116 ــ ابن المقرب العيّوني: (572 ــ 629 هـ / 1176 ــ 1231 م)

كربلاء الحسين

2020-06-23

173 زيارة

قال من قصيدة في رثاء أهل البيت (عليهم السلام) تبلغ (87) بيتاً:

أم للذي أودتْ به جُـعـدتُهم *** يـومـئـذٍ بـكـأسِ سُـمٍّ مـنـقعِ

وإن حزني كقتيلِ (كربلا) *** ليس على طولِ البلى بمقلعِ

اذا ذكـرتُ يـومَه تـحدّرتْ *** مـدامـعـي لأربـعٍ فـي أربعِ

الشاعر:

جمال الدين أبو عبد الله علي بن المقرَّب بن منصور بن المقرَّب بن الحسن بن عزيز بن ضبار بن عبد الله بن محمد بن علي بن إبراهيم الربعي العيوني، شاعر الدولة العيونية، ولسانها، ومدوّن مآثرها، وموثق أمجادها، ومفخرة من مفاخرها، ولد في البحرين وينتهي نسبه إلى الأمير علي بن إبراهيم العيوني الذي أزال دولة القرامطة من البحرين وأسس الدولة العيونية.

ومثلما وجدت هذه الأسرة من صنع لها أمجادها وبوّأها صدارة الحكم وهو الأمير علي بن إبراهيم، فقد وجدت من خلد لها هذه الأمجاد والبطولات في علي آخر وهو الشاعر علي بن المقرب الذي تعد قصائده وثائق تاريخية مهمة، بل المصدر الرئيسي للباحث والدارس عن تاريخ هذه الدولة الشيعية الإثني عشرية.

وقبل الخوض في الجانب الأدبي لحياة الشاعر لا بد من استعراض الجانب الاجتماعي فحياته في هذا الجانب مليئة بالأحداث وهي تعطي انطباعا عنه شخصيته ونفسيته وتأثيرها على أدبه.

شاعر وقضيّة

في النصف الثاني من القرن السادس الهجري, كانت الخلافة العباسية في بغداد تعيش مرحلة الاحتضار بعد أن تقاسمتها الحركات الانفصالية التي كانت تنتزع منها أجزاءً كبيرة من الأمصار لتلفظ بعد ذلك الخلافة فيها أنفاسها الأخيرة وإلى الأبد, ففقدت سلطانها على أطراف المملكة الكبيرة العريضة التي كانت في يوم من الأيام تحتل جزءاً كبيراً من هذا العالم، فقد صار هذا العملاق أشلاءً ممزقة وفي كل صقع من أصقاعه قام مغامر ليعلن استقلاله, ويذيع انفصاله. فيما كانت بغداد اللاهثة المتعبة المحطّمة, تنظر بحسرة إلى أشلائها الموزّعة نظرة يائسة.

لقد أصبح الخليفة لا يملك السيطرة حتى على حاشيته، بل إن الخلافة أصبحت اسماً فقط وليس للخليفة منها سوى هذا (الاسم) وقد أحاطتها دول انتزعت منها قهراً، فقامت الدولة الإدريسية على يد العلويين في المغرب، والدولة الصفّارية في فارس، ثم السامانية التي أزاحتها عن تخومها واستولت على فارس وما وراء النهر, وظهرت الدولة الزيارية في جرجان، والحمدانية في حلب والموصل, والفاطمية في مصر, ثم كانت الغزنوية، والسبكتكينية، والخلفية في سجستان.

ولعل أهم هذه الدول هي البويهية التي حلّت محل الخلافة نفسها في بغداد، فقد ضمّت العراق إلى نفوذها فضلاً عن فارس وبسطت سلطانها على قصر الخليفة ثم حلت محلها الدولة السلجوقية.

وظهرت في نفس الوقت دولة القرامطة التي أزالها الأمير عبد الله بن علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد العبدي الربعي العيوني، الذي انتزع الأحساء من حكم القرامطة، فحكم الإحساء والقطيف والبحرين مؤسِّساً الإمارة العيونية التي حكمت البحرين لمدة (167) عاماً. امتدت من العام (466 هـ إلى عام 636 هـ)، وهذا الأمير يرجع نسبه إلى العيونيين من بني عبد القيس، الذين حكموا الإحساء في تلك الفترة، وجاءت تسميتهم بالعيونيين نسبة إلى مدينة (العيون) التي نشأوا بها وهي شمال الإحساء. وظهر من هذه الأسرة الشاعر علي بن المقرب شاعر الدولة العيونية الفذ.

وقد حكم بعد الأمير عبد الله أولاده وأحفاده، لكن فترة حكمهم كانت مصبوغة بالدماء مشحونة بالفتن والنزاعات والانقلابات والأحداث، وانقسمت الدولة إلى قسمي القطيف والإحساء حتى آل الحكم إلى أبي المنصور علي بن عبد الله بن علي الذي عاش في عصره ابن المقرب، وكان حاكماً على الإحساء، لكن ابن المقرب كان يميل إلى حاكم القطيف الأمير محمد بن أحمد بن أبي الحسين فدفع ضريبة هذا التوجه السياسي وكانت ضريبة فادحة كلفته كثيراً .. 

رحلة الألم

رافق ابن المقرب الشعر منذ صباه، فلهج به لسانه وهو في العاشرة من عمره، وقد سخّر شعره للوحدة ورصّ الصفوف ونبذ النزاع، فقد شهد منذ طفولته الصراع العنيف على السلطة بين أبناء قومه فكان يدعوهم إلى الوحدة ولم الشمل.

وفي هذه الحقبة نشأ ابن المقرب على حياة الفروسية والعزة والإباء، وتنسم من شمم الصحراء العربية آفاق الحرية والكرامة فلم يرق له أن يتطامن لحياة الذل والتبعية، وأبت له نفسه الحرّة الأبية أن يخضع لابن عمه الحاكم الذي وجد في روح الشاعر ما أثار حفيظته وجعله يتوجّس خيفة منه وزاد من النفرة بينهما أقاويل الوشاة من حاشية أبي المنصور الذين بذروا روح الحقد والضغينة في قلبه على ابن عمه ابن المقرب وحرّضوه على قتله، لكن الحاكم كان يخفي لابن المقرب ما هو أشد عليه من القتل، فصادر حريته بإلقائه في السجن وأوغل في أذاه وإذلاله والتصغير من شأنه، ولم يطلق سراحه حتى أحسّ بأنه قد شفي صدره منه وروى غليله به، ونجد أثر ذلك في شعره:

ولم يكـفهم قيدٌ ثقيل وخشبة *** برجليَ في دهماء تنسي المصائبا

ولما خرج ابن المقرب من السجن كان قد أصبح فقيراً معدماً، إذ صادر الحاكم أمواله وبساتينه وممتلكاته وكل ما يملك ولم يُبقِ له شيئا:

وقد كنتُ ذا مالٍ حلالٍ وثروةٍ  *** يُضاعَف إكرامي وتُرجى مكارمي

فأعراني الوالي المشوم وفاتني *** بما حزتـــــــــه من ضيعةٍ ودراهمِ

فمالَ على مالي وحالي وثروتي *** وجاهي وأصغـى لاختلاقِ النمائمِ

لكن الأنكى من كل ذلك أنه وجد أصدقاءه قد تخلوا عنه وكأنهم لم يعرفوه يوماً فضاقت عليه الأرض بما رحبت.

أيجمل أن أجفى وأنفى وعندكم *** لمن ليس مثلي عيشةٌ ومقامُ

ويقبلُ قولَ الخـصمِ فيَّ تحامـلاً *** وأسهر خــــوفاً منكم ويُنـامُ

وتقطع أرحـامي وتُلغى مودتي *** ويقعد بــــي ما بينكم ويقـامُ

وتذنب أقــــوام فتعزى ذنوبُهـا *** إليّ وأُلحــــــى عندكم وألامُ

ورغم كل هذه النكبات والمآسي المريرة، إلا أنه لم ييأس فقد كان يحمل عزماً لا يلين وإصراراً لا ينثني في مواجهة الحوادث والآلام:

أتدري الليالي أيَّ خصمٍ تشاغبُه *** وأيِّ همامٍ بالرزايا تواثبُه

تجاهلَ هذا الدهـــرُ بي فكتّبت *** عليَّ بأنـــواعِ البلايا كتائبُه

وظنّ محالاً أن أدينَ لحكمِهِ *** لتبكِ على عقلِ المعنّى نوادبُه

وفي هذه الأبيات يوجّه رسالة لابن عمه الحاكم بأن روح الشاعر الحر لا يمكن أن تخضع للظالم المستبد فهاجر في أرض الله الواسعة وهو يأمل تفريجاً لكربه وما ألم به:

في كل أرض إذا يممتها وطن *** ما بين حرٍّ وبين الدارِ من نسبِ

إذا الديارُ تغشـــاكَ الهوانُ بها *** فخلها لضعيـــفِ العزمِ واغتربِ

رحل إلى بغداد والموصل ومناطق البحرين والقطيف وغيرها من أنحاء الجزيرة, غير أنه لم يجنِ من أسفاره إلا التعب والضنك .. لكنه لم ييأس:

إلى مَ انتظاري أنجمَ النحس والسعد *** وحتى م صمتي لا أُعيد ولا أُبدي

لقد ملّ جنــبي مضجعي من إقامتي *** وملّ حسامي من مــــجاورةِ الغمدِ

وأقبل بالتصــــهالِ مهري يقول لي *** أأبقى كذا لا في طــــرادٍ ولا طردِ

أجدّكما لا أبـــــــرح الدهر تابعاً *** وعندي من العزم الهــماميّ ما عندي

أمثلي مَن يُعطي مقاليـــــد أمره *** ويرضى بأن يُجدى علـــيه ولا يُجدي

إذاً لم تلدني حـــــــاصنٌ وائليّة *** مقابلة الآبــــــــــــــــــــاءِ منجبة الولدِ

ورغم ما تعرّض له من الأذى في دياره إلا أن نفسه كانت تتوق إليها، ويشدّه الحنين إلى قومه، باستذكار مآثرهم فهو بدوي أصيل البداوة, شديد التعلق بالقبيلة, تعطيه أذاها فيمنحها وداده, وتخرجه من دياره فيشيد بمآثرها ويتغنى بأمجادها:

خفافٌ إلى داعي الوغى, غير أنهم *** ثقالٌ إذا خفّت مصـاعيبها الهلبُ

إذا الجارُ أمسى نهـــــبة عند جاره *** فأموالهم للجارِ ما بينهم نـــــهبُ

وأيامهم يومان, يوم لنـــــائلٍ *** يقول ذووا الحاجاتِ من فيـضة حسبُ

ويوم, تقول الخيل والبيض والقنا ** بـه والعدا: قطنا, فلا كانت الحربُ

أُولئك قومي حين أدعو, وأُســرتي *** وتنجبني منهم شـــــرامخة غلبُ

كان يحاول أن يلفت انتباههم إلى ما هم عليه من الحال وقد دانوا للسلطان الجائر فيرى بنفسه الأبية أن قومه قد ناموا على الذل, وخضعوا لبطش الحاكم الطاغي, فتأتي أبياته كناقوس ينذرهم بالخطر ويوقظهم من سباتهم العميق:

يا ساكني الخط والجرعاءِ من هجرٍ *** هلِ انتظاركمُ شيئاً سوى العطبِ ؟

بححتُ ممّا أُنــــــــــــاديكمْ وأندبكمْ *** لخيرِ منقــــــــــلبٍ عن شرِّ منقلبِ

فسكِّتــــــــــــوني بقول لا تفونَ به *** قد صرتُ أرضى بوعدٍ منكمُ كذِبِ

ولكنه لم يجد آذانا صاغية ولا مغيثاً لندائه فهو كالمستجير من الرمضاء بالنار، فنفسه لا تطاوعه على حياة الذل في ظل حاكم ظالم، وفي نفس الوقت لا يجد من يناصره على إزالة هذا الحاكم بالثورة عليه فينفّس عن نفسه بهذه الأنة الثائرة.

وتطول آلامه وتتضاءل آماله وهو بعيد عن دياره وقومه وقد أنهكته الغربة وأضناه البعد فيشاطر الحمام أحزانه وأشجانه:

صبا شوقاً, فحنّ إلى الديارِ *** ونازعه الهوى ثوبَ الوقارِ

رويداً يا حمام بمستـــــهامٍ *** مشوق مَتّهُ طـــــــولَ السفارِ

وأنتنَّ النواعـــــمُ بين بانٍ *** وخيـــــــــرٍ إذ يزفَّ, وجلّنارِ

فلا والله ما وجدٌ كوجدي * ولا عُرِفَ اصطبارٌ كاصطباري

فرحة لم تتم

وصلت أخبار ابن المقرب إلى ابن عمه فأشفق قلبه وقرر إرجاع أملاكه وأمواله إليه، وعندما سمع ابن المقرب بذلك فرح وأعد العدة للعودة إلى دياره بعد غربة طويلة ومريرة، ولكنه فوجئ أن الحاكم قد عدل عن رأيه وأخلف بقوله فخاف على نفسه أن تكون هذه مؤامرة وخدعة تُحاك له فغادر الإحساء إلى القطيف، فأقام في قرية تسمى طيوي في عمان حتى وفاته بها.

غبن حتى بعد الموت

هذه الأحداث التراجيدية الحزينة التي أثارت الكتّاب والمؤرّخين، فتناولوها كل حسب مدى شعوره نحوها بين مُطيل ومُوجِز، وبين متعاطف ومتكلّف، رافقت حياة ابن المقرب طوال حياته حتى وِسمت سيرته بطابع الحزن والمظلومية والغبن وقد كثف الكتاب على هذا الجانب، ولم يلتفتوا إلى ما هو أكبر من هذا الغبن الذي لحق بسيرة ابن المقرب والذي لحقها بعد وفاته

لقد سلبه السلطان حريته وأمواله وكل ما يملك، وحتى وطنه لم يكن يستطيع الاقامة فيه بأمان فتغرب في البلاد، ثم يأتي دور التعصّب الأعمى ليحاول مصادرة عقيدته الشيعية الصريحة وهويته الولائية لأهل البيت (عليهم السلام) بحذف كل شعر له في حقهم والذي يثبت تشيُّعه، ولكن رغم هذه المحاولة فقد بقي من شعره ما يشير وبقوة إلى عقيدته ومذهبه.

دلت المصادر إلى أنه كان من شعراء الشيعة المكثرين في مدائحهم ومراثيهم ولكن لا يوجد في ديوانه المطبوع من القصائد في حقهم سوى قصيدته العينية التي تبلغ (87) بيتاً، وهي قصيدة ذات نفس شيعي صريح، فأين ذهبت بقية القصائد ؟

يقول السيد محسن الأمين: (له ديوان شعر مطبوع حذف منه طابعوه مدائحه ومراثيه في أهل البيت عليهم السلام) (1) ورغم محاولتهم طمس هذا الشعر إلا أنهم فضحوا أنفسهم بأنفسهم بخيانتهم الأدبية فقد ذكروا أن له قصيدة في أهل البيت همزية ذكروا مطلعها فقط وقالوا إن هذا ليس محلها !!  وقد ذكر ذلك الشيخ الكرباسي وعلق عليه فقال ما نصّه: (ورد في ديوان ابن المقرب المطبوع بالإحساء والمصور عنه في القاهرة: وله على قافية الهمزة في أهل البيت (رضوان الله عليهم) عذرية مطلعها ... ولكن ليس هذا محلها)!!

ثم يعلق الكرباسي على ذلك بالقول: (ولا يخفى أنها لم تثبت في موضع آخر من الديوان, ولا ندري إذا كان الديوان المحل غير المناسب لها فأين هو المحل المناسب لها ؟) (2)

ويذكر الكرباسي هذا المطلع للقصيدة الضائعة وهو:

هذا الغميمُ فنادِ في صحرائهِ *** وقفَ الركابُ هنيئة بفنائِهِ

ثم يقول في الهامش ولم يذكرها ــ أي شارح الديوان ــ في موضع آخر من الديوان (3)

ولم يقتصر ضياع شعر ابن المقرب على هذه القصيدة فقط حيث يذكر الكرباسي دليلاً آخر على ذلك فيقول: (وقد ذكر البلادي (علي بن حسن البحراني) في ترجمته ــ أي ابن المقرب ــ لدى الحديث عن شعره قائلا: (وقد وقفت له على مراثي كثيرة على الحسين (عليه السلام) سبط المصطفى) (4)

ويعقب الكرباسي على كلام البلادي بالقول: (وذكر أبيات أربعة من ميميته ولم نر هذه الكثرة التي ذكرها لا في ديوانه ولا في ترجمته .. ورغم ما بذلناه من الجهود من الاتصال بطرقنا في المنطقة الشرقية وغيرها للبحث عن المخطوطات فلم نحصل من شعره الحسيني غير ما أوردناه في هذا الديوان حتى القصيدة الرباعية التي أشار إليها البلادي لم نوفق في العثور عليها وما أثبتناه في الديوان ناقص إلا العينية) (5)

أما ما بقي من شعره سوى العينية فهو أبيات معدودة منها قوله وهو يفخر بتشيّعه ويصف مشهدي الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسين (عليهما السلام) فيقول:

منّا الذي ضُربتْ حمرُ القبابِ له *** بالمشهدينِ وأعطى الأمنَ وانتقما

أما الأبيات الأربعة التي ذكرها البلادي من قصيدة فهي أول بيت منها وآخر ثلاثة أبيات وهي:

من أي خطبٍ فادحٍ نتألمُ *** ولأيِّ مرزيةٍ ننوحُ ونلطمُ

وآخرها

قمنا بسنتكم وحـطـنا ديـنـكـم *** بالسيـفِ لا نـألوا ولا نتبرمُ

وعلى المنابرِ صرّحتْ خطباؤنا جهراً بكـمْ وأنوفُ قومٍ ترغمُ

لا تسلموني يـوم لا متأخِّرُ *** لي عن جـزا عملي ولا متقدمُ

ويتضح جلياً أن هذه الأبيات هي من ضمن قصيدة طويلة لم تستطع القلوب الحاقدة تحملها مع غيرها من القصائد الطوال التي امتاز بها ابن المقرب في حسينياته.

يقول الشيخ الكرباسي: (إن هذا الديوان قد احتوى على قصيدة واحدة من القصائد الطوال وهي القصيدة العينية لابن المقرب والتي تبلغ سبعة وثمانين بيتاً وتعد من القصائد المميزة ومن الجدير ذكره بأن غالبية قصائد ابن المقرب من الطوال وهو الوحيد الذي التزم ذلك في هذا القرن من بينهم وبالأخص الحسينيين منهم ولا يخفى أن الكثير من مراثيه في السبط الشهيد قد أصبحت أثراً بعد عين) (6)

والحمد لله الذي شاء أن تبقى هذه القصيدة التي حفظتها المصادر قبل أن تنالها يد الاغتيال وتمحو أثر تشيّعه وتصادر عقيدته، لقد شاء الله أن يشرق وجه ابن المقرب بتشيّعه في سجل التاريخ ويفصح عن ولائه وحبه لأهل البيت بهذه القصيدة وقد ذكر هذه القصيدة السيد محسن الامين (7) ورواها عن كتاب (مطلع البدور ومجمع البحور) لصفي الدين احمد بن صالح بن أبي الرجال، وسنذكرها هنا بتمامها كونها القصيدة الوحيدة التي بقيت له.

قالوا عنه

قال عنه الحافظ المنذري: (قدم بغداد وحدث بها شيئاً من شعره، كتب عنه غير واحد من الفضلاء ودخل الموصل أيضاً ومدح ملكها وأقبل عليه أهل البلد أيضاً وكان شاعراً مجيداً مليح الشعر) (8)

وقال الشيخ علي البلادي البحراني وهو يذكر ما ضيِّع من شعره: (كان أديباً فاضلاً ذكياً أبيّاً شاعراً مصقعاً من شعراء أهل البيت ومادحيهم المتجاهرين بحبهم ذا النفس الأبية والأخلاق المرضية والشيم الرضية، وقد كشف جامع ديوانه وشارحه كثيراً من أحواله بتفصيله واجماله وهو مطبوع وإن كان الظاهر أنه من المخالفين له في المذهب والمشاركين له في الأدب ولهذا حذف من أشعاره المراثي والمدائح وجرّد منها ما هو الأولى بالذكر والصالح ويحتمل التقية في حقه وقد وقعتُ له على مراثٍ كثيرة في الحسين (عليه السلام) منها المرثية في نظم مقتل الحسين ومنها قصائد من جملتها القصيدة المشهورة ....) (9)

وقال أيضاً: (ومن أدبائها البلغاء وأمرائها النبلاء الأمير الأريب الأديب المهذب علي بن مقرب الأحسائي ينتهي نسبه إلى عبد الله بن علي بن إبراهيم العيوني الذي أزال دولة القرامطة من ربيعة) (10)

وقال الحر العاملي: (الأمير الكبير علي بن مقرب، عالم فاضل جليل القدر شاعر أديب، له ديوان شعر كبير حسن) (11)

وكتب عنه الدكتور مصطفى جواد مقالاً تحت عنوان: شعراء منسيون من محبي آل البيت عليهم ‌السلام قال فيه:

(كمال الدين علي بن مقرب العيوني من قرية العيون بالبحرين وبها ولد سنة ٥٧٢ ولكنه طوّف في بلاد العرب ووصف شعره بـ المفعم كياسة وحماسة). (12)

شعره

يقول ابن المقرب عينيته في أهل البيت (عليهم السلام):

يا واقـفـاً بدمـنـةٍ ومـربــعِ *** إبـكِ عـلــى آلِ الـنـــبـيِّ أو دَعِ

يـكـفيك ما عانيتَ من مصابِهم *** مـن أن تُـبـكّـي طللاً بلعْلَعِ

تُحبّـــــهم قــلـتَ وتـبـكـي غيرَهم *** إنـك فـيـــــمـا قُلتَه لمدّعِ

أما علمت أن إفراط الأسى *** عـلـيـهـمُ عـلامـــــــةُ الـتـشـيُّعِ

أقوَتْ مغانيـهم فهنّ بالبُكا *** أحقّ من وادي الغضا والأجرعِ

يا ليت شعـري من أنوح منهم *** ومَن له يَنـهلُّ فيضُ أدمعي

أللوصيِّ حـينَ في محـرابه *** عُمّمَ بالسيف ولمّـــــــــا يَركعِ

أم للبتول فاطـمٍ إذ مُنعت *** عن إرثها الحـــــــق بأمرٍ مُجْمَعِ

وقولُ مَن قـال لـها يا هذه *** لقد طلــــــــبتِ باطلا فارتدعي

أبوكِ قد قال بأعـلى صوته *** مصرّحاً في مجمـــــعٍ فمجمعِ

نحنُ جميعُ الأنبيــــاءِ لا نرى *** أبناءنا لإرثــــنا من موضِعِ

وما تركناه يكـون مغنماً *** فارضيْ بما قالَ أبــوكِ واسمعي

قالت فهاتوا نحلتي من والدي *** خيرِ الأنــامِ الشافـعِ المشفّعِ

قالوا فهل عندكِ مـن بيّنةٍ *** نسمعُ معناها جمــــــــيعاً ونعي

فقالت إبنايَ وبعلي حيـدرٌ *** أبوهما أبصــــــــــرْ به وأسمِعِ

فأبطلوا إشهــــادَهم ولم يـــكن *** نصُّ الكتـابِ عندهمْ بمُقنعِ

ولم تزل مهـضومةً مظلومةً *** بِرَدِّ دعـواها ورَضِّ الأضلعِ

وأُلحِـدت في ليلِها لغيضِها *** عليهم سرّاً بأخفـــــــى موضعِ

أم للذي أودت بــــــه جُعـدتهم *** يــــــــومئذٍ بكأسٍ سُمٍّ منقعِ

وإنّ حُزني لقتيلِ (كربلا) *** ليسَ على طـــــولِ البلى بمقلعِ

إذا ذكـرتُ يومه تـحدّرَت *** مدامـــــــــــعي لأربعٍ في أربعِ

يا راكباً نحو العراقِ جرشعاً *** يُنمى لعبديّ النجــارِ جرشعِ

إذا بلغتَ نـينوى فقف بها *** وقوفَ محــــزونِ الفؤادِ مُوجعِ

والبس إذا اسطعتَ بها ثوبَ الأسى* وكلّ ثوبٍ للعزاءِ المُفجعِ

فإن فيها للهدى مصارعاً *** رائعةً بمثـــــــــــــــلها لم يُسمعُ

فاسفح بها دمعَكَ لا مستبقياً *** في غَربِهِ ونُحْ دوامـاً واجزعِ

فكلّ دمعٍ ضائعٌ منكَ على ***غيرِ غريبِ المصطفى المضيَّعِ

للهِ يوماً بالطفـوفِ لم يدع *** لمسلمٍ في العيشِ من مُـــستمتعِ

يومٌ به اعتلتْ مصابيحُ الدجى ** بـعارضٍ من الضلالِ مُفزعِ

يومٌ به لم يبقَ من دعـامةٍ *** تَشدّ ركنَ الديـــــنِ لم تُضَعْضَعِ

يومٌ به لم تبـقَ من داعيةٍ *** تدعو إلى الشيطانِ لم تُبتــــــدعِ

يومٌ به لم يبق من غــمـــامـةٍ *** تحيي ثـرى الإسلامِ لم تُشيّعِ

يومٌ به لم تبـق قطٌ رايةً *** تهدي إلى ضــــــــــــلالةٍ لم تُرفعِ

يومٌ به لم يبق قطّ مــــــــــارنٌ *** ومعطـــسٌ للحقِّ لم يَنجدعِ

يومٌ به لم تبقّ من وسيـــلةٍ *** حقاً لآلِ المصطـــــفى لم تُقطعِ

يومٌ به الكلبُ الدريــعُ يَعتدي *** على هِزبــــرِ الغابةِ المُدرّعِ

يومٌ بهِ غُودرَ سبطُ المـصـطفى *** للعاسـلاتِ والسباعِ الخُمَّعِ

لهفى له يدعو الطـعانَ مُعلناً *** دعاءَ مأمونِ الفــــرارِ أروعِ

يقولُ يا شرَّ الأنامِ أنتـــمُ *** أكفرُ من عـــــــــــــــادٍ وقومِ تُبّعِ

كاتبتموني بالمسيـرِ نــــحوكمْ *** وقلتمُ خُـذ في المسيرِ أوْ دَعِ

فنحن طوعٌ لك لم ننـسَ الذي *** لكم من العهدِ ولــــــم نُضيِّعِ

حتى إذا جئتُ لمَا يُصلـحكمْ *** من إرثِ جـدّي وذراريهِ معي

لقيتموني بسيوفٍ في الوغى *** منتضياتٍ ورمــــــــاحٍ شُرّع

هل كان هذا في سجــــلاتكمْ *** يا شرَّ مـرأى للورى ومسمعِ

هل لكم في أن تفــوا ببيعتي *** أن تسمحوا لي عنـكمُ بمرجعِ

قالوا له هيهــــــات ذاك إنه *** مالك في ســــلامةٍ من مطمعِ

بايع يزيداً أو ترى ســيوفَنا *** هامَـــــــــــكُم يقعنَ كلَّ مـوقعِ

فعندها جــرّد سيفاً لم يضعْ *** نجادَه منه بأيِّ مـــــــــــوضعِ

وعاث في أبطالِهم حتى اتّقى *** من بــــأسِهِ الحـاسرُ بالمقنّعِ

وحوله من صحبـِهِ كل فتى *** حامي الذمارِ بطـــــلٍ سَميدعِ

كم غادرٍ غـادره مـجدّلاً *** والخيلُ تَردى والكماةُ تَدّعــــــي

حتى رماهُ الرجسُ شُلّت يَدُه * عن بارعِ الرميةِ صُلبِ المنزعِ

فخرَّ والهفا له كأنما *** عليهِ ردعٌ أو خَـــــــــــــــــلوقٌ أودَعِ

من بعدِ أن لـــم يبقَ من أنصارِهِ *** غيرُ طعـامِ أنسُرٍ وأضبعِ

ثَمَّتَ مــــالوا للخيـام مَيلةً *** قـــــــــالتْ لركنِ الدينِ إيهاً فَقِعِ

ضـرباً ونهباً وانتهاكَ حـرمةٍ *** وذبحُ أطفالٍ وســــلبُ أذرعِ

لقد رأوا في الفكرِ تعساً لهم *** رأي قُــــــــدارٍ رأيهم فيصدعِ

وأين عَقرُ ناقةٍ مما جَـنوا *** يا للرجالِ للفعالِ الأشــــــــــــنعِ

ما مثلها في الدهرِ من عـــظيـمةٍ *** لقد تعـدّتْ كل أمرٍ مفظعِ

تسبى ذراري المصطفى محمدٍ *** رضاً لشانيهِ الزنيمِ الأوكعِ

يا لهف نفسي للحـسينِ بالعرا *** وقد أقيــــــــــمَ أهله بجعجعِ

لهفي لمولايَ الشهيـدِ ظامــئاً *** يُذادُ عن ماءِ الفراتِ المُترعِ

لم يسمحِ القومُ لهُ بشــــــربةٍ *** حــــــــتى قضى بغلّةٍ لم تنقعِ

لهفي له والشمرُ فوقَ صدرِهِ *** لحَيَنِ أوداجٍ وهشـــــمِ أضلعِ

لهفي له ورأسُــــهُ في ذابـــلٍ *** كـــالبدرِ يَزهو في أتمِّ مطلعِ

لهفي لثغرِ السبطِ إذ يـقرعُـه *** مَن سيودُّ أنّه لـــــــــــمْ يَقرعِ

يا لهفَ نفسي لبناتِ أحـمدٍ *** بين عطـــــاشٍ في الفلا وجُوّعِ

يُسقنَ في ذلِّ السبـا حواسِـراً *** إلى الشآمِ فوق حَسـرى ضُلّعِ

يقدمهنّ الرأسُ فــــي قنـاتِهِ *** هديّةً إلى الـــــدعيِّ ابن الدعي

يندبنَ يا جـداهُ لو رأيتنا *** نُسلَبُ كل مِعجــــــــــــــــرٍ وبُرقعِ

نُهدى الى الطاغـي يـــزيدَ لُعَناً *** شعثاً بأسوا حـــــالةٍ وأبدعِ

يَحدو بنا حـــادٍ عنـــيفٌ سيـرُه *** لو قيلَ إربعْ ساعةً لم يَربعِ

يتعِبُنا السيرُ فيســــــــــــــتحثّنا *** إذا تخلّفنا بضـــربٍ مُوجعِ

ولو ترى السجــادَ في كبولِهِ *** يُضربُ ضـربَ النعمِ المسلّعِ

يعززْ عليكَ جدّنا مقامُــنا *** ومصرعٌ في الطفِّ أيُّ مصرعِ

استأصلوا رجالنا وما اكـتفوا *** بسبي نسوانٍ وذبــــحُ رُضَعِ

ثم يَصحن يا حسينـــــــــاهُ أما *** بعد فراقِ اليـــومِ من تجمّعِ

خلفتنا بعدكَ وقفاً مُحـــجَـراً *** على الحنيـنِ والنوى والجَزَعِ

واعجباً للأرضِ كيف لم تَسِخْ *** وللسماءِ كيفَ لم تَــــزعزَعِ

فلعنةُ الرحمنِ تغشى عصـبةً *** غزتهمُ وعصـــــــبةً لم تَدفعِ

يا آلَ طه أنتمُ وسيــــــــــلتي *** عنــــــدَ الإلهِ وإليكمْ مفزعي

واليتكمْ كيما أكونَ عندكــــــمْ *** تحتَ لواءِ الأمنِ يـومَ الفَزَعِ

وإن منعتمْ مَن يوالي غيركمْ *** إن يرِدَ الحـوضَ غداً لم أُمنَعِ

إليكمُ نفثةُ مصـدورٍ أتتْ *** من مصقعٍ نُدبٍ وأيُّ مِـــــــصقعِ

مقربيٌّ عــــربيٌ طبعُه *** ونجرُه ، وليـــــــــــــــس بالمذرّعِ

يُنمى الى البيت العيونيّ إلى *** أجلِّ بيــــتٍ في العلى وأرفعِ

عليكمُ صلى الإلـــــهُ وسقى *** أجداثكم بكلِّ غيــــــثٍ مُمرعِ

محمد طاهر الصفار

..............................................................

الهوامش

1 ــ أعيان الشيعة ج 8 ص 347 ترجمة ابن المقرب

2 ــ دائرة المعارف الحسينية / ديوان القرن السابع ص 36

3 ــ نفس المصدر ص 52 ويشير إلى وجوده في ص 25 من ديوان ابن المقرب

4 ــ أنوار البدرين ص 317

5 ــ دائرة المعارف الحسينية / ديوان القرن السابع  ص 231

6 ــ نفس المصدر والصفحة

7 ــ أعيان الشيعة  ج 41

8 ــ التكملة لوفيات النقلة , في ذكر وفيات سنة 629 هـ

9 ــ أنوار البدرين ومطلع النيّرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين.

10 ــ الباب الثالث في ترجمة علماء هجر وهي الأحساء.

11 ــ أمل الآمل ص 185

12 ــ مجلة البلاغ الكاظمية العدد الثاني من السنة الاولى ص ١٥   

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً