــ تسع سنين ــ ثم سافر إلى الشام للتدريس والإرشاد، ومنها رجع إلى مسقط رأسه (عيتا الزط)، وفيها شرع بالتدريس في المدرسة الحيدرية التي أسسها أخوه، ثم استقر به المقام في (بعلبك) بناءً على طلب أهلها، وكانت بأمس الحاجة إليه كمرجع في أمور الدين والدنيا، فإضافة إلى العمل الديني من الإرشـاد والتوجيه، وتعليم الناس الأحكام الشرعية، وإحياء المناسبات الدينية، فقد كان السيد جواد ساعياً في بعلبك وكل الأماكن التي أقام بها إلى إصلاح ذات البين، وفضّ الخصومات والإصلاح بين الناس.

كما بُني بفضله الجامع الكبير المعروف بـ (جامع النهر) ومدرسة بالقرب منه، وقد بقي في بعلبك لمدة عشرين سنة. وقبل بداية الحرب العالمية الأولى عاد إلى بلدته (عيتا الزط) حتى وفاته فيها ودفن بالقرب من أخيه السيد حيدر مرتضى الذي توفي قبله بخمس سنين.

رثاؤه

وكان ليوم موته حزن وأسى في قلوب المؤمنين وقد رثاه كثير من الشعراء حتى أن ولده السيد عبد المطلب مرتضى جمع ما أُلقي من الشعر وما قاله المؤبنون في مجالس ذكراه في كتاب وأسماه ب‍ (شجى العباد في رثاء الجواد) وطبع في صيدا.

وممن رثاه تلميذه الشيخ علي النقي زغيب الذي رثاه بأكثر من قصيدة يقول من إحداها وهو يعدد مآثره وسعيه في سبيل الصلاح والإصلاح:

 يا راكباً ظهر الصِعـاب إذا دهى *** خطبٌ وغالَ بني البريةُ غُولُ

يا مُودعَ الأحـشـاءَ حــرَّ غـلـيـلهاَ *** هل بعـدْ نأيَكٌ رجعةُ وقُــفـولُ

حامي الشريعةِ من يـقومُ بحفظِها *** إن عاثَ فـيهـا مُدَّعٍ وجـهـولُ

أبـقـيـتَ ذكـراً طـيِّـــبـاً ومـآثـــراً *** هـيَ كـالـكواكبِ للأنــامِ دليلُ

فـكـأنَّـهـا الــفـرقانُ فــي إعجازِهِ *** وكأنَّها بيـن الـــورى إنـجـيـلُ

تـدعـو إلــى حــبِّ الـوئامِ وفعلِه *** حتى كأنَّكَ في الأنـامِ رســولُ

رفعوا سريــرَكَ خاشـعينَ كأنَّما *** نادى بهم للحـشـرِ إسـرافــيــلُ

يمشونَ والأجفـانُ تـسفحُ دمـعَها *** ووراؤكَ الـتكبيـرُ والـتـهـلـيـلُ

إن غيبَّتكَ عن الـعـيـونِ صفائحٌ *** ونأى المزارُ ومـا إلـيـكَ سبيلُ

فـبـكـلِّ قـلـبٍ قـد غـدا لكَ مدفنٌ *** في ذكـرِ فضلِكَ عامرٌ مأهـولُ

يا صاحبَ الحسبِ الرفيعِ ومن له طابتْ فروعٌ في الورى وأصولُ

الصبرُ يُحمدُ في المصابِ وإنَّما * حزني عليكَ مدى الزمان طويل

وقال الشاعر الشيخ محمد حسين آل شمس الدين في رثائه من قصيدة:

فقدتكَ هاشمُ طودَها السامي الذرى وحسامَها الماضي الذي لا يُثلمُ

فـقـدتْ يـتيمةَ دهرِها بكَ هاشمٌ *** وارفضَّ مـنـها عقدُها المتنظّم

هي روعة صدعتْ قلوبَ بني الورى فعيونُها عبرى وأدمعُها دمُ

غادرتَ كل حشىً تصعَّدُ زفرةً *** حـزنـاً عليكَ وحرُّها يتضرَّمُ

وقال الشيخ علي شرارة من قصيدة في رثائه:

مضى الجوادُ طاهراُ مطهَّرا *** رداؤهُ العفافُ والمكارمُ

من للدجى يحييهِ وهو راكـعٌ *** وسـاجـدٌ وقـاعـدٌ وقـائمٌ

كـم غـارمٍ أتـاهُ وهـو مـثـقـلٌ *** بـغرمِه فعادَ وهوَ غانمُ

كم جاهلٍ لا يهتدي سـبـيـلـه *** أرشـدَه فـآبَ وهو عالمُ

وقال أيضاً من قصيدة أخرى:

بدرُ الهدايةِ كيفَ اغتالكَ الـقدرُ أنّى وكيف اعتراكَ الخسفُ يا قمرُ

يا ظـاعـناً وجميلُ الصبـرِ يتبعُه *** الصبرُ بعدكَ لا عينٌ ولا أثرُ

أيامُنا فـيـكَ كـانتْ كـلـهـا غرراً *** بيضاً فها هيَ سودٌ كلها غبرُ

والعيشُ قد كانَ صفواً مـا به كدرُ *** فها هو اليوم رنقٌ كلهُ كدرُ

طيري شعاعاً نفوس الآملينَ فذا عودُ الرجاءِ ذوى ما فيهِ مُعتصرُ

وقال الشيخ محمد أمين شمس الدين من قصيدة:

أودى فأفئدةُ الخلائـقِ تـخفـقُ *** عـلمُ الهدى ودموعُها تترقرقُ

هـيَ ثـلـمة في الـديـنِ أيَّة ثلمةٍ *** جُبَّ السنامُ لها وجُذّ المرفقُ

فـلـيـبـكِهِ الـديـنُ الـقـويـمُ فـإنّـه *** قـد غابَ عنه محقِّقٌ ومُدقِّقُ

رزءٌ تجاوبـتِ البـلادُ لـه أسـى *** بـمـآتـمٍ فـيـها القلوبُ تُشقَّقُ

قد عادَ شملُ الحزنِ وهو مجمَّعٌ فيها وشملُ الصبرِ وهوَ مُفرَّقُ

وقال الشيخ توفيق البلاغي من قصيدة:

عزَّ والله يـا بـنـي الـزهـراءِ *** أن تـصابوا بسيِّدِ العلماءِ

إنَّ يـومـاً نـعـى النعاةُ جواداً *** هـوَ يومٌ كيومِ عاشوراءِ

سيِّدٌ كان وجهه البدرُ نوراً *أو كشمسِ النهارِ ذاتِ السناءِ

طودُ حلمٍ ما طاولته الرواسي قد سما رفعةً على الجوزاءِ

سيِّدٌ كـان صـدرُه بـحرَ علمٍ *** ويداهُ بالجودِ بحرُ عطاءِ

سيِّـدٌ كـان لـلأنـامِ غـيـاثـاً *** وأبـاً مُـشفقاً على الضعفاءِ

وقال الشيخ توفيق الصاوط من قصيدة:

جوىً لك ما بـيـنَ الـضـلـوعِ يزيدُ *** وحزنٌ على مرِّ الزمانِ جديدُ

فيا راحلاً والـديـنُ فـي طـيِّ بردِه * قضى عمرَه السبعينَ وهوَ حميدُ

نعاكَ إلـيـنا الـبـرقُ والبرقُ لو درى *** لـخالطه يومَ الرحيلِ رعودُ

نعى العلمَ والتقوى نعى الفضلَ والهدى نعى من لديهِ المشكلاتٌ تُبيدُ

فيا أيُّها الـنـاعـي لـقـد جـئـتَ بالتي *** تـكـادُ لـهـا شـمُّ الجبـالِ تميدُ

قالوا فيه

عُرف السيد جواد ــ إضافة إلى علميته ــ بخلقه الكريم ونفسه السمحة، قال عنه تلميذه السيد محسن الأمين في الأعيان: (كان عالماً فاضلاً تقياً نقياً حسن الأخلاق طيب النفس سليم الصدر شاعراً أديبا).

وقال عنه السيد حسن الصدر في تكملة أمل الآمل: (عالم فاضل، أديب شاعر، له نظم ونثر كثير). 

وقال عنه الشيخ محمد تقي الفقيه: (كان من أتقى أهل زمانه في بلادنا, وقد سمعت خلقاً كثيراً يشهد له بذلك منهم الشيخ الوالد).

مؤلفاته

ترك السيد جواد عدة مؤلفات فقهية وعقائدية منها:

1 ــ مفتاح الجنات في الحثّ على الصلوات

2 ــ شمس النهار في الردّ على المنار

3 ــ رسالة في جواز الجمع بين الفرائض بدون سفر ولا مطر

4 ــ رسالة في الأخلاق

5 ــ ديوان شعر أغلبه في أهل البيت (عليهم السلام)

شعره

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) ويذكر فيها الشهداء الأبطال من أنصاره:

متقلدينَ عَـزائماً *** أمضى من البيضِ الصفاحِ

وصلُ المنيَّةِ عندهم *** أحلى من الخودِ الرِّداحِ

يتدافعونَ إلى الوغى *** فـكـأنَّـهـمْ سيلُ البطاحِ

هـتـفـتْ مـنـيَّتهمْ بهم *** فـتـقدّموا نحوَ الصياحِ

وثووا على وجه الصعي‍‍ِدِ كأنَّهم جزرُ الأضاحي

قد غُسِّلوا بـدمِ الطلا *** بدلاً عن الماءِ القراحِ

أمستْ جسومهمُ لقىً * ورؤوسـهمْ فوقَ الرماحِ

لا تنشِئي يا سحبُ غي‍           ‍ثاً * تـرتوي منه النواحي

ومنها:

ساموهُ إمَّا الموتَ تح‍‍ت البيضِ أو خفضَ الجناحِ

عدمتْ أميةُ رشدَها *** وتـنـكـبـتْ نـهـجَ الفلاحِ

فمتى درتْ أن الحسي‍‍نَ *** تـقودُه سلسَ الجماحِ

وقال من حسينية أخرى يفتتحها بهول الفاجعة التي جرت في كربلاء:

أيدري الدهـرُ أيَّ دمٍ أصــابـا ؟ *** وأيَّ فــؤادِ مــولــعـةٍ أذابـا ؟

فهلّا قُـطّـعَـتْ أيـدي الأعــادي *** فـكـمْ أردتْ لـفـاطـمـةٍ شـبـابـا

وكم خـدرٍ لــفــاطــمـةٍ مصونٍ *** أبـاحـتـه وكـمْ هـتـكـتْ حِجابا

وكـمْ رزءٍ تـهــونُ لـه الـرزايـا *** ألـمَّ فـالـبسَ الـدنـيــا مُـصـابـا

وهيَّجَ في الـحـشـى مـكنونَ وجدٍ *** له الـعبراتُ تنسكبُ انسكابا

وأرسلَ من أكـفِّ الـبـغـيِّ سـهماً *** أصابَ من الهدايةِ ما أصابا

أصابَ حشى البتولِ فلهفَ نفسي *** لـظـامٍ لـم يـذقْ يـوماً شرابا

قضى فالـشـمـسُ كـاسفةٌ علـيهِ *** وبـدرُ الـتـمِّ فـي مـثــواهُ غـابا

وكـمْ مـن مـوقـفٍ جـمِّ الـرزايا *** لـو أنَّ الـطـفـلَ شـاهـدهُ لشابا

به وقفَ الحسينُ ربيطَ جأشٍ وشوسُ الحربِ تضطربُ اضطرابا

يـصـولُ بـأسـمـرٍ لـدنٍ سـنـاهُ *** كـومـضِ الـبـرقِ يلتهبُ التهابا

وبـارقـه يـلـوحُ الـمـوتُ منها *** إذا مـا هـزَّهـا مـطـرتْ عـذابـا

وقال من قصيدة في حق سيدة الطالبيين العقيلة الحوراء زيب بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام) ويذكر مشهدها الشريف عند زيارته له في سوريا:

حرمٌ لـزيـنـبَ مـشرقُ الأعلام *** سـامٍ حـبــاهُ الله بـــالإعـظـامِ

حرمٌ عليه من الجلالِ مهابةٌ *** تدعُ الرؤوسَ مـواضـعَ الأقدامِ

في طـيِّـه سـرُّ الإلـهِ مُـحـجَّـبٌ *** عــن كــلِّ رائدةٍ من الأوهامِ

بادي السنا كالبدرِ في أفقِ السما *** مُـتجلّياً يزهو بأرضِ الشامِ

فـإذا حللتَ بـذلـكَ الـنـادي فـقـمْ *** للهِ مُـبـتـهـلاً بـخــيــرِ مـقـامِ

في روضةٍ ضُربتْ عليها قبَّةٌ *** كـبرتْ عـن الـتشبيهِ بالأعلامِ

يحوي من الدرِّ الثمينِ جـمـانـة *** لـمّاعةٌ تُـعـزى لـخـيـرِ إمـامِ

صنوُ النبيِّ المصطفى ووصيِّه *** وأبـو الـهـداةِ الـقـادةِ الأعلامِ

أسنى السلامُ عليه ما هبّتْ صبا وشدا على الأغصانِ ورقُ حمامِ

وعلى بنيهِ الغرِّ أعلامِ الهدى *** ما أنهلَّ قطرٌ من متونِ غمامِ

وقال في أهل البيت (عليهم السلام):

آلُ الـنـبـيِّ مـحـمـدٍ *** سـفنُ النجاةِ الجارية

سكنَ الـذي والاهمُ *** غرفَ الجنانِ العالية

وهوى الذي عاداهمُ * وثوى بأقصى الهاوية

يُسقى الرحيقُ وليِّهم *** من ماءِ عينٍ جاريه

وعدوهمْ يُسقى الحميمُ *** ويكتوي بالحاميه

محمد طاهر الصفار

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً