57 ــ أحمد الصنوبري: (284 ــ 334 هـ / ‍897 ــ 945 م)

الموسوعة الحسينية

2020-03-31

334 زيارة

 

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) تبلغ (17) بيتاً:

يا (كربلاء) خلقت من *** كربٍ عليَّ ومن بلاءِ

كمْ فيكِ من وجهٍ تشـــــــــــرّبَ ماؤه مـاءَ البهاءِ

نفسي فداء المصطلي * نارَ الوغى أي اصطلاءِ

وله من قصيدة أخرى تبلغ (32) بيتاً:

أنيخا بنا العيسَ في (كربلا) * مناخَ البلاءِ مناخَ الكربْ

نشمُّ مُمسَّكَ ذاك الثرى   ***   ونلثمُ كافورَ ذاكَ التُربْ

ونقضي زيارةَ قبرٍ بها   ***   فإنَّ زيـــــارته تُستَحبْ

وقال من قصيدة في رثاء الحسين (ع) تبلغ (56) بيتاً:

مَلأتِ واللهِ كرباً *** يا (كربلاءُ) الصٌّدورا

كأَنني بِرَحى الحـــربِ أوشـــكتْ أن تدورا

والفاطميّـــونَ تقريــــــهمُ السيوفُ الطيورا

وقال من قصيدة تبلغ (112) بيتا:

يا بني أحمدٍ هـــواكمْ هوى خــــالط مِنّا مخــــــــــاخَنا والمشاشا

جادَ قبراً بـ (كربلاءَ) رشاشَ الغيثِ ما اسطاعتْ الغيوثُ رشاشا

واستجـــــاشَ الربيعُ فيها جيوشاً من جيوشِ الربيعِ فيها استجاشا

وقال من قصيدة تبلغ (80) بيتاً:

يا (كربلاء) أما لي فيك مبترضٌ  ***  على الثناءِ فأبغي فيكِ مبترضا

إن يعقلَ الجسمُ أو يأبضْ فما عقلَ الـــــشوقُ المملكُ أحشائي ولا أبضا

من لي إذا هممي جالتْ بمعتزمٍ * يجيلُ تحتَ الدياجي الحزمَ والغرضا

وقال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين تبلغ (42) بيتاً:

صلوا على بنتِ النبيِّ محمدٍ   ***   بعدَ الصـــلاةِ على النبيِّ أبيها

وابكوا دماءً لو تشاهدُ سفكَها   ***   في (كربلاءَ) لما ونتْ تبكيها

يا هولها بين العمائمِ واللهى   ***   تجري وأسيافُ العدى تجريها

الشاعر

أحمد بن محمد بن الحسن بن مرار الضبي الحلبي الأنطاكي المعروف بـ (الصنوبري) من شعراء أهل البيت، ولد في إنطاكية ونشأ وتربَّى بحلب، حيث تلقى فيها تعليمه، وينتسب الصنوبري إلى قبيلة ضبّة، أما سبب تلقيبه بـ (الصنوبري) فقد جاءه من جده الحسن، وقصته كما ذكرها ابن عساكر في تاريخ دمشق: (أن عبد الله الحلبي الصفري راوية شعر الصنوبري سأله عن السبب الذي من أجله نُسب جده إلى الصنوبر حتى صار معروفاً به ؟ فقال له: كان جدي صاحب بيت حكمة من بيوت حِكَم المأمون فجرت له بين يديه مناظرة فاستحسن كلامه وحدة مزاجه وقال له:

 إنك لصنوبري الشكل. يريد بذلك الذكاء وحدة المزاج).

وتتضح من خلال هذا الجواب مرجعيات وجذور الصنوبري وأنه لم ينشأ في أجواء عادية لا أثر فيها لسابقة علمية أو أدبية في تاريخ أسرته, بل يدل على أن أسلافه كان لهم قدماً ثابتاً وبصمة مؤثرة في هذين المضمارين، وقد ورث الصنوبري منهم هذه المكانة حتى جعلته يتبوّأ منصباً علمياً لا يقلّ عن منصب جدّه في الاشراف على بيت حكمة المأمون, بل نستطيع القول أن المنصب الذي حازه يفوق كثيراً منصب جده..

ورغم أن صفِتي العلم والأدب هما صفتان مكتسبتان ولا علاقة للوراثة فيهما إلا أن الأجواء العلمية والأدبية التي ينشأ فيها الإنسان تُعدّ عاملاً مهماً في تكوينه, خاصة إذا اتّحدت مع عاملي الرغبة في التعلم لديه والتوجّه نحو العلم وهو ما اجتمع عند الصنوبري ..

حيث شكلت كل هذه العوامل أثراً قوياً ومؤثراً في صقل مواهبه وتكوين شخصيته العلمية والأدبية حتى استحق منصب الإشراف على مكتبة من أعظم المكتبات في العالم في وقتها وهي مكتبة الدولة الحمدانية في حلب حيث لم يجد سيف الدولة الحمداني من هو أكفأ منه لهذا المنصب فشارك الخالديَين الأخَوَين الشاعرين محمد، وسعيد، ابنا هاشم الموصلي العناية بها. وكأن الصنوبري كان يعدّ نفسه لهذا المنصب ..

حلب سيف الدولة

لم تشهد حلب عصراً حضارياً ذهبياً زخر بمختلف العلوم والآداب عبر تاريخها الطويل كالذي شهدته في عهد سيف الدولة الحمداني, فقد عاشت ذروة عصرها الحضاري والثقافي حتى أصبحت فيه من أهم المراكز العلمية والثقافية في العالم الإسلامي وملتقى رجال العلم والفكر والأدب، فكان لهذه النهضة الثقافية والحضارية أثراً كبيراً ودوراً عظيماً في إغناء الفكر الإنساني وبقي أثرها على مدى قرون عديدة، يقول المستشرق الأمريكي ستيفن همفريز عن عصر سيف الدولة (في زمنه كان من الممكن لحلب أن تجاري أي بلاط في إيطاليا في عصر النهضة).

فقد حفلت حلب بالفقهاء والعلماء والأطباء والفلاسفة والأدباء والشعراء والمؤرخين وأعلام العصر، يقول الغزالي: (إنه قد اجتمع له ــ أي لسيف الدولة ــ ما لم يجتمع لغيره من الملوك فكان خطيبه: ابن نباتة الفارقي، ومعلمه: ابن خالويه، وخزّان كتبه: الخالديان والصنوبري، وشعراؤه: المتنبي, وكشاجم,  والسلامي, والوأواء الدمشقي, والببغاء, والنامي, وابن نباتة السعدي وغيرهم).

وإضافة إلى هؤلاء الأعلام فقد جمعت ندوته العلمية والفكرية التي كان يعقدها في قصره كبار علماء اللغة والتاريخ في التاريخ الإسلامي أبرزهم: (أبو بكر الخوارزمي) شيخ أدباء نيسابور, والعالم واللغوي والناقد الكبير (أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني), والعالم اللغوي الكبير (أبو الفتح بن جني)، و(أبو علي الفارسي). و(ابن خالويه)، و(أبو علي الحسين بن أحمد الفارسي)، و(عبد الواحد بن علي الحلبي) المعروف بـ (أبي الطيب اللغوي)، و(أبو الفرج الأصفهاني)، و(ابن نباتة)، ومن الجغرافيين، (ابن حوقل الموصلي) صاحب كتاب (المسالك والممالك).

كما ضمت ندوته إضافة إلى المتنبي الشاعر الفارس (أبا فراس الحمداني), كما عاش في ظل دولة سيف الدولة أشهر خطاط عرفه التاريخ الإسلامي وكان الخطاط الخاص به ويصحب مخطوطاته أينما رحل وهو عبد الله بن مقله المعروف بـ (ابن مقلة) وهو أخو الوزير أبي علي محمد بن علي.

وظهر في عصر سيف الدولة أشهر الأطباء الذين عرفهم التاريخ الإسلامي مثل (عيسى الرَّقي) المعروف بـ (التفليسي)، و(أبو الحسين بن كشكرايا)، و(أبو بكر محمد بن زكريا الرازي) الذي يعد من أعظم أطباء الإسلام وأكثرهم شهرة وإنتاجا، ومن الفلكيين والرياضيين: (أبو القاسم الرَّقي) (والمجتبى الإنطاكي) و(ديونيسيوس) و(قيس الماروني).

ومن أبرز الفلاسفة والمنطقيين الذين زخرت بهم حلب والذين أثروا الساحة الإسلامية بعلومهم الفيلسوف (أبو نصر الفارابي) ـ المعلم الثاني ـ ، و(ابن سينا).

في مثل هذه الأجواء عاش الصنوبري واستطاع أن ينقش اسمه بينهم وان يذكره المؤرخون في أول صفوفهم كما يذكره الأدباء في رأس شعرائهم شاعراً كبيرا مجيدا وحتى قال عن نفسه:

وإذا عُزينا إلى الصنوبرِ لم *** نُعزَ إلى خاملٍ من الخشبِ

لا، بلْ إلى باسقِ الفروعِ علا *   مناسباً في أرومةِ الحسبِ

مثـل خيامِ الحريرِ تـحـملُها *   أعمدةٌ تحتــــــها منَ الذهبِ

كأن ما في ذراهُ مـن ثمرٍ *  طيرٌ وقوعٌ على ذرى القضبِ

باقٍ عــلى الصيفِ والشتاءِ إذا شابتْ رؤوسُ النباتِ لم يشبِ

محصّنُ الحبِّ في جواشنِ قدْ * أمن في لبسِها مـــن الحربِ

حبٌّ حكى الحبَّ صِينَ في قربِ الأصدافِ حتى بدا من القربِ

ذو نثةٍ ما ينـــــالُ من عنبٍ * ما نيل مـن طيـبِـها ولا رطبِ

يا شجراً حبه حــــدانِيَ أن ***   أفدى بأمِّي محبَّـــــــة وأبي

افتراء وتفنيد

لم تشر المصادر إلى سنة ولادته تحديداً سوى من ترك ذلك على الاحتمال من المؤرخين فشفع قوله عند ولادته بـ (حوالي) و(نحو) و(قريباً) من سنة (284هـ/‍897م), أما وفاته فكانت عام (334 هـ/945م), وهذا يعني أنه عاش خمسين عاماً هجرية أي ما يعادل سبعة وأربعين عاماً ميلادية كما هو واضح وهو ما يدل بوضوح على أمرين مهمين هما:

أولا: أنه كان شاعراً مُكثراً إذا ما قارنا عمره بديوانه الذي يبلغ مائتي ورقة في أكثر من ثمانية آلاف بيت, كما أشارت المصادر إلى أنه إضافة إلى إكثاره من الشعر إجادته فيه وهي صفة نادرة بين الشعراء ..

ثانيا: تفنيد وإبطال ما وصفه بعض المؤرخين من أصحاب الأهواء والعصبيات المذهبية من أنه كان (منهمكاً في الملذات وأنه تاب بعد أن بلغ الستين من عمره) ! حيث لا تُخفى مآرب هؤلاء في الإنتقاص من رموز الشيعة والحط من منزلتهم وهذا ديدنهم في استهداف كل ما يمت إلى التشيع بصلة, فغير عجيب على من يجعل الحجاج (رجل الدولة المفترى عليه) ! ويصف هارون العباسي بـ (الزهد) و(التقوى) و(إحياء الليل بالعبادة) ! أن لا يتورّع في إلصاق التهم بالرجال المؤمنين الملتزمين بدينهم وعقيدتهم غير أن حقائق التاريخ كفيلة بدحض هذه الإفتراءات والأكاذيب, فكيف يُعيّن سيف الدولة رجلاً منهمكاً في الملذات في منصب علمي مرموق ويجعله في مكان يرتاده الفقهاء والعلماء والحكماء والقضاة وأرباب العلم والأدب ؟ ثم إن شخصية الصنوبري العلمية والأدبية ومكانته بين أعلام عصره كفيلة برد هذا الاتهام.

هجرة إلى العلم

هاجر الصنوبري إلى حلب مركز الإشعاع العلمي والحضاري ودرس فيها وتعلم على يد كبار العلماء والأدباء فيها حتى استطاع أن ينافس شعراء عصره, فتوجّهت إليه الأنظار وأصبح اسمه يشع في سماء حلب مع كبار الشعراء, حتى لقب بـ (حبيب الأصغر) ــ أي أبي تمام ــ كما استفاد الصنوبري من تنقلاته بين حلب والموصل والرقة ودمشق وتزود بالعلم والأدب، وخاصة إلى الرقة التي أصبحت موطنه الثاني بعد حلب وكانت له روابط صداقة مع الشعراء والأدباء فكانت جلساته معهم تقوي شاعريته وتصقل موهبته ومن أهم هؤلاء الأعلام:

1 ــ المعوج الرقي، الذي عدّه بعض المؤرخين أستاذاً له ويدل على علاقته القوية به قصيدته في رثائه عندما توفي (307هـ).

2 ــ علي بن سليمان الأخفش الصغير، العالم اللغوي الشهير.

3 ــ كشاجم الشاعر الذي كانت تربطه به علاقة متينة وصداقة قوية كان عمادها تشيعهما وولاؤهما لأهل البيت وكلاهما له قصائد كثيرة في حقهم (ع) فاجتمعا في بيئة شيعية وضمتهما ندوة سيف الدولة.

قالوا عنه

قال عنه السيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة: كان الصنوبري شاعراً مجيداً مطبوعاً مكثراً، وكان عالي النفس، ضنيناً بماء وجهه عن أن يبذله في طلب جوائز ممدوح، صائناً لسانه عن الهجاء، يقول الشعر تأدّباً لا تكسّباً. مقتصرا في أكثر شعره على وصف الرياض والأزهار. وكان يسكن حلب ودمشق

وقال الشيخ محمّد السماوي في الطليعة من شعراء الشيعة: كان فاضلاً باهراً، وأديباً شاعراً.

وقال ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة من ملوك مصر والقاهرة: الشاعر المشهور، كان إماماً بارعاً في الأدب، فصيحاً مفوّهاً.

وقال الشيخ عبد الحسين الأميني في الغدير: شاعر شيعي مجيد، جمع شعره بين طرفي الرقّة والقوّة، ونال من المتانة وجودة الأُسلوب حظّه الأوفر، ومن البراعة والظرف نصيبه الأوفى, وتواتر في المعاجم وصفه بالإحسان تارة وبالإجادة أخرى وإن شعره في الذروة العليا ثالثة, ), وكان يسمى حبيباً الأصغر لجودة شعره, وأما تشيعه فهو الذي يطفح به شعره الرائق ونص بذلك اليماني في نسمة السحر وعده ابن شهر اشوب من مادحي أهل البيت عليهم ‌السلام .. ثم يذكر بعض أشعاره

ونقل الشيخ عباس القمي في (الكنى والألقاب) عن ابن شهر اشوب قوله في الصنوبري: كان من شعراء أهل البيت (ع) وله أشعار في مدائح أهل البيت ومراثيهم

وقال الثعالبي في يتيمة الدهر: تشبيهات ابن المعتز, و أوصاف كشاجم، وروضيات الصنوبري، متى اجتمعت اجتمع الظرف والطرف، وسمع السامع من الإحسان العجب.

وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق: أن أكثر شعره فيه.

وقال ابن النديم في فهرسه: إن الصولي عمل شعر الصنوبري على الحروف في مائتي ورقة.

وقد ضمت كل صفحة من الورقة وفق ما حدد ابن النديم عشرين بيتاً وعلى هذا الأساس فقد احتوى ديوانه ثمانية آلاف بيت.

ديوانه

ليس أدل على أهمية شعر الصنوبري وشاعريته من اهتمام كبار علماء اللغة وأفذاذ الشعراء به وجمعه وتدوينه فقد جمع ديوانه الشاعر والعالم واللغوي الكبير الصولي (محمد بن يحيى بن عبد الله), كما اهتم بشعره وعني به في حياته رواية وجمعا تلميذه أبو العباس الصفري, وعثمان بن عبد الله الطرسوسي, وقد اشتهر شعره في البلاد حتى دخل الأندلس وقرئ بها على يد محمد بن العباس الحلبي، وعنه رواه اللغوي الأندلسي أبو بكر الزبيدي الإشبيلي.

أما مميزات شعر الصنوبري فقد عني بالتشبيهات وابتكار الصور وقد شابه بعض النقاد شعره بشعر ابن الرومي من حيث استيفاء المعنى, لكنه كان يترسم خطى أبي تمام حتى عدّه النقاد خليفة له وقد احتوى شعره على مختلف الأغراض وأهمها وصف الرياض.

الروضيات

لا يمكن لمن يدرس شعر الصنوبري أن يغض الطرف عن الروضيات التي اشتهر بها حتى عُرف بها وعُرفت به فقد هام في الطبيعة الجميلة وسبّح الله على خلقه لهذا الجمال بشعره حتى سُمِّي بشاعر الرياض وهو أول شاعر يكسر الجو التقليدي للشعر العربي والذي ساده الوقوف والبكاء على الأطلال حيث يقول:

وصفُ الرياضِ كفاني أن أقيمَ على   ***   وصفِ الطلولِ، فهل في ذاكَ من باس؟ 

وله في هذا الغرض قصائد كثيرة أشهرها ما ذكره ياقوت الحموي في معجم البلدان في وصف حلب ورياضها وأجوائها وتبلغ مائة وأربعة أبيات وقد ذكرها الحموي كلها ومطلعها:

احبسا العيس احبساها   ***   وسلا الدار سلاها 

وقد جمع هذه (الروضيات) محمد راغب الطباخ في كتاب منفرد. ومن هذه الروضيات قوله:

ونرجسٌ ساحرٌ الأبصارِ ليس كما   ***   كأنه من عَمَـــــى الأَبصارِ مَسْحورُ

هذا البنفسجُ هذا الياســمينُ وذا النِّـــــــــــــسرينُ ذا سوسنٌ في الحُسْنِ مشهور

تظلُّ تَنثرُ فيه السُّحْـــــــبُ لؤلؤَها   ***   فالأَرضُ ضــاحكةٌ والطيرُ مسرور

حيث التفتَّ فقمريِّ وفـــــــــاختةٌ   ***   فيه تُغَنِّي وشفنيـــــــــــــنٌ وَزَرْزُور

الرثاء

أما في الرثاء فأشهر قصائده فيه رئاؤه أمه وابنته ليلى يقول في رثاء أمه:

قد صَــوَّحـت روضتي المونقهْ   ***   وانتُزعت دوحتي المورقَـهْ

بابٌ إلى الجـنة ودّعــــــــــــتُهُ   ***   منذ رأيتُ المـوتُ قد أغـلقَهْ

يقلق أحشـائي على مضجـعي   ***   تذكري أحشــــــاءكِ المـقلقهْ

يا مهجة جُرت فمّنــــــــــنتُها   ***   من الثرى غير الضمينِ الثقهْ

علامَ طابت بكِ نفســي وقــد   ***   هــــــــددتها حــانية مشفقـــهْ

ولعل أفجع ما مُني به الشاعر من مصيبة هو رحيل ابنته وهي في عز الصبا فرثاها بأفجع رثاء:

سأبكي ما بكى القُمـــريُّ بنتي   ***   ببحرٍ من دمـــــــوعٍ بل بحورِ

ألســتُ أحـقُّ مـن أبـكي عليها   ***   إذا بكــت الطيورُ على الطيورِ

في أهل البيت

إذا كان هيام الصنوبري بالطبيعة والرياض والأزهار قد طغى على شعره وحياته وصباه فإن هناك هياماً آخر ساد روحه وقلبه حتى تملكه, إنه هيام العقيدة والمودة لأهل البيت وتشيّعه لهم, فنجد ما يفيض على قصائده الروضيات من هذا الهيام في قصائده في حق النبي وأهل بيته (ع).

فلكربلاء في نفس الصنوبري أثر. وأي أثر ؟ فهي لا تزال تنزف حتى يظهر مدرك الثأر الإمام الحجة المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، لنترك للشاعر الحديث عنها في هذه الأبيات:

يا خيرَ مَن لبــسَ النبـــــوَّةَ من جميـــــــعِ الأنبياءِ

وجدي على سبطيكَ وجــدٌ ليسَ يــــؤذنُ بانقضاءِ

هذا قتيــــــــــلُ الأشقيـــــاءِ وذا قتيـــــلُ الأدعياءِ

يومُ الحسينِ هرقتَ دمــعَ الأرضِ بلْ دمعَ السماءِ

يومُ الحسيــــنِ تركتَ بـــــابَ العزِّ مـهجورَ الفناءِ

يا (كربلاء) خُلقتِ من *** كـربٍ عليَّ ومن بلاءِ

كمْ فيـــــكِ من وجهٍ تشـــــــــرَّبَ مـاؤه ماءَ البهاءِ

نفسي فداءُ المصطلي  * نارَ الوغـى أيَّ اصطلاءِ

حيثُ الأسنةُ في الجواشـــنِ كالكـواكبِ في السماءِ

فاختارَ درعَ الصبرِ حيــثُ الصبرِ من لبسِ السناءِ

وأبى إباءَ الأسْـــــدِ إنّ الأسْـــــــــــدَ صادقةُ الإباءِ

وقضى كريماً إذ قضى  ***  ظمآنَ في نفرٍ ظِماءِ

منعوهُ طعمَ الماءِ لا   ***   وجـدوا لماءٍ طعمَ ماءِ

مَن ذا لمعقـــورِ الجـــــــــــوادِ ممالِ أعوادِ الخباءِ

مَن للطــــريحِ الشلوِ عـــــــــــرياناً مُخلّىً بالعراءِ

مَن للمحنّطِ بالتـــــــــرابِ وللمغسّــــــــــلِ بالدماءِ

من لابنِ فاطمـــةٍ المغــــــــيَّبِ عن عيونِ الأولياءِ

ويقول في هيامه بسيد الخلق محمد (ص) الذي اصطفاه الله على خلقه, وفضله على جميع العالمين, والذي أسرى به الله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى, وله انشق القمر, وسبّح الحصى في يده الشريفة:

ندبتُ ونحتُ بني أحمدٍ  ***  ومــثليَ ناحَ ومثلي ندبْ

بني المصطفى خاتم الأنبيـــــــــاء والمنتجب المنتخبْ

فما سارَ مسراهُ إلّا به * وما مسَّه في السرى مِن تعبْ

أمِ القمرُ انشقّ إلّا له ** ليقضـيَ ما قد قضى من إرَبْ

ولا يدُ سبَّحَ فيها الحصى * سوى يدِهِ في جميعِ الحُقَبْ

وفي تفلةٍ ردَّ عينَ الوصـــيِّ إلى حالِ صحتِها إذ أحبْ

وقد اقترنت سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بسيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) فهما صنوان لا ينفصلان:

أخوهُ وزوجُ أحبِّ الورى  ***  إليهِ ومسعدُه في النِّوبْ

له رُدَّتِ الشمسُ حتى قضى الــصلاةَ وقامَ بما قدْ وجبْ

وزكّى بخاتمِهِ راكعاً   ***  رجاءَ المجازاةِ في المُنقلبْ

أبو حسنٍ والحسينِ اللذينِ * كانا سراجيْ سـراجِ العربْ

همَا خيرُ ماشٍ مشى جدَّةً   ***   وجدَّاً وأزكاهُ أمَّاً وأبْ

وهو يتمنّى أن يزور كربلاء لكي يشمَّ ترابها الزكي المضمخ بدماء الشهادة:

أنيخا بنا العيسَ في (كربلا) ** مناخَ البلاءِ مناخَ الكربْ

نشمُّ مُمسَّكَ ذاك الثــرى   ***   ونلثمُ كافورَ ذاكَ التُربْ

ونقضي زيارةَ قبــرٍ بها   ***   فإنَّ زيـــــارته تُستَحبْ

فتفاصيل يوم الطف حاضرة في ذهن الشاعر ماثلة في وجدانه، فاستحضر ظمأ الحسين (عليه السلام)،وتوديعه عياله، واستشهاده، وقطع رأسه على يد الشمر، وقد سكب كل هذه التفاصيل دمعاً وشعراً:

سآسي لمنْ فيه كل الأسى * وأسكبُ دمعي له ما انــسـكبْ

لمِنْ ماتَ من ظمأٍ والفــــراتُ يـــرمي بأمواجهِ مــن كـثبْ

يرومُ اقتراباً فيحـــمونه الـــوصولَ إليــــهِ إذا مَــن نَصـَبْ

وقد أنصبَ الفاطمياتِ مـا يعانيهِ تحتَ الوغى مــن نـصبْ

إذا هوَ ودَّعهنَّ انتحبــــــنَّ من حـــــرِّ توديـــــعِهِ وانـتحبْ

أيا ابنَ الرسولِ ويا ابنَ البتـولِ يا زينةَ العـــلمِ زيـنَ الأدبْ

كأنّي بشمرٍ مكبَّاً عليكَ   ***   ويلٌ لشمــرٍ على مـن أكبْ

ومهرُكَ ماضٍ مُخلّى العنانِ خضيبَ اللبابِ خضيـبَ اللببْ

وقد أجلتِ الحربُ عن نسوةٍ سقتها يدُ الحربِ كأسَ الحربْ

يلاحظنَ وجهَك فوقَ القناةِ  ***  ويذهبنَ باللحظِ أنَّى ذهبْ

فبوركتِ مرثيةً حُلّيتْ   ***   من الحلي بالمنتقى المنتجب

إلى ضبَّةِ الكوفةِ الأكرمين   ***   تنسبُ أكرمْ بهذا النسبْ

إلى القائمين بحقِّ الوصــــــــيِّ عندَ الرضاءِ وعندَ الغضبْ

وللصنوبري في حق أهل البيت قصائد كثيرة ضمن فيها مناقبهم وفضائلهم وبكى وأبكى على مصابهم:

حيِّ ولا تسأمِ التحياتِ   ***   وناجِ ما اسطعتَ من مناجاةِ

حيِّ دياراً أضحتْ معالمُها  ***  بالطفِّ معلومةَ العـلاماتِ

وقلْ لها يا ديــــارُ آلِ رســـــــــــولِ اللهِ يا معدنَ الرسالاتِ

وقلْ عليكِ السلامُ ما انبـــرتِ الشمـــسُ أو البـدرُ للبـــريَّاتِ

هُمْ مناخُ الهدى ومنتجعُ الوحـــــــــــيّ ومستـوطنُ الهداياتِ

إن يَتلُ تالي الكتابِ فضلهمُ  ***   يتلُ صنوفاً من التلاواتِ

خُصُّوا تلكَ الآيات تكرمةً   ***   أكرمْ بتلـــكَ الآياتِ آياتِ

هُمْ خيرُ ماشٍ مشى على قدمٍ ** وخيرُ مَنْ يمتطي المطيّاتِ

هُمْ علّموا العالمينَ أن عبـــدوا اللهَ وألغــــوا عبـــــادةَ اللاتِ

عجتُ بأبيـــــاتِهمْ أسائلها   ***   فعُجتُ منها بخيـــرِ أبياتِ

على قبورٍ زكيــةٍ ضمنتْ   ***   لحودُها أعظــــماً زكيّاتِ

أذكى نسيماً لمن ينسِّمُها   ***   من زهراتِ الربى الذكيّاتِ

واصلَها الغيثُ بالغدوِّ ولا   ***   صارمَها الغيثُ بالعشيَّاتِ

الشافعونَ المُشفعــونَ إذا   ***   ما لمْ يشفِّعْ ذوو الشفاعاتِ

من حينَ ماتوا أحْيُوا، وليسَ كمنْ *أحياؤهمْ في عدادِ أمواتِ

جلّت رزاياهمُ فلستُ أرى   ***   بعد رزيـــــــاتهمْ رزيّاتِ

ولا تخلو قصائده من رثاء سيد الشهداء (ع)

نوحا على سيدي الحسينِ نعمْ * نوحا على سيدي بنِ ساداتِ

نوحاً تنوحا منهُ على شرفٍ   ***  مجدّلٌ بيـــــن مشرفيَّاتِ

ذقنا بروقَ السيوفِ من دمه   ***   مـرارةً فاقتِ المراراتِ

كأنني بالدمــــــاءِ منه على   ***   خيرِ تـــراقُ وخيرِ لبَّاتِ

ذيدَ حسينٌ عن الفــراتِ فيا   ***   بليّةً أثمـــــــــرتْ بليَّاتِ

لم يستطعْ وربّه وقد شربتْ   ** من دمِهِ المرهفاتُ شرباتِ

ما لكَ ما غُرتَ يا فراتُ ولم   *** تسقِ الخبيثينَ والخبيثاتِ

كمْ فاطميينَ منكَ قد فُطموا   ***   من غيرِ جرمٍ وفاطمياتِ

ويلُ يزيدَ غداةَ يَقـــرعُ بالقـــــــــــــضيبِ من سيّدي الثنياتِ

فزِدْ يزيداً لعناً وأســـــرتَه   ***   من ناصبـــيٍّ ونـاصبياتِ

العنه والعنْ من ليسَ يلعنه   ***   ثُبتْ بذا أفضـلِ المثوباتِ

الجنُّ والأنــسُ والملائكةُ الـــــــــــكرامُ تبكي بـــــلا محاشاةِ

على خضيبِ الأطرافِ من دمِه *يا هولَ أطرافِه الخضيباتِ

فـي لمَّةٍ من بني أبيهِ حوتْ   ***   طيـبَ الأبوّاتِ والبنوّاتِ

مَن يسلْ وقتاً فإنَّ ذكـــرهمُ   ***   مُجدَّدٌ لي في كلِّ أوقاتي

بهم أجازى يومَ الحسابِ إذا   ** ما حُوسبَ الخلقُ للمجازاةِ

تجارتي حبُّهمْ وحبُّــــهمُ   ***   ما زالَ من أربحِ التجاراتِ

وفي رثاء الإمام الحسين (ع) أيضاً:

لوعةٌ ما تزحرحُ   ***   وجوىً ليسَ يبرحُ

وشجىً ما أزالُ أفـــيــقُ منــــــــــه وأصبحُ

وأسىً كلّما خَبـا   ***   خـبــــوةٌ عادَ يقدحُ

وحسودٌ يحـــاولُ الـــــجدَّ من حـــيثُ يمزحُ

فهوَ يأسو إذا حضــــــرتُ وإن غــبتُ يقدحُ

فمداجٍ مـواربٌ   ***  ومبيــــــــنٌ مُصرِّحُ

كابنِ آوى يعـــوي ورايَ وكالكـــــلبِ ينبحُ

عجبي للخطــــوبِ تبــــــرحُ فيــــنا وتسنحُ

لطلابي لراحة الـــــــعيـش والمـوتُ أروحُ

قلْ لباغي ربحٍ بمــــــدحٍ إذا ظــــــلَّ يمدحُ

مدحُ آلِ النبيِّ يا   ***   باغيَ الربحِ أربحُ

مَن بهمْ تُمنــحُ النجــــــاةُ غداً حيــــنَ تُمنحُ

وبهمْ تصــلحُ الأمـــــــورُ التي ليس تصلحُ

ما فصيحٌ إلّا وهمْ   **  بالعلى منه أفصحُ

سبقوا شرح ذي النهى * بنهىً ليسَ تشرحُ

هم على المعتفيــــن أوسعُ أيـــــــدٍ وأفسحُ

كلّما وُوزنوا   ***   به فهــــمُ منه أرجحُ

طيَّر النارَ في الحشا  * طائرٌ ظلَّ يـصدحُ

ناحَ شجواً وما درى  *** أنني مـنهُ أنوحُ

أنا أشجى منه فــؤاداً وأضـــــــنى وأقرحُ

لي فوادٌ بنــــــــارِهِ   ***   كلُّ يومٍ مُلوِّحُ

وحشاً ما المدى   *  مدىً حُرقاتي يُشرَّحُ

للحسينِ الذي الشـــــؤونُ بذكـــــراهُ تسفحُ

لابنِ مَن قــامَ بالنصيـــــحةِ إذ قـامَ يَنصحُ

الذبيحِ الذبيحِ مــن عطشٍ وهـــــــــوَ يذبحُ

من رأى ابنَ النبـــيِّ في دمِـهِ كيـفَ يسبحُ

طامحاً طرفَه إلى   *** أهلِه حيـنَ تطمحُ

يطبقُ العينَ وهو في   ** كربــاتٍ ويفتحُ

بي جوىً للحسيــنِ يـــــؤلمُ قـلبــي ويقرحُ

أبطحيٌّ ما إن حوى  ***  مـثله قط أبطحُ

تلمحُ المكرماتُ من *** طرفِهِ حين يلمحُ

أيّ قبرٍ بالطفِّ أضــحــى به الطفُّ يُبجحُ

بأبي الطفُّ مطرحاً   * للعلى فيهِ مطرحُ

ظاهرُ الأرضِ منه تحــزنُ والبطنُ تفرحُ

ما لسفرٍ بالطفِّ أمــسُوا حلولاً وأصبحوا

مِن صريعٍ على جــوانبِــــــه الطيرُ جُنّحُ

وطريحٍ على محــــاسِنِه التـــربُ يُطرحُ

فلحى اللهُ مستبيـــــــحي حِماهمْ وقد لُحوا

ما قبيحٌ إلّا وما ارتـــــــكبَ القـــومُ أقبحُ

آل بيتِ النبيِّ ماليَ عنـــكمْ تـــــــزحزحُ

أفلحَ السالكــــونَ ظــلَّ هــداكمْ وأنجحوا

أنا في ذاك لا سوى * ذاكَ أسعى وأكدحُ

فعسى الله عن ذنــــــوبي يعفو ويصفــحُ

ولا يفتأ الصنوبري يستذكر أحداث يوم عاشوراء وقد أفعم قوافيه بذكر الحسين (عليه السلام):

ذكرُ يومِ الحسينِ بالطفِّ أودى * بصماخي فلمْ يدعْ لي صماخا

متبعاتٌ نسأؤه النوحَ نوحاً  ***  رافعاتٌ إثرَ الصراخِ صراخا

منعوهُ ماءَ الفراتِ وظـــلّوا   ***   يتعـــاطونَه زلالاً نُقـــــاخا

بأبي عترةَ النبــــــيِّ وأمِّي   ***   سَدَّ عنهمْ معــــاندٌ أصماخا

خيرُ ذا الخلقِ صبيةً وشباباً   ***   وكهولاً وخيـــرهمْ أشياخا

أخذوا صدرَ مفخرِ العزِّ مُذْ كـــانوا وخلّوا للعــــالمينَ المِخاخا

النقيّونَ حيث كانوا جيوباً   *** حيث لا تأمنُ الجيوبُ اتّساخا

يألفونَ الطوى إذا ألِفَ النـــاسُ اشتــــواءً من فيئـــهمْ واطّباخا

خُلقوا أسخياءً لا متـــساخيـــــنَ وليسَ السخـــــيُّ من يَتساخى

أهلُ فضلٍ تناسخوا الفضلَ شيباً  * وشباباً أكرم بذاكَ انتساخا

يا ابنَ بنتِ النبيِّ أكرمْ به ابـــــناً وبأسنـــــــــاخِ جدِّهِ اسنــاخا

وابنَ مَن وازرَ النبيَّ ووالاهُ وصـــــافاهُ في الغديـــــرِ وواخا

وابنَ من كانَ للكريهةِ ركّــــاباً وفي وجــــــــهِ هولِها رسَّاخا

للطلى تحت قسطلِ الحربِ ضــرّاباً وللهامِ في الوغى شدَّاخا

ذو الدماءِ التي يطيلُ مواليــــهِ اختضــــــاباً بطيبِها والتطاخا

ما عليكم أناخَ كلكـــــله الدهـــرُ ولكنْ على الأنـــــــــامِ أناخا

ويسخِّر الصنوبري جلَّ قوافيه ليوم الطف:

يا حاديَ الركبِ أنخْ يا حادي * ما غيرُ وادي الطفِّ ليَّ بوادِ

يعتادني شوقي إلى الطفِّ فكــــنَّ مشاركي في سوميَ المعتادِ

للهِ أرضُ الطفٍّ أرضاً إنَّها أرضُ الهدى المعبودُ فيها الهادي

أرضُ يُحارُ الطرفُ في حائرِها *** مهما بدا فالنورُ منهُ بادِ

حيَّا الحيا الطفَّ وحيَّا أهلَه  ***   من رائحٍ مِنَ الحيا أو غادِ

حتى ترى أنوارَه موشيةً   ***   تزهي علـى موشيةِ الأبرادِ

زهوي بحبِّ المصطفى وآلهِ ** على الأعادي وعلى الحُسَّادِ

قومٌ عليٌّ منهمُ وابناه أفـــــــــديهمْ بآبـــــــــائي وبالأجــــــدادِ

همُ الألى ليسَ لهمْ في فخرِهم   ***  نِدٌّ وحاشاهمْ منَ الأندادِ

يا دمعُ أسعدني ولستَ منصِفي يا دمعُ إن قصَّرتَ في إسعادي

ما أنسَ لا أنسى الحسينَ والألى بـاعوا به الإصلاحَ بالإفسادِ

لمَّا رآهم أشرعوا صمَّ القنا *** وجرَّدوا البيضَ مِن الأغمادِ

نازعهـــمْ إرثَ أبيهِ قائلاً   ***   أليسَ إرثُ الأبِ لـــلأولادِ

أنا الحسينُ بن عــليٍّ أسدُ الـــــروحِ الذي يعلو عـــلى الآسادِ

فاضمروا الصدقَ له وأظهروا * قـولَ مصرِّين على الأحقادِ

ففارقَ الدنيا فديـــــناهُ وهلْ   ***   لذائقٍ كأسَ المنــــايا فادِ

ولمْ يَرُم زاداً سوى الماءِ فما **  أن زوَّدوهُ منه بعضَ الزادِ

أروى الترابَ ابنُ عليٍّ من دمٍ  ***  أيَّ دمٍ وابنُ عليٍّ صادِ

تلكَ الصفايا من بناتِ المصطفى *في ملكِ أوغادٍ بني أوغادِ

قريحةٌ أكبـــــــادُها يملكُها   ***   عصــــابةٌ غليظةٌ الأكبادِ

لذا غدتْ أيـــــــامُنا مآتِماً   ***   وكنَّ كالأعراسِ والأعيادِ

وفي الحسين أيضاً:

سِيرا إِذاُ لن تسيرا   ***   عِيراً تُنَـاقِل عِيرا

محمَّلاتٍ ظهــوراً   ***   وَمُوقَـراتٍ نُذورا

زورا بيثربَ قبراً   ***   وبالعـــراقِ قبورا

زورا ولا تسأما ما   *** حُـيِّيتـما أَنْ تزورا

زورا النبيَّ وزورا   *** وصيَّه والـوزيرا

زورا الشموسَ شموسَ الأيام زُورا البدورا

محمداً وعـــــــليّاً   ***  وشـبَّــــراً وشبيرا

صلَّى الإلهُ على من ***  أَتـى بَشيراً نَذيرا

ومن مضى خاتَم الرُّسْـــلِ والسراجَ المنيرا

ومن به بـــشَّر الركـــــبَ من قريـشٍ بحيرا

وزاد فــــاطمةَ الطُّهــــــرَ كلَّ يـــومٍ طَهُورا

يا عينُ فيضي رَواحاً *  لهمْ وفيضي بُكُورا

فيضي لحمزةَ أو للعبَــــــــاسِ فيضاً غزيرا

عَمَّيْه زادهـــما مَنْ كســاهمـــــا النورَ نورا

المُطْفِئَيْنِ لظَــى الحـــــربِ دونـه والسَّعيرا

ولم أزلْ منذ خاضَتْ *** بيَ الأُمورُ أمورا

يَهيجني ذكـــرُ يومِ الــــــطيّارِ حتــى أطيرا

أقولُ والقولُ يبقى   *** بعدَ الدهورِ دهورا

دُورَ الغريِّ ودوراً *** بالطفِّ حُيِّيتِ دُورا

كم قد حويت جبالاً *** وكم حويـتِ بحورا

أضحى الهُدَى في قبورٍ ** ضُمِّنْتها مقبورا

مُلِّيــــــت للفاطمييــــن لوعــــــــةً وزفيــرا

الأفضلينَ جِهاداً   ***  والأفضلينَ نصيرا

الصائمينَ المصلِّيــــــــن طُهِّـــروا تَطْهيرا

والمنطوينَ بُطوناً  ***  والمنحنينَ ظُهورا

والمطعمين يتيماً   ***  والمطعمينَ أسيرا

أَهلُ الكســـاءِ الأَجلّيــــــــنَ منبراً وسريرا

من لم يزل جبرئيـــــــلٌ ردءاً لهمْ وظهيرا

لهفي عليهم ليوثاً *** لهفي عليهمْ صقورا

بغى عليهمْ حمارٌ ***  باغٍ يسوسُ حميرا

وكان ينقصُ مذ كـــــــان ناقصـــاً مَبْتُورا

يومَ الحسينِ على الدينِ كنتَ يوماً عسيرا

مَلأتِ واللهِ كرباً **يا (كربلاءُ) الصٌّدورا

كأَنني بِرَحى الحربِ أوشـــكتْ أن تدورا

والفاطميّونَ تقريــــــهمُ السيوفُ الطيورا

والفاطمياتُ يُنْحَرْنَ بــــــالدُّموعِ النُّحورا

يا عصبةً لم تًخفْ مِــــن إلهها أَنْ تجورا

يا عصبةً لم تراقــــــبْ قرآنَهُ المسْطُورا

ألم يكنْ حمـلُ رأسِ الـحسينِ خَطْباً كبيرا

ألم يكنْ منعُـهُ المـــاءَ كـان شيـــــئاً نكيرا

يا من يذودُ حسيـناً *  عن الفراتِ فجورا

تذود عنه حسينـاً *** بغياً وتسقي البعيرا

غداً تطورُ بحـــوضِ النـبيِّ لا أَنْ تَـطُورا

يا قوم ماذا جنى القــــــــومُ دُمِّروا تدميرا

أكان هتكُ حريمِ الــــــــحسينِ أمراً حقيرا

أكانَ قَرْعُ ثنايـــــــــاهُ بالقضيــــــبِ يَسيرا

سبحانَ مَن يُمْسِكُ الأرضَ حِلْمُهُ أنْ تَمُورا

أبحتـــمُ من أبيه   ***   وجدِّهِ محـــظورا

ثأرتمُ أهْلَ بدرٍ   ***   لمــا وجدتمْ ثُؤورا

نفسي تقي أُمَّ كُلثـــــــومٍ الرَّدى والشُرورا

لو أَنَّ شيعتَها اليـــومَ أمسِ كانوا حُضورا

إِذنْ لظُّلوا يُضــــاهونَ بالزئيــــرِ الزئيرا

فيكلمونَ كُلوماً   ***   وَيَثْغَــرُونَ ثغورا

وينظمون نُحوراً ** من العِدَى وَسُـحورا

وينحرون يزيداً ** نَحْرَ الحجيجِ الجَزُورا

ويبقى الطف متجسِّداً في ضمير الشاعر:

سِرْ راشداً يا أيُّها السائرُ *** ما حارَ مَن مقصدُهُ الـحائرُ

ما حارَ من زارَ إمامَ الهدى ** خيرَ مزورٍ زارَه الـزائرُ

مَن جدُّه أطهرُ جدٍّ ومَن  ***  أبوهُ لا شكَّ الأبُ الـطاهرُ

مقاسمُ النـــارِ، له المسلمُ الــــــــمؤمنُ مِنّا، ولـهــا الكافرُ

دانَ بدينِ الحقِّ طفلاً وما *** أن دانَ لا بـادٍ ولا حاضرُ

الواردُ الكهفَ على فتيةٍ  ***   لا واردٌ مـنهمْ ولا صادرُ

حتى إذا سلّم ردُّوا وفي   ***   ردِّهــــمُ ما يخبرُ الخابرُ

أذكرُ شجوي ببني هاشمٍ * شجوي الذي يَشجي به الذاكرُ

أذكرهمُ ما ضحكَ الروضُ أو * ما ناحَ فيهِ وبكى الطائرُ

يومُ الحسينِ ابتزَّ صبري فما منيَ لا الصبـرُ ولا الصابرُ

لهفي على مولايَ مُستنصراً *غُيِّبَ عن نصـرتِهِ الناصرُ

حتى إذا دارَ بما ساءنا   ***   على الحسينِ القدرُ الدائرُ

خرَّ يضاهي قمراً زاهراً   ***   وأينَ منه القمرُ الزاهرُ

وأمُّ كلثومٍ ونســـــــوانُها   ***   بمنظرٍ يكبـــــرهُ الناظرُ

يُسارقُ الطرفُ إليها وقد ***   أنحى على منحرِهِ الناحرُ

فالدمعُ من مقلتِه قاطـرٌ   ***   والدمعُ من مقلتِـــها قاطرُ

يا مَنْ همُ الصفوةُ من هاشمٍ  ***   يعرِفُها الأوّلُ والآخرُ

ذا الشاعر الضبيُّ يلقى بكمْ ***  ما ليسَ يلقى بكمُ شاعرُ

وهو يتأسى بمصائب أهل البيت (عليهم السلام) في هذه الدنيا:

وفي أهل بيتِ المصطفى أُسْوَةٌ لنا * بأمثالـها تُوْسى الكلومُ إذا تُوسى

عليٌّ وسبطاهُ وعمَّاهُ كُلُّهُمْ * كأنْ لم يزلْ مذ كانَ في الرمسِ مرموسا

سلِ الطفَّ عنهمْ والغريَّ ويثرباً * وفخّاً وباخمرى وسلْ عنهمُ طوسا

أصابَ بني الشوسِ الغَطَارِفَةِ الذي أَصابَ الأبوَّاتِ الغطارفةُ الشُّوسا

وقال من قصيدة في مدح ورثاء أهل البيت (عليهم السلام) ومنها في مدح سيد الأنبياء محمد:

خاتمُ الرسلِ والمميـــحُ رياشَ الـــــــفضلِ للمستميحِ منه الرياشا

صاحبُ الحوضِ ضامنُ الريِّ في يومٍ يسودُ الرواءُ فيه العطاشا

مثقبُ الـنورِ للبريـةِ نورُ الــعــدلِ من بعد مـــــــــا خبا وتلاشى

للذي قالَ للمريدِ اقتصاصاً ***   إقتصصْ ما تريد مني عكاشـا

هـوَ خش التقى بغير خشاشٍ * ثم أعـطى الوصيَّ ذاك الخشاشا

وفي أمير المؤمنين يقول:

حبشُ المأزق الممـــــزقُ بالسيــــــفِ وبالرمـحِ دونه الأحباشـا

لم يطشْ سهمَـه ببدرٍ ولا أحــــــدٍ ولا كانَ في حنيــــنٍ مُطاشـا

بل أبادَ الأسودَ يومَ حنيـنٍ   ***   أسـدٌ يتركُ الأسـودَ خِشـاشـا

يومَ تاهـتْ به السيوفُ مصاعاً *** وتباهتْ به الرماحُ قـراشا

وكأن الأحزابَ كانوا جراداً ***   وكأن اليهـودَ كانـوا فراشـا

ومنها في رثاء الحسين (عليه السلام) يقول:

يـا بني أحمدَ هواكمْ هوى   ***  خالـطَ مِنّا مخــــاخّنا والمشاشا

جادَ قبراً بـ (كربلاءَ) رشاشَ الغيثِ ما اسطاعتِ الغيوثُ رشاشا

واستجاشَ الـربيعُ فيها جيـوشاً من جيـوشِ الربيعِ فيهـا استجاشا

نقـشتْ روضَهـا أكـفُّ حياهـا *** وكفى الـروضُ بالحيا نقّـاشـا

فهناكَ النقـيُّ جيبـاً من الـفحــشــــــــاءِ ما رامَ مفـــحشٌ إفحـاشـا

لا المراشي ولا المصانعُ في الديـــنِ إذا صانعاً لمريبٍ وحاشى

وابلٌ من تقـىً هـزيمً الشـآبيــــــبِ إذا الأتقيــــــاءُ كانـوا طشاشا

ما ذكرتُ الحسينَ بالطفِّ إلا * جاشَ صدري بما ذكرتُ وجاشا

حينَ أعطى الأعنّةَ الخيـــــــلَ أوبـــــاشَ يـزيدَ تبـاً لـهمْ أوبـاشـا

طمعـاً أن يلـقَّبـوا نصـاحـاً لـيـــــــزيـدَ فلـقّـبـوا غُــــــــــــشّـاشـا

ورجاءً أن يدهشوا المنجدَ النجــدَ الذي ليــــسَ يرهبُ الإدهـاشـا

فلقـوا منـه أثبتَ الناسِ جيشـاً * حينَ يلقـى، وأثـبتَ الـناسِ جاشا

حـولاً قـلـباً يقــــــــارعُ من قــــارعَ لا هـائـبــــــــاً ولا طـيَّـاشـا

عالـيـاً أرؤسَ الكبـاشِ بشــــــدَّات يغــــــادرنَ كالنعاجِ الكـبـاشـا

ذائداً عـن حشاشةِ النفسِ حتى ** لمْ يدعْ للنفـوسِ منهمْ حشـاشـا

فتظنـوا من صــــولةِ ابنِ علـيٍّ   ***   فـيـهـمُ أنـه علـيٌّ عـاشـا

نـاوشـوهُ دونَ الفراتِ و لـولا * سابقُ الحكمِ مـا أطاقـوا النـواشا

فثنى من عنانِـه وهـو عطشـــــــانٌ وليستْ منه الرمـاحُ عُطاشـا

ودعتـه علـى غشـاشٍ نسـاءٌ  *** ما اشتفى من وداعِهنَّ غشاشا

كـلّـمـا رامَ للـنسـاءِ وداعـاً   ***   كـامشـوهُ دون الوداعِ كماشـا

غادروا ابنَ النبيِّ مفترشـاً فرشَ الصحاري يا هولَ ذاكَ افتراشا

وفروا منه موضعاً كان يؤذي *** جـدَّه أن يحـسَّ فيـه انخداشـا

علّمتني الإجهاشُ قتلى على الطــــفِّ وما كنتُ أحسِنُ الإجهـاشا

وأسىً نِيطَ بـالـنيـاطِ حكى في ***   نهشِــه الـقلبَ أرقمـاً نهّـاشـا

وقال في (كربلاء) أيضاً التي لا ينساها الشاعر أبداً يقول:

يا (كربلاءُ) أمَا لي فيكِ مبترضٌ * على الثناءِ فأبغي فيكِ مُــبترضا

إن يعقلَ الجسمُ أو يأبضْ فما عقلَ الـشوقُ المملكُ أحشائي ولا أبضا

مَنْ لي إذا هِممي جالتْ بمعتزمٍ يجيلُ تحتَ الدياجي الحزمَ والغمضا

عادى فـؤادي سلوي في محبتِه * آلَ الرسولِ وعـادى جفنيَ الغمضا

ما زلتُ أمحضهمْ محضَ الودادِ وما  أودّ ودّ سوى من ودَّهمْ محضا

هوى بني هاشمٍ فرضٌ وأقومنا * على السبيلِ الألى قاموا بما فرضا

الناقضينَ من اللأواءِ مبرمَها *** والمبرمينَ من النعماءِ مـا انتقضـا

كانَ الزمانُ فضا حتى إذا ملكوا *** تمييزَه ميَّزوا فأنمـازَ كـل فضـا

ومنها:

أهدي قريضي وأهديـــــه وودِّي لو *** أهدى القريضَ إليه كل من قرضا

إن أعترضْ حبّ أصحابِ الكساءِ أجدْ * حُبيهمْ جوهراً في القلبِ لا عرضا

خلِّ الربى والأضا واحللْ بسـاحتِهم *** تحللْ بخـيرِ ربىً منهمْ وخيرِ أضا

همُ الحصونُ حصونُ العزِّ آونة   ***  إذا امرؤٌ لـم يجدْ حصناً ولا ربضـا

همْ زبدةُ الفخرِ عنهمْ في القديمِ وفي الحديثِ صرَّحَ محضُ الفخرِ إذ مُخضا

يزدادُ فخرُ سواهمْ عندَ فخرهمُ ***   ضيقاً وإن طالَ ذاكَ الفخرُ أو عرضا

من كان حشوُ حشاهُ غيــرَ حبّهم *** لا كانَ حشوُ حشاهُ غيــرَ جـمرِ غضا

صلاةُ ربّي علـى أبناءِ فاطمـةِ * مـا استيقظ الطرفُ من غمضٍ وما غمضا

وددتُ من ودِّ مولايَ الحسينِ كما  ***  رفـضتُ رافـضَه جـهلاً بما رفضا

سلّم على نـازلٍ بالـطـــــفِّ منزلَـه   ***   إنَّ الـسلامَ عـلـيه كـانَ مُفـترضا

على الحسينِ على سبطِ الرسولِ على الــــــــمقبوضِ مشتهياً للماءِ إذ قُبضا

من كانَ في مغرسِ الإسلامِ مغرسُه *قضى على مهجةِ الإسلامِ حين قضى

ومنها يرثي الإمام الحسين وأهل بيته الشهداء:

إذا ذكرتُ على الرمضاءِ مصرعَهم ***برَّدتُ بالدمعِ صدراً طالمـا رمضا

قـومٌ بفضـلِهمُ صحَّ الـزمانُ لـنا   ***   حتى إذا مــا عُدمنا فضلـهمْ مرضا

أضحتْ محـاسنُ دُنيانا وقد قبُحتْ *** من بعدهمْ والمـذاقُ الحلوُّ قد حمضا

وأبغضُ العيشِ ذو اللبِّ الأصيلِ وما **أنْ أبغضَ الـعيشَ إلا بعدمـا بغضـا

مضى لهمْ إذ مضى بين العدى زمنٌ ** كـانتْ سيــوفُ المنايا فيهمُ ومضـا

في عصرِ جورٍ أقاموا فيه ترشقهمْ  ***  سهـامُ جـورٍ أقـامتهمْ لـها غرضـا

وفي أمير المؤمنين (عليه السلام) وفضائله التي عمّت المشرقين يقول:

قفِ الركبَ العجالَ قفِ *** نلمَّ بساكني النَّجَفِ

نلمَّ بروضةٍ أكْرِمْ بـــها مــــن روضــــــةٍ أُنُفِ

بمختلفٍ لأبكارٍ الســـــــحائبِ أيِّ مــــــــختلفِ

مدبّجةٌ رفارفُ بســـــــــــــطها موشيَّة السُّجُفِ

ترى أَنـــــــوارَها ما بيــــــــنَ مُفْتَرِقٍ وَمُؤتَلِفِ

كمذهبةِ السُّطورِ يَلُحْـنَ حين يَلُحْنَ في الصحفِ

ترى طَرْفَ الأقاحي بيـنها من أطْرَفِ الطُّرَفِ

كجاماتِ العقيقِ لها ***   مـن البِلَّوْرِ كالشُّرَفِ

وذا لكرامةِ الجدفِ الـــــــــذي أفديه مِنْ جَدَفِ

فحيـثُ تصرَّفَتْ هممي *إلى مَنْ فيه منصرفي

صَفِيّ المصطفى وكفى فصفْ أوْ لا فلا تَصِفِ

أخـوه وصهرُهُ وظهيـــــــــرُه في موقفِ التلفِ

وكاشفُ همِّهِ أبداً   ***   بوجهٍ فيــــه منكشفِ

حباهُ بالوصيَّةِ إِذ  ***  حبــــــاه وهـو ذو دَنَفِ

يقولُ له وقد عرق الــــــــجبينُ مقالَ ذي لطفِ

عليُّ دنا الفراق فكنـــــــــــتَ إِذ فارقْتَني خلفي

وَقَرَّبَهُ وعـــــانَقَهُ   ***  عنـــــاقَ اللامِ للألِفِ

وودَّعه وَأَدْمُـــعُه   ***   أَسـىً إِلاَّ تَفِضْ تَكِف

فذاك البَرُّ إِنْ أَحْلِـــفْ فإنــــــــي البَرُّ في حلفي

أتيح له المراديُّ الـــــلئيمُ الأصــــــلِ والطَّرَفِ

أتاهُ وهوَ في المحـــــرابِ في ثوبٍ من السّدفِ

بمصقولٍ قضيفِ حـــــــــــدّه في غايةِ القَضَفِ

وذاك لِزُلْفَــــــةٍ جازته أقصــــــى مَدَى الزُّلَف

فزادَ اللهُ مــــــولانا   ***   به تُحَفاً إلـى تُحَف

وأسكنه به غرفاً   ***   مضافاتٍ إلـى غرف

يدومُ بقاءُ ساكنها   ***   بلا هَــرَمٍ ولا خَرَف

ألا يا خاتمَ الرسلِ الــــــــذي هوَ خاتمُ الشرفِ

ألمْ تَرَ ما اتفقنا في الـــــــحُسَيْنِ عليهِ مِنْ كَلفِ

ومِنْ قَلَقٍ ومن جَزَعٍ *** ومن كَمَدٍ ومن أَسَفِ

تناوَلَهُ العُداةُ تنــــاولاً بالخُــــــــــــرْقِ والعُنُفِ

ولم يُبْقوا على مـتــــهجّدٍ وأبيـــــــــــه معتَكفِ

كأن لم يُرْجَ في دنيا   ***  وآخــرةٍ ولم يُخَفِ

ولم يُهْلِلْ بتلبيـــةٍ   ***   ولم ينْسُكْ ولم يَطُفِ

بنفسي ذاك من خَلَفٍ ***  تحلَّى حِلْيَةَ السَّـلَفِ

عزيزُ العزِّ ذو أَنَفٍ ***  له فضلٌ على الأنَفِ

جوادٌ جوده سَرَفٌ  ***  وما هُوَ منه بالسَّرفِ

يحيِّي مَنْ يُحَيِّيـــــه   ***   بلا تيهٍ ولا صَلَف

أتاه حِمامُهُ نَصَفاً   *** بنفسي ذاكَ مِنْ نَصَفِ

فيا عبراتيَ ابتدرِي ***  على الخـدَّيْنِ لا تقفي

لمكتنفٍ بأسيافِ الأعــــادي أيّ مكتنــــــــــفِ

تَزَاحَمَ نَبْلُهُمْ فيه   ***   تَزَاحُمَهُنَّ فـي الهـدفِ

وما يأوي إلى حِرْزٍ   *** ولا وَزَرٍ ولا كَنَـفِ

حَمَتْهُ من الفراتِ حمـــــاتُهُمْ بالبيضِ والحجَفِ

متى ما يدنُ من جُرُفٍ ** يذودوهُ عن الجُرُفِ

فَيُصرَفُ عنه ذا ظمأٍ *** مقيمٌ غيرُ منصرفِ

تغيَّبَ جــــدُّه عنه   ***   فأُقصيَ بَعدَهُ وجُفي

يعزُّ على مُلاطِــفِهِ   ***   بأنـواعٍ من اللُّطُفِ

على مَن كانَ يَحمِلُهُ ***  على الكفًّين والكَتِفِ

فعالُ العُصبةِ الحُيُف الـــتي من أَحيَفِ الحُيُفِ

أآلَ المصطفى يا خيــــــــــرَ مؤتزَرٍ ومُلتَحَفِ

ويا سُقُفَ العلى المتعــاليات على عُلى السُّقُفِ

متى قِسنا إليكمْ ذا  ***   ندىً ماضٍ ومؤتَنَفِ

نقِسْ صدفاً بلا درٍّ   ***   إلى دُرٍّ بلا صَدَفِ

هيّ الضبيَّةُ اعرفْ لَفْــــظَها الضبيَّ واعترفِ

وفي مناقب وفضائل أمير المؤمنين ومنزلته العظيمة عند الله ورسوله يقف الصنوبري أمام هذه العظمة بإجلال وهو في محراب أخي رسول الله, ووالد سبطيه, وزوج ابنته سيدة نساء العالمين, وأول من صلى مع النبي, وحل منه محل هارون من موسى, ورُدّت له الشمس حتى صلى, فيقول:

أليـسَ مَـن حَـلَّ مِنـهُ فـي أخُوَّتِـه * مَحلَّ هَارونَ مِن مُوسَى بن عِمْرَانِ؟

صَلَّى إلى القِبلتَينِ المُقتَدَى بِهِمَا ***  والنَّـاس عَن ذَلِكَ في صُمٍّ وعُميَانِ

مَا مِثل زَوجتِـه أخرَى يُقاسُ بِهَا   ***  وَلا يُقَـاسُ إلى سِـبـطَيهِ سِـبْطَانِ

فَمُضْمِر الحُبِّ في نُورٍ يَخصّ بِهِ * ومُضْمِـر البُغضِ مَخصُوصٍ بِنِيرانِ

رُدّتْ له الشمسُ في أفلاكِها فقضى ***  صلاتَه غيرَ مــــا ساهٍ ولا وانِ

هذا غـدا مَالـك فـي النَّـار يَملكُـها *** وذاكَ رِضْــــوانٌ يَلقَـاهُ بِرضـوَانِ

قَـالَ النَّبـيُّ لـه: أشـقَى البريَّـة يـا   ***   علــي إن ذكـرَ الأشـقى شَـقيَّانِ

هذا عَصَى صـالحاً في عقْـرِ نَاقَتِـه  ***  وذاكَ فيـكَ سَـيَلقاني بِعصــيَانِ

لِيخضـبَنَّ هـذِهِ مـِن ذَا أبَا حَسَـنٍ ***   في حِين يخضـبُهَا من أحمرٍ قَانِي

نِعْمَ الشـهيدان رَبّ العَرش يَشـهدُ لِي ***  والخَلـق أنَّهمـا نِعْـمَ الشـهيدانِ

مَنْ ذَا يعزِّي النَّبي المصطَفَى بِهِمـا * مَن ذَا يُعزِّيــه مِن قَاصٍ ومِن دَانِي

مَـنْ ذا لِفاطِمَـة اللّهفَــى يُنبِّئهَــا   ***   عَـن بَعلِهـــــا وابنِهـا أنبَـاءَ لَهْفَانِ

مَن قَايَضَ النَّفس فِي المِحرَابِ مُنتَصِبٌ وقايضَ النَّفسَ في الهَيجَاء عَطْشَانِ

نَجْمَانِ في الأرضِ بَلْ بَدرانِ قَد أفَـلا * نعمْ وشَـمـسَانِ أمَـا قلتَ شَـمسَانِ

سَيْفان يغمـد سَـيفَ الحَربِ إنْ بَرَزا ***   وفـي يَمِينِهِمـا للحَـربِ سَـيفَانِ

ويعود الشاعر إلى الطف ليصور ويبكي المشهد الذي أبكى ملائكة السماء:

عوجا على الطفِّ المطايا ***  ما طورُه أطرُ الحنايا

عوجا الرزايا الزائـــراتُ الطـــــــفِّ بالزورِ الرزايا

ولّت ولاياها وولّـــى مـــــا يلــــــــــــــي تلكَ الولايا

إلّا نضـــــــــــايا أنفسٍ ***   غُودرنَ أيضاً النضايا

فهناكَ مثوى الأصفيــــــاءِ المنتميــــــنِ إلى الصفايا

المرتدينَ من السخــــــايا خيــــــــــرَ أرديةِ السخايا

والرافدي من يعتريـــــــــــــهمْ في العشياتِ العرايا

لسقوا لفخرٍ غودرتْ   ***   معه البواسقُ كالرذايا

تلكَ العطايا الرافعــــــــــــاتُ رؤوسُها فوقَ العطايا

مُرَّا بمصرعِ فتــيةٍ   ***   مَرُّوا على سيفِ المنايا

دبَّ البلى فيــــــهمْ ودبَّــــت في بني الدنــــيا البلايا

شُلّتْ يدا راميـــــهمُ   ***   بغياً كما تُرمى الرمايا

فلقدْ قضى فيهمْ قضيــــــــــــــــة مستخفٍّ بالقضايا

لمْ يرعَ لا الموصِي ولا الموصَى إليهِ ولا الوصايا

نزفتْ ركاياً أدمعي  ***   بيدِ الأسى نزفَ الركايا

ابنُ النبــــيِّ مُعفَّرٌ   ***   وبناتُ فــــــاطمةٍ سبايا

سوقُ الطغاةِ إليه لا   ***   جادَ الحيا تلكَ السرايا

يا عصبةَ الخزي الألى ***   أبوا لدنْ آبوا خزايا

شنعتْ دنيتكمْ فـــأرستنا شنيعـــــــــــــــاتِ الدنايا

خيرُ البــرايا رأسُه   ***   يُهدى إلى شرِّ البرايا

لم يروِ من شربِ الفـراتِ بحيثُ تشـربُ بالروايا

لما تشظّى عنه أنــــــــــــارَ الهــــــدى إلا شظايا

لم يدرِ للصبيانِ يــــذرفُ دمعَه أم للصــــــــــبايا

تاللَهِ لا تخفى شجوني   ***   لا وعلّامِ الخفـــايا

ويزيدُ قد وضعَ القضيبَ من الـحسينِ على الثنايا

فهبوهُ ما استحيى النبيَّ ولا الوصــــــيَّ أما تحايا

بلْ آبَ وهو دريـــةِ   ***   للعنِ من شرِّ الدرايا

لا تخطينْ إنَّ السلوَّ *** عن الحسينِ من الخطايا

جلَّت رزيتُه لـــديَّ   ***  فـهوَّنتْ عندي الرزايا

تبكيهِ بالغدواتِ قطـــــــــــــــانُ الحطيمِ وبالعشايا

فاندبْ بقايا آلِ أحـــــــــــــــــــمدَ أنَّهمْ خيرُ البقايا

أضحوا ضحايا للعدى وهـمُ الألـى سنّوا الضحايا

ويتملك الشاعر الحزنُ وهو يستذكر ما جرى على أهل البيت من المصائب والمآسي:

مَا في المنازلِ حَاجةٌ نَقضِيهَا *** إلا السَّـــــلامُ وأدمُعٌ نذريهَـا

وتفجّعٌ للعيــــنِ فيها حَيثُ لا *** عَيــشٌ أوازِيـهِ بِعَيشـي فِيهَـا

أبْكي المَنازِلَ وهي لو تَدْري الَّذي بَعثَ البُكاءَ لَكُدْتُ أسـتَبْكِيهَا

باللهِ يـا دَمـع السـحَائِب سَـقِّهَا *** ولَئِن بخلْتَ فأدمُعي تَسـقِيهَا

يا مغرياً نفسي بوصفِ غريرةٍ  أغـريتَ عاصيةً على مُغريها

لا خيرَ في وصفِ النِّسَاء فأعفِنِي * عَمَّـا تُكلِّفُنِيـهِ مِن وَصفِيهَا

يا رُبَّ قَافِيَة حَلَا إمضاؤُهَا *** لَم يَحلُ مَمْضَاها إلى مُمضِيهَا

لا تطمعَنَّ النفس فـي إعطائِهَـا * شيئاً فتطلُبُ فـوق ما تُعطِيهَا

فكل غايته هو حب أهل البيت (ع) الذي كان متغلغلاً في روح الشاعر وكان ديدنه الجهر به:

حُـبُّ النَّبـي مُحمَّـدٍ ووَصـِيِّه ***  مَعْ حُبّ فاطمةٍ وحُبّ بَنِيهـا

أهلُ الكسـاءِ الخَمسةُ الغُرَرُ التي *  يَبنِي العُـلا بِعُلاهـمُ بَانيـهَا

كَم نِعمَـةً أوليـتَ يـا مَولاهُـمُ  ***  في حُبِّهِم فالحَمـدُ لِلْمُولِيهَـا

إنَّ السَّـفاهَ بتركِ مَدحِـي فِيهم *** فيحقُّ لي أنْ لا أكونَ سَفيهَا

هُم صفوَة الكَرَم الذي أصفِيهمُ * وُدِّي وأصفيتُ الَّذي يُصفِيهَا

أرجُو شَفَاعتَهم وتلكَ شَفاعَةٌ *** يَلتذّ بـردَ رجَـــائِهـا راجِيهَـا

صَلّوا على بِنتِ النَّبي مُحمَّدٍ *** بعد الصلاةِ على النَّبي أبيهَا

وابكُوا دِماءً لو تشاهِد سَـفكَها * في (كَربلاء) لمَّا وَنَت تَبكِيهَا

فأي هول جرى في كربلاء ؟ وأي دماءٍ قد سُفكت ؟

يا هَولَها بين العَمَائِم واللُّهَا ** تَجرِي وأسيافُ العِدَى تُجرِيهَا

تلكَ الدِّماء لوَ أنَّهَا تُوقَى إذاً ***  كانتْ دمـــاءُ العالمينَ تقيها

لو أنَّ منها قطرةٌ تُفدى إذاً  ***  كنا بِنـــــــــا وبغيرِنا نفديها

إنَّ الذينَ بَغوا إراقتَها بغوا ***  ميشومةَ العقبـى على باغيها

قتلَ ابنِ من أوصى إليه خيرُ مَن أوصى الوصايا قط أو يوصيها

ويقول في يوم الغدير يوم الولاية الكبرى:

رفعَ النبيُّ يمينَه بيميـــــنِه   ***   ليرى ارتفاعَ يمينِه رائيها

في موضعٍ أضحى عليه مُنبِّهاً ***   فيه وفيهِ يبدعُ التشبيـها

آخاهُ في ضمٍّ ونوَّهَ باسمِهِ   ***   لم يألُ في خيرٍ بهِ تنــويها

هوَ قالَ (أقضاكمْ عليٌّ) إنه *** أمضى قضيته التي يمضيها

هوَ لي كهارونٍ لموسى حبَّذا   *** تشبيهُ هـارونٍ به تشبيها

يوماهُ يومٌ للعدى يرويهمُ   ***   جــــوداً ويـومٌ للقنا يرويها

يسعُ الأنامَ مثوبةً وعقوبةً ***   كلتاهما تمضي لما يمضيها

بيدٍ لتشييدِ المعالي شطرُها  ***  ولهدمِ أعمـارِ العدى باقيها

ومضاءِ صبرٍ ما رأى راءٍ له * فيما رآهُ من الصدورِ شبيها

لو تاهَ فيه قومُ موسى مرةً * أخرى لأنسى قومَ موسى التيها

ولا ينسى في كل قصائده ذكرى الطف فيعرج عليها:

عوجا بدارِ الطفِّ بالدارِ التي ورث الهدى أهلوهُ عن أهليها

نبكي قبوراً إن بكينا غيرَها ***  بعضَ البكــاءِ فإنما نعنيها

نفدتْ حياتي في شجىً وكآبةٍ  *** للهِ مكتئـبُ الحياةِ شجيها

بأبي عفتْ منكمْ معالمُ أوجهٍ أضحى بها وجهُ الفخارِ وجِيها

مالي علمتُ سوى الصلاةِ عليكمُ *** آلَ النبيِّ هديةً أهديها

وأسىً عليَّ فإنْ أفأتُ بمقلتي * يحدو سوابقَ دمعِها حـاديها

سقياً لها فئةً وددتُ بأنني ***  معها فسقّاني الرّدى ساقيها

تلكَ التي لا أرضَ تحملُ مثلَها لا مثلَ حاضرِها ولا باديها

قلبي يتيهُ على القلوبِ بحبِّها * وكذا لساني ليسَ يملكُ تيها

وأنا المُدلّه بالمرائي كلّما   ***   زادتْ أزيدُ بقولِها تدليها

يرثي نفوساً لو تطيقُ إبانةً * لرثتْ له من طولِ ما يرثيها

محمد طاهر الصفار

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً