62- السيد الحميري (105 – 173 هـ / 723 – 789 م)

الموسوعة الحسينية

2020-04-06

1083 زيارة

 

قال من قصيدة يذكر فيها سبطي رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإمام الحسن المجتبى، وسيد الشهداء الإمام الحسين (عليهما السلام):

فسبطٌ سبطُ إيمــانٍ وحلمٍ *** وسبــط غيَّبته (كربلاء)

سقى جدثاً تضمَّنه ملثٌ * هتوفُ الرعدِ مرتجزٌ رواءُ

تظلُّ مظلةٌ منها عَزال *** عليهِ وتغتدي أخرى ملاءُ

وقال من القصيدة (المُذهّبة) في مدح أمير المؤمنين وأهل البيت (عليهم السلام):

ولقد سرى فيما يسيرُ بليلةٍ * بعدَ العشاءِ بـ (كربلا) في موكبِ

حتى أتـــى مُتبتّـــلاً في قـائمٍ *** ألقى قـواعــدَه بقـاعٍ مجــدبِ

تأتيهِ ليسَ بحيثُ تلقى عامراً غيرَ الوحوشِ وغير أصلعَ أشيبِ

وقال من قصيدة:

(كربلا) يا دارَ كربٍ وبلا *** وبها سبطُ النبي قد قُتلا

الشاعر

إسماعيل بن محمد بن يزيد بن وداع الحميري الملقب بـ (السيد الحميري)، ولد في عُمان، ونشأ في البصرة، ثم غادرها إلى الكوفة وتعلم فيها الحديث على يد الأعمش وعاش متردداً بينهما، وكان في بداية حياته يعتقد مذهب الكيسانية التي تقول بإمامة محمد بن الحنفية بعد الإمام الحسين (عليه السلام)، وإنه الإمام الغائب وله في ذلك شعر، ولكنه نبَذَ هذا الاعتقاد عندما قابل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في الكوفة، فرأى السيد منه حججه القوية وأدلته الساطعة ما عرف به الحق فأتبعه، وله في ذلك قصيدة طويلة يقول منها:

ولما رأيتُ الناسَ في الدينِ قد غَوُوا تجَعْفَرتُ باسمِ اللهِ فيمن تجعفروا

وناديــتُ باســمِ اللهِ واللهُ أكبــرُ   ***   وأيقنــتُ أن اللهَ يعفـــو ويغفرُ

ودِنتُ بدينٍ غيــر ما كنتُ دائِناً   ***   به ونهــاني سيِّدُ الناسِ جعفرُ

مع الطيبينَ الطاهرينَ الأولى لهم من المصطفى فرعٌ زكيٌّ وعنصرُ

عُرف (السيد الحميري) بحدَّةِ الذكاءِ وسرعةِ البديهة حتى ضُرِبَ فيه المثلُ بهما، كما كان متضلِّعاً في تفسير القرآن ومعانيه والكثير من العلوم والتاريخ والأدب، ويستشفُّ القارئ لديوانه مدى إحاطته بهذه العلوم وإلمامه بها من خلال موارد شعره والمعاني التي طرقها وإدراكه واستيعابه وتعمُّقه في فهمِ مغازي الكتاب الكريم والسنة المطهّرة والأحاديث الشريفة وروايات أهل البيت وإحاطته بمرامها وإشاراتها ونصوصها، وإن رفضه القاطع للإباضية منذ صغره وانتقاله من الكيسانية إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) لهو أكبر دليل على بصيرته النافذة وعلمه ومعرفته الناضجة التي تأبى أن تتلقّى المبدأ عن تقليد أعمى، فنال أعظمَ لقبٍ من الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حين أطلق عليه (سيد الشعراء).

كان أبواه من النواصبِ المتشدِّدين ببغضهم لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وكانا على مذهبِ الأباضية، وهي فرقة من فِرَقِ الخوارج التي تُكفّرُ علياً، إلّا أن حبَّه لأمير المؤمنين كان أكبر من كل عاطفةٍ أو صلةٍ مهما كانت لصيقة به، فكان يرتعدُ عندما يسمعُ والديه وهما يسبَّانِ أمير المؤمنين وولده آناءَ الليل وأطرافَ النهار، وكثيراً ما يحبسُ دموعَه عندما يسمعهما وهما يسبَّانه ويلعنانهِ بعد صلاةِ الصبح، فينتظرُ طلوعَ الشمسِ ليخرجَ عنهما إلى قارعة الطريق... يطوفُ في الطرِقِ والأزقّة لا يلوي على شيء فكلُّ همِّه هو الإبتعاد عن هذا البيت اللعين.

ويظل يتنقّلُ من طريقٍ إلى طريق حتى تتهالكُ قواه فيلجأ إلى المسجد ليريحَ قدميه، وما إن يشعر بأن التعبَ قد تلاشى تدريجياً عنه حتى تبدأ لسعاتُ الجوعِ تنهشُ بطنَه فيعود إلى البيت ليتناولَ ما يسدُّ به رمقه ثم يعود إلى طوافهِ اليومي حتى لا يسمع من أبويه سبُّ علي، وفي الليل يرجع وقد أنهكه التعب ليغطّ في نومٍ عميق.

لم تمنع هذه المعاناة ذلك الصبي من حبِّه لعلي، بل أن حبَّه كان يزدادُ يوماً بعد يوم رغم الشقاء اليومي الذي يعانيه جرّاء هذا الحب الذي فاق حبَّه لوالديه بل إنه أبغضهما غاية البغض وأحبَّ فراقهما لسبِّهما علياً، ولنستمع إليه وهو يصف شعوره نحو والديه في تلك الفترة فيقول: (كنتُ وأنا صبي أسمع أبويّ يثلبانِ أمير المؤمنين فأخرجُ عنهما وأبقى جائعاً، وأؤثر ذلك على الرجوع إليهما، فأبيتُ في المساجد جائعاً لحبِّي فراقهما وبغضي إياهما حتى إذا أجهدني الجوع رجعتُ فأكلتُ ثم خرجت).

لقد غطّى حبُّ أمير المؤمنين على كل حبٍّ وعاطفةٍ في قلبِ هذا الفتى، وأبغضَ والديه من أجل هذا الحب، وكأن والديه قد عرفا منه هذا الحب لعلي وكرها ذلك منه فبَدَآ يضايقانه بترديد سبِّ أمير المؤمنين على مسامعه عند حضوره إلى البيت، فقال لهما يوماً: (إن لي عليكما حقاً يصغر عند حقكما عليّ، فجنّباني إذا حضرتكما ذكر أمير المؤمنين بسوء، فأن ذلك يزعجني وأكره عقوقكما بمقابلتكما)..

ولكنهما (تماديا في غيِّهما) وصاحا في وجهه...، وكثيراً ما كانت أمه توقظه في الليل لتقول له: (إني أخافُ أن تموتَ على مذهبكَ فتدخل النار، فقد لهجتَ بعليٍّ وولده فلا دنيا ولا آخرة، ولقد نغّصتَ عليّ مطعمي ومشربي).

وفي بعض الليالي رأى النبي (صلى الله عليه وآله) في المنام وكأنه في حديقة سبخة فيها نخلٌ طوال وإلى جانبها أرض كأنها الكافور ليس فيها شيء، فقال له النبي: أتدري لمن هذا النخل؟

قال: لا يا رسول الله.

قال: لأمرئ القيس بن حجر، فأقلعها واغرسها في هذه الأرض، ففعل...

وفي الصباح جاء إلى ابن سيرين ـ المفسِّر المشهور ـ فقصّ عليه رؤياه فقال له ابن سيرين: أتقول الشعر؟ فقال: لا، فقال: أما إنك ستقول شعراً مثل امرئ القيس، إلا إنك تقوله في قومٍ بررةٍ أطهار فكان كما قال...

زادتْ هذه الرؤيا من إيمانه ويقينه بعلي وأولاده البررة وكان يعرف أن حبه هو الصراط المستقيم فلما سمع والديه يسبَّان علياً قال:

لعنَ اللهُ والـــديَّ جميـــعاً   ***   ثم أصــلاهما عـــذابَ الجحيمِ

حكما غـــدوة كلّما صَلَّيا الفجــــرَ بلعنِ الوصــيِّ بابِ الـــعلــومِ

لعَنا خيرَ من مشى فوق ظهرِ الأرضِ أو طافَ مُحرِماً بالحطيمِ

كفَرَا عنـــد شتــمِ آلِ رســـولِ اللهِ نســـلِ المهـــذَّبِ المعصـــومِ

والوصيِّ الذي بـــه تثبـــتُ الأرضُ ولــولاهُ دُكـــدِكتْ كالرميمِ

وكذا آله أولـــو العلمِ والفــهمِ هــداةٌ إلى الصـــراطِ القــــــــويمِ

خلفاءُ الإلـــهِ في الخــلقِ بالعدلِ وبـــالقسطِ عـــــند ظلمِ الظلومِ

صلواتُ الإلــهِ تُتـــرى عليــهمْ *** مقرنـاتٌ بالرحبِ والتسليمِ

ولما أيقظته أمُّه في الليلِ وعنَّفته على حبهِ لعلي وأولاده الذي كان سبباً في مفارقتهِ لأهلهِ وإخوانهِ وأقربائهِ وجيرانهِ الذين أبغضوه وهجروه فأصبح بينهم غريباً، قال:

إلى أهلِ بيتٍ لمن كانَ مؤمناً من الناسِ عنهم ما في الولايةِ مذهبُ

وكم من شقيقٍ لامنــي في هواهمُ   ***   وعـاذلةٌ هبَّتْ بليلٍ تؤنِّبُ

تقولُ ولمْ تقصــدْ وتعتبُ ضلّةً   ***   وآفةُ أخـلاقِ النساءِ التعتّبُ

وفارقتَ جيراناً وأهلَ مودةٍ   *  ومن أنتَ منه حين تُدعى وتُنسبُ

فأنتَ غريـــبٌ فيهم متبـــاعدٌ   ***   كأنّـــكَ فيــما يتّقونكَ أجربُ

تعيــبهمُ في دينِــهم وهمُ بما   ***   تُديـنُ به أزرى عليكَ وأعيبُ

فقلتُ: دعيـني لن أحبّــرَ مدحةً   ***   لغيــرهمُ ما حجَّ للهِ أركـبُ

أتنهينــني عن حــبِّ آلِ محمدٍ؟   ***   وحبُّــهم مــمَّا بــه أتقـرَّبُ

وحبُّهم مثلُ الصلاةِ وإنهم *** على الناسِ من بعدِ الصلاةِ لأوجبُ

ضاق أبوه به ذرعاً وعزمَ على ثنيهِ عن حبِّ عليٍّ مهما كلّفَ الأمر حتى وأن اضطره ذلك إلى قتله! فأمره بسبِّه فامتنع، وألحَّ عليه في ذلك، لكنه فوجئ بابنه وهو يردُّ عليه:

خِفْ يا محمّدَ فالـقَ الأصباحِ *** وأزِلْ فسادَ الدينِ بالإصلاحِ

أتسبُّ صنوَ محـمدٍ ووصيِّهِ *** ترجـــو بذاكَ الفوزَ والإنجاحِ

هيهاتَ قد بعُدا عليكَ وقرَّبا *** منكَ العذابَ وقابضَ الأرواحِ

أوصى النبيُّ له بخيرِ وصيةٍ  *** يومَ الغديرِ بأبيـنِ الإفصاحِ

من كنتُ مولاهُ فهــذا واعلموا *مولاهُ، قـــولُ إشاعةٍ وصِراحِ

قاضي الديونِ ومرشدٌ لكمْ كما قد كنتُ أرشـدُ من هدىً وفلاحِ

أغويتَ أمِّي وهي جِدّ ضعيفة  فجرتْ بقاعِ الغيِّ جريَ جِماحِ

بالشتمِ للعَلَمِ الإمامِ ومن له   *** إرثُ النبــيِّ بأوكدِ الإيضاحِ

إنِّي أخافُ عليكما سخطَ الذي أرسى الجبالَ بسبسبٍ صحصاحِ

أبويَّ فاتَّقيا الإلهَ وأذعِنا   ***   للحقِّ تعتصـــما بحبلِ جناحِ

لم يستطعِ الأبوانِ مقارعة هذه البلاغة مدعومة بالحجج والقرائن الواضحة على منزلة أمير المؤمنين العظيمة، ولكنهما أبَيَا أن يستجيبا لابنهما وأخذتهما العزة بالإثم فصمَّمَا على قتلهِ وتواعدا على ذلك!

أحسَّ الولدُ بما يضمرُه أبواهُ له من الشر فهربَ إلى الأمير عقبة بن سلم وأخبره بقصته فقال له: لا تقربهما، وأعدّ له منزلاً أمر له فيه بما يحتاج إليه وأجرى عليه مالاً يكفيه ويفضل على مؤونته، فكان هذا الفراق بينه وبين والديه أبديَّاً حتى ماتا فورثهما.

صدّق السيد الحميري بشعره رؤياه فقد سخّرَ شعره لمدح أهل البيت وفاق شعراء عصره كثرة وجودة حتى قال له الإمام الصادق (عليه السلام): أنت (سيد الشعراء)، وهذه الشهادة من الإمام لا تحتاج إلى توضيح على مكانة السيد في عالم الشعر، أما في التاريخ فله باع طويل فيه، وقد ذكرت المصادر أن له كتاب (تاريخ اليمن).

وكانت له منزلة كبيرة عند الإمام الصادق الذي كان يكرمه ويقدّر سعيه ويشكرُ جهده في الذبِّ عن قضية أهل البيت وإبراز مظلوميتهم وذكر فضائلهم وجهره بموالاتهم وإكثاره من مدائحهم والرد على أعدائهم ومناوئيهم، فكان (عليه السلام) يلحُّ على رفده بالأموال رغم امتناع السيد عن أخذها لحقيقة إخلاصه وإيمانه واعتقاده بأنه لم يمدحهم لأجل المال بل للتقرِّب إلى الله تعالى بهم.

ومما يوضحُ تقدّمه على شعراء عصره أقوال أئمة الشعر والأدب ممن عاصروه وما بعدهم بحقه، فقد عدَّه المؤرخون أحد الشعراء الثلاثة الذين كانوا أكثر الناس شعراً في الجاهلية والإسلام وهم: السيد الحميري، وبشار بن برد، وأبو العتاهية.

يقول عنهم أبو الفرج الأصفهاني: (لا يُعلم أن أحداً قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع).

وقال المرزباني: (لم يُسمع أنَّ أحداً عمل شعراً جيداً وأكثر منه غير السيد).

ومما روي عن كثرة شعره قول عبد الله بن اسحق الهاشمي: (جمعتُ للسيد ألفي قصيدة وظننت إنه ما بقي عليَّ شيء فكنتُ لا أزال أرى من ينشدني ما لي عندي فكتبت حتى ضجرت ثم تركت).

ويقول مروان بن أبي حفصة عندما سمع شعراً للسيد: (ما سمعتُ قط شعراً أكثر معاني وألحظ منه).

وقال التوزي: (لو إن شعراً يستحق أن لا ينشد إلّا في المسجد لحسنه لكان هذا ولو خطب به خاطب على المنبر في يوم الجمعة لأتى حسناً ولحاز أجراً).

وقال بشار بن برد ـ الذي كان متزلفاً للسلطة ـ: (لولا إن هذا الرجل قد شغل عنَّا بمدح بني هاشم لشغلنا ولو شاركنا في مذهبنا لأتعبنا).....

لقد تولّع السيد بمدح أهل البيت (عليهم السلام) ولهج بهم لسانه فاكثر، ويدلّنا أبو الفرج الأصفهاني على مدى تعلق السيد الحميري بذكر أهل البيت وحبه لهم ما رواه عن أحدهم: (كنا جلوساً عند أبي عمرو ابن العلاء فتذاكرنا السيد فجاء وجلس وخضنا في ذكر الزرع والنخل ساعة فنهض فقلنا: يا أبا هاشم ممَّ القيام؟ فقال:

إنِّي لأكرهُ أن أطيلَ بمجلسٍ * لا ذكرَ فيهِ لفضلِ آلِ محمدِ

لا ذكرَ فيه لأحمدٍ ووصيِّهِ * وبنيهِ ذلكَ مجلسٌ نَطِفٌ ردي

إن الذي ينساهم في مجلسٍ   ***  حتى يفارقه لَغَيرُ مسدَّدِ

وكان إذا استُنشد شيئاً من شعرهِ لم يبدأ بشيء إلّا بقوله:

أجدُّ بآلِ فاطمةِ البكورُ *** فدمعُ العينِ منهمرٌ غزيرُ

وقد رُوي إنه لم يترك فضيلة لأمير المؤمنين (عليه السلام) إلّا قالها شعراً، وفضلاً عن سيادته الشعرية فإن له مكانته المتقدِّمة في المذهب حيث عُدَّ من أعلام الشيعة وعلمائهم، وقد أثنى عليه كبار علماء الشيعة في كتبهم منهم: الشيخ الصدوق، والشيخ المفيد، وابن شهراشوب، والأربلي وغيرهم. وقد عده ابن شهر آشوب في شعراء أهل البيت المجاهرين، استنفد شعره في معنى واحد وهو مدح اهل البيت ولم يترك منقبة لأمير المؤمنين عليه ‌السلام إلا نظم فيها شعراً.

كما عدّه ابن عبد ربه الأندلسي من رموز الشيعة فقال: (السيد الحميري وهو رأس الشيعة وكانت الشيعة من تعظيمها له تلقي له وسادة بمسجد الكوفة).

وقال له جعفر بن عفان الطائي ـ شاعر الإمام الصادق ـ: (يا أبا هاشم: أنت الرأسُ ونحن الأذناب).

ألّف عن حياة السيد الحميري الكثير من الأعلام ــ قديماً وحديثاً ــ من المسلمين وغيرهم منهم: أبو بكر الصولي، وأبو بشر البصري، وابن عبدون ـ شيخ النجاشي ـ، والمرزباني، وابن عيّاش، والمستشرق الفرنسي بربيه دي مينار وغيرهم.

عاصر السيد من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) إضافة إلى الإمام الصادق، ابنه الإمام موسى الكاظم (عليهما السلام) وعُدَّ من شعرائهما، أما من الخلفاء فقد عاصر عشراً، منهم خمسة من بني أمية وهم: هشام بن عبد الملك، ـ والذي وِلدَ السيد الحميري في خلافته ـ والوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد، ومروان بن محمد، كما عاصر خمساً من خلفاء بني العباس وهم: السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد وقد توفي السيد في خلافة الأخير، ودفن في بغداد تاركاً قصائده الخالدات خلود الدهر، ومن أروع قصائده البائية والتي تسمى (المذهَّبة) وتبلغ (112) بيتاً وقد شرحها علمان من أعلام اللغة والأدب في تاريخ العربية هما السيد الشريف المرتضى علم الهدى، والحافظ النسابة الأشرف ابن الأغر المعروف بتاج العلى الحسيني يقول السيد منها:

وبخمِّ إذ قالَ الإلهُ بعزمهِ ** قمْ يا محمدَ في البريةِ فأخطبِ

وانصُبْ أبا حسنٍ لقومِكَ إنه * هادٍ وما بلّغت إن لم تنصُبِ

فدعاهُ ثم دعـــاهمُ فأقـامه   ***   لهمُ فبينَ مصدِّقٍ ومكذِّبِ

جعلَ الولايةَ بعده لمُهذبٍ  *** ما كـان يجعلها لغيرِ مهذَّبِ

وله مناقبُ لا تُرامَ متى يَرد ** ساعٍ تناولَ بعضَها بتذبذبِ

إنّا ندينُ بحبِّ آلِ محمدٍ   ***  ديناً ومن يحببهمُ يستوجبِ

منَّا المودةُ والولاءُ ومن يَرِدْ *** بدلاً بآلِ محمدٍ لا يحببِ

يقول الدكتور طه حسين: (ولعل شيعة العلويين لم يظفروا بشاعر مثله ــ أي السيد الحميري ـــ في حياتهم السياسية كلها، وقف عليهم عمره وجهده، وكاد يقف عليهم مدحه وثناؤه، مخلصا في ذلك كله إخلاصاً لا يشبهه إخلاص)

وللسيد عدَّة رثائيات في الحسين (عليه السلام) ـ عدا التي فُقدت ـ يقول من قصيدة في رثاء الحسين (ع):

أمرُرْ على جدثِ الحسينِ وقلْ لأعظمهِ الزكيه

يا أعظماً لا زلتِ من *** وطفاء ساكبة رويَّه

ما لذَّ عيـشٌ بعد رضِّـــــكِ بالجيــادِ الأعوجيه

قبراً تضمّنَ طيـــباً *** آباؤه خيـــرُ البريــــه

والخيرُ والشيمُ المهـــــــــذّبة المطيَّبة الرضيه

ومن طفِّيَّاته أيضاً:

إن كنتَ محزوناً فمالكَ ترقدُ *** هلّا بكيتَ لمن بكاهُ محمدُ

هلا بكيتَ على الحسينِ وأهله؟ *  إنَّ البكاءَ لمثلهم قد يُحمدُ

لِتضعضعِ الاسلام يومَ مصابهِ * فالجودُ يبكي فقدَه والسؤددُ

فلقد بكته في السـماءِ ملائكٌ *** زهرٌ كرامٌ راكعونَ وسجَّدُ

أنسيتَ إذ صارت إليه كتائبٌ فيها ابنُ سعدٍ والطغاةُ الجُحَّدُ؟

فسقوهُ من جُرعِ الحِتوفِ بمـشهدٍ كثرَ العداةُ بهِ وقلَّ المُسعدُ

لمْ يحفظوا حقَّ النبيِّ محمدٍ *** إذْ جرَّعوه حرارةً ما تـبردُ

قتلوا الحسينَ فأثكلوه بسبطهِ  فـالثكلُ من بعدِ الحـسين مبرَّدُ

كيفَ القرار وفي السبايا زينبٌ تدعو بفرطِ حرارةٍ: يا أحمدُ

هذا حسينٌ بالسيـــوفِ مبضَّعٌ *** متلـــطِّخٌ بدمائهِ مُسْتَشْهَدُ

عارٍ بلا ثوبٍ صريعٌ في الثرى بين الحوافرِ والسنابكِ يُقـصَدُ

والطيبـونَ بنوكَ قَـتلى حوله *** فوقَ التُراب ذبائحٌ لا تلحدُ

يا جدُّ قد منعوا الفـراتَ وقـتَّلوا عطشاً فليسَ لهم هنالكَ موردُ

تناقلت المصادر الأدبية والتاريخية شعره لجودته وجزالته وعُدَّ من عيون الشعر العربي، فقد خصَّه المرزباني بفصل خاص في كتابه (معجم الشعراء) كما خصَّه بكتابٍ منفرد، وكتبَ عنه أبو بكر الصولي كتاب (أخبار السيد الحميري)، كما اختار من شعره المستشرق الفرنسي دي مينار مجموعة كبيرة في مائة صفحة وطبعت في باريس، أما ديوانه فقد جمعه وحققه شاكر هادي شكر ونشره ضیاء حسین الأعلمی، وشرح ديوانه أيضاً الشیخ محمد هادی الأمینی ابن الشیخ عبدالحسین الأمیني.

محمد طاهر الصفار

بعض المصادر التي ترجمت للسيد الحميري

.....................................................

1 ــ أخبار السيد كتاب للمرزباني

2 ــ ذكر البيت ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب ج ٣ ص ٢٣٩  

3 ــ الأغاني ج 7 ص 249

4 ــ أخبار السيد ص 152 ــ 153

5 ــ الوافي بالوفيات ج 1 ص 49

6 ــ كمال الدين وإتمام النعمة للصدوق ص20

7 ــ الفصول المختارة للشيخ المفيد ص 93

8 ــ كشف الغمة للأربلي ص 124

9 ــ العقد الفريد لا بن عبد ربه الأندلسي ج 2 ص 289

10 ــ حديث الأربعاء طه حسين ص240 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً