90 ــ القاضي المهذب توفي: (561 هـ / 1166 م)

كربلاء الحسين

2020-05-06

287 زيارة

قال من قصيدة مطولة:

نزلوا على حكمِ السيوفِ وقد أبوا *** في اللهِ حكمَ بني أبي سفيانِ

وتـخيَّـروا عــزَّ الـممـاتِ وفــارقـوا *** فيـه حيـاةَ مــذلّةٍ وهــوانِ

يا لهفتي لمصرَّعينَ قبـورهـمْ ***  في (كربلاء) حواصلُ العقبانِ

الشاعر

أبو محمد الحسن بن علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن الزبير الغساني الأسواني المصري الملقب بالقاضي المُهذَّب, شاعر وكاتب ولد في أسوان بمصر وينتمي إلى غسان، وهو أخو القاضي الرشيد أبو الحسين أحمد.

ظهرت ميول ابن الزبير إلى الشعر منذ صغره فما كاد يبلغ مبلغ الشباب حتى اشتهر اسمه في أسوان شاعراً كبيراً قبل انتقاله إلى القاهرة وهناك وجد من يحتضن موهبته ويرعاها حيث التقى بالملك الصالح طلايع بن رزيك الذي كان يخوض حروباً مع الروم فمجد انتصاراته عليهم وأشاد بشجاعته وببطولاته وله قصائد كثيرة في مدحه.

غادر ابن الزبير القاهرة متوجّهاً إلى اليمن فالتحق بأخيه القاضي الرشيد الذي كان مبعوثاً من قبل الدولة الفاطمية قاضياً عليها، وهناك درس علم الأنساب وصار من علماء هذا العلم الكبار فألف كتاباً كبيراً في الأنساب (لم يصنف مثله) كما يقول الحموي، كما درس علوم القرآن وألف فيها، فكانت فترة إقامته في اليمن من أخصب فترات حياته العلمية وعندما رجع إلى القاهرة لم يطل به المقام أكثر من عدة أشهر حتى توفي فيها.

في أقلام الأعلام

 قال عنه ياقوت الحموي في معجم الأدباء: (كان كاتباً مليح الخط فصيحاً جيد العبارة، وكان أشعر من أخيه الرشيد، وكان قد اختص بالصالح بن رزيك وزير المصريين ...)

وقال العماد الأصبهاني: (محكم الشعر كالبناء المشيد، وهو أشعر من أخيه الرشيد وأعرف بصناعته وإحكام معانيه. توفي قبل أخيه بسنة، لم يكن في زمانه أشعر منه أحد وله شعر كثير ، ومحل في الفضل أثير).

وقد وصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء بالكاتب البليغ وقال عنه وعن أخيه الرشيد: (ولهما يد في النظم والنثر ورئاسة وحشمة، فالمهذب أشعرهما والرشيد أعلمهما) .

وقال السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة: (وكان قاضياً فاضلاً عالماً نسابة شاعراً أديباً استقضاه الملك الصالح طلائع بن رزيك وزير الفاطميين ...) ويقول عن تشيّعه: (يعلم تشيّعه مما يأتي في شعره ومن كونه من قضاة الخلفاء المصريين) ويؤكد الأمين بأنه: (كان إمامياً) فقال: (وكونه من قضاة الخلفاء المصريين لا يقتضي كونه إسماعيلياً).

مؤلفاته

طرق المهذب أبواب العلوم الأخرى إضافة إلى شاعريته الكبيرة التي تزعم بها عصره وله من المؤلفات إضافة إلى ديوان شعره الضخم:

1 ــ كتاب الأنساب: وهو أكثر من عشرين مجلداً، كل مجلد عشرون كراسة, قال عنه ياقوت الحموي في معجم الأدباء: (رأيت بعضه فوجدته مع تحققي بهذا العلم وبحثي عن كتبه لا مزيد عليه. وكان المهذب قد مضى رسولاً إلى اليمن عن بعض ملوك مصر واجتهد هناك في تحصيل كتب النسب وجمع منها ما لم يجتمع عند أحد يدل على جودة قريحة مؤلفه وكثرة اطلاعه)

2 ــ تفسيرٌ للقرآن: في خمسين مجلداً

3 ــ الجنان: ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ولم يتحدث عن موضوعه

شعره وديوانه

عرف ابن الزبير بقصائده المطولة التي تفوق المائة والمائتي بيت ومن أطول قصائده التي فاقت المائتي بيت النونية التي يقول فيها في رثاء سيد الشهداء الإمام الحسين (ع)

وهجرت قُوماً ما استجارَ سـواهمُ * قدماً قرى الضيفانِ بالذيفانِ

إلا الأولـــى نزلَ الحسينُ بدارهمْ * واختارَ أرضهمُ على البلدانِ

فجنوا علـــى الإسلامِ والإيـمانِ إذ * أجنوه مرَّ جناً من الـــمرَّانِ

جعلوا الجــــفانَ المترعاتِ لغيرِهِ * وقـروه ما سلِّوا من الأجفانِ

وسقوه إذ منعوا الشريعةَ بعدما *رفضوا الشريعةَ ماء كان يمانِ

حتى لقد وردَ الحِمـامَ على الـظما ** أكــرم به مـن واردٍ ظمآنِ

لا الـدينَ راعوه ولا فعلوا به ** ما يفعلُ الــــــجيرانُ بالجيرانِ

تاللهِ ما نقضوا هناكَ بقتلهِ الإيمانَ بل نقضوا عــــــــرى الإيمانِ

فثوى وآل المصطفى من حوله *** يكبون للجبهــــاتِ والأذقانِ

نزلوا على حكمِ السيوفِ وقد أبوا * في اللهِ حكمَ بني أبي سفيانِ

وتخيَّروا عزَّ المماتِ وفارقوا ***  فيه حيــــــــــاةَ مذلّةٍ وهوانِ

يا لهفتي لمصرعّــينَ قبورهمْ *** في كربلاء حواصــلَ العقبانِ

بُزّت سـوابغ عنهم وتمزَّقـت *** أشـــــلاؤهم بسواغـب الذؤبان

وأنيخَ في تلكَ القفارِ حمـامهمْ *** فأتيحَ لحـــــمَ الـليثِ للسرحانِ

إن لم تجنّ جسـومهمْ في تربِها *** فلأنّها اعـتاضتْ بخيرِ جنانِ

كم روح ثاوٍ منهمُ قد أصبحتْ *** تختـالُ في روحٍ وفي ريحانِ

ما ضرّهمْ والخلدُ من أوطانِهم ** أذ أزعجوا كرهاً عن الأوطانِ

ولقد دنا بهمُ التقى مـن ربِّهم *** ونأت رؤوســــــهمُ عن الأبدانِ

وأتى إليهم قومُهم ما لم يكن *** يأتيـــــــــه أهلُ الكفرِ والطغيانِ

لم يتركوا لهمُ قتيلاً واحداً *** إلّا لــــــــــــــه رأسٌ برأسِ سِنانِ

حتى غدت لمسامعِ الأطفالِ فوقَ السمرِ أخــراصٌ من الخرصانِ

عجباً لهم نقلوا رؤوسهمُ وقد *** نقلوا فضــــــــائلهمْ عن القرآنِ

وتفرَّقوا في بغــضهمْ فرقاً وهم * يروون معجـــزهمْ عن الفرقانِ

الجاهلية قبلهـم لم يغـدروا *** بهمُ وكانـوا عابـــــــــــــدي أوثانِ

أيخافُ آلُ مـحمدٍ في أمـــةٍ *** شهـــــــدتْ له بالصدقِ والبرهانِ

ومحمدٌ في قومِهِ مع كفـرهم *** لمّا يــــــــــــزل في منعةٍ وأمانِ

فالمشركونَ أخفُّ جرماً منهمُ *** وأشـفُّ يومَ الحشرِ في الميزانِ

ومن العجائبِ أنّهم عدّوا الذي *** فعـلـوهُ قربــاناً من الــــــقربانِ

ورجوا به الزُّلفى كما زعموا ونَــيــلُ المــنِّ عنــد الــواحدِ المنّان

وأحقّ من خابتْ مطــامعُ جهلِهِ * مـن يــرتـجي الغفرانَ بالكفرانِ

أبني أميةَ خابَ مــؤتمٍّ بــكم *** فيمــا مضى من سالفِ الأزمــانِ

سقطت غــداة وليتــمـوها جهرةً ** بالغصبِ هاء خلافة الرحمانِ

وغدتْ أمارتكم دماراً يُـسـتـعـــــــاذُ اللهَ إن ذُكــرتْ مــن الشيطانِ

وقد نقل السيد محسن الأمين في ترجمته في أعيان الشيعة بعض أشعاره عن الشيخ محمد السماوي فقال: أورد له صاحب الطليعة أشعاراً في أمير المؤمنين (عليه ‌السلام) وفي أهل البيت (عليهم السلام) ومن شعره في أمير المؤمنين (عليه ‌السلام) قوله:

أميرُ المؤمنـين وخيرُ ملجأ *** يُسارُ إلى حماهُ وخيرُ حامي

كأني إن جعلتُ إليكَ قصدي * قصدتُ الركنَ بالبيتِ الحرامِ

وخُيِّلَ لي بأني في مقامي *** لديــــــــــه بين زمزمَ والمقامِ

أيا مولاي ذكركَ في قعودي ** ويا مولاي ذكركَ في قيامي

وأنتَ إذا انتبهت سمير فكري *  كذلك أنت أنسي في منامي

وحبّكَ إن يكن قد حلّ قلبي  وفي لحمي استكنّ وفي عظامي

فلولا أنت لم تُقبَل صلاتي *** ولولا أنـــتَ لم يُقبَل صيامي

عسى أسقى بكأسِكَ يوم حشري ويروي حيـن أشربها أوامي

وأُنعَمُ بالجنانِ بخيرِ عيشٍ *** بفضلِ ولاكَ والنِّعــمِ الجِسامِ

صلاةُ الله لا تعدوك يوماً *** وتتبعــــــــــها التحيةُ بالسلامِ

وقوله من قصيدة أخرى في أهل البيت عليهم ‌السلام:

خيرةُ اللهِ في العبادِ ومن يعـــــــضد ياسين فيهم طاسينُ

والأولى لا تقر منهم جنوبٌ في الدياجي ولا تنامُ عيونُ

ولهم في القرآنِ في غسـقِ الليل إذا طرب السفيهُ حنيـن

وبكاء ملء العيون غزيــــــــر فتكاد الصخور منه تلين

أما ديوانه فقد طبع ونشر عام 1984 بتحقيق محمد مصطفى رضوان، ونشر مرة أخرى عام 1988 بتحقيق محمد عبد الحميد سالم.

محمد طاهر الصفار

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً