رسوم الطف.. بين فطرية التكوين وروحية المضمون

فنون إسلامية

2020-09-09

894 زيارة

لا شك ان الفن الفطري يعد وسيلة من وسائل التعبير عن انطباع الفنان الذاتي عن محيطه، اذ انه لا يرسم ما لا يرى بل ما يؤمن ويعتقد بصحته، فهو يعبر عن موقفه الانساني في مجابهة الوجود داخلياً وخارجياً معاً بطريقة ما، فالرسم الفطري يمثل عند البعض اكتشاف وتأسيس لعالم جديد من الاشكال فهو تحول مستمر بفعل قوى حيوية روحية تحركه طاقات فطرية معبرة عن الالتزام بالتعبير عن الموروث او الحياة اليومية بعيداً عن الافكار المشحونة بالتناقضات والنظريات، حيث ان الرسام الفطري لم يرى العالم من خلال قضية ذهنية وعقلية، بل راه من خلال مشاعره واحاسيسه النابعة من حدسه وتفاعله مع العالم الخارجي، وهذا ما يميز فن الرسم الفطري ويلفت الانظار اليه.

وقد تميز فن الرسم العراقي بمجاميع كبيرة من الرسامين الذين عبروا عن احاسيسهم واندفاعاتهم بأشكال مختلفة اصبحت اكثر قرباً في مسعاها من ذات كل فرد منهم ومن روح المجتمع الذي ينتمون له والتعبير عن جميع حالاته سواء كانت من الحاضر او الماضي او كانت بؤساً وشقائاً او خيراً وسعادة، في لوحات فنية جميلة تضج بالروح الفطرية التي توارثها الفنان معبراً ببساطة عن واقعه وموروثه وروحية ارثه الحضاري، واللوحة اعلاه احدى تلك الابداعات الفنية الناطقة باسم فطرية التكوين وروحية المضمون العالية التأثير.

اللوحة من ابداع الفنان العراقي الفطري كريم ناصر الغرباوي، وقد نفذت بتقنية الزيت على القماش وبأسلوب الانشاء المفتوح، وهي تمثل مشهدا لركب سبايا ال بيت النبوة الاطهار بعد معركة الطف وهم في الطريق الى الشام، وفيها عمد الفنان كريم ناصر لتمثيل أكثر من مركز سيادي.. لتكون تلك المراكز بمجملها قد شكلت العلامة الدالة لمعنى الحادث المعالج ومجرياته الواردة عبر الروايات والمتخيلة بطريقة تفاعلية من قبل الفنان،  فقد نفذ العمل بإنشاء مفتوح يستحضر البنية المكانية الواقعية لمكان انطلاق ركب السبايا من ارض الكوفة الى الشام، مما أستدعى الرسام لاستحضار البنية اللونية التي تختص بجغرافيتها و تمثلاتها الصحراوية الممتدة بالأفق وبعض النخيل على جانبي اللوحة، فأقام تدرجا لونيا ما بين الغامق والفاتح حتى نقاط التلاشي في خط الأفق ليظهر عمق اللوحة وامتداد الصحراء وسعتها، وقد ارتأى كريم ناصر أن يضع  بعض نقط الارتكاز الرئيسية في مقدمة اللوحة القريبة من المشاهد والمتمثلة بشخص الامام زين العابدين وشخص السيدة زينب بنت علي عليهما السلام وجعل منهما مع الرؤوس المحمولة على الرماح عناصر شد تربط اجزاء اللوحة ببعضها.

فلو امعنا النظر في عناصر اللوحة وعبر انتشار المساحة اللونية المدركة للمشاهد، لوجدنا ان الرسام قد حاول بفطرته نقل المشاهد إلى مكان الحدث والمميز بمسير قافلة السبايا والرؤوس الشريفة مرفوعة فوق الرماح، وكان ذلك عبر إنشائه المفتوح الذي يمكن من خلالها الولوج لفك شفرات الرموز الروحية التي انتقاها الفنان للتعبير عن الحدث، فهو يقيم علاقة ابتدائية قائمة على فطرته المتعلقة بحب ال بيت النبوة الاطهار سلام الله عليهم، اضافة الى العلاقة القائمة بين ذاته والموضوع وتهيئة المتلقي فيما بعد ذلك للتفاعل الوجداني عبر اتخاذه الاجواء كمادة أساسية للتعبير في محاولة للوصول إلى حقيقة المشهد، فأعطى بذلك إحساسا بالحزن والالم من خلال الالوان و وأرضية المكان فارضاً على المشاهد ان ينسحب ببصره نحو الأفق، محققاً بذلك الغاية الأساسية في الربط ما بين فنه الفطري وعقيدته الدينية المتعلقة بحب ال بيت محمد عليهم السلام، فالأثر الفني الذي يتركه أي رسام مسلم لابد ان يعبر عن جوهرا لحقيقة قائمة بعيداً عن النقل او محاكاة الصورة الواقعية .

نفذ الغريباوي التكوين اعلاه بتقنية  الزيت على القماش وبأسلوب واقعي ممزوج بشيء من التحوير بغية تحقيق رؤيته الشخصية والهدف التعبيري المعتمد لديه، حيث أنشأ الفنان بُعداً منظورياً واضحاً لعناصر اللوحة رغم اتجاه اللوحة العكسي وعدم تصوير ملامح ووجوه شخوصها وتزاحمهم الواضح فيها.. والذي اعتمده الفنان لخدمة هدفه التعبيري بما يتوافق مع مرويات الحادثة، فالعملية البنائية في هذه المصورة تنطلق من الواقع باتجاه الكشف عن المعنى ولكن من وجهة نظر الرسام الذاتية الفطرية.. فلو تأملنا مفاصل اللوحة بدقة وهدوء للحظنا وجود كتل لونية منسجمة داخل اللوحة مثلت بمجملها مراكز ثقل سيادية في اللوحة رغم انسيابية امتداد القافلة الى عمق اللوحة، والتي تمثلت بمجموعة من الشخصيات الانسانية والحيوانية وهي منقادة وتتجه الى عمق اللوحة المتمثل بالصحراء، اضافة الى بعض شخوص الجند وهم يحملون الرايات والرماح الحاملة لرؤوس شهداء الطف في وسط اللوحة وعمقها، مع بعض الكتل اللونية الأخرى الممثلة بمجموعة من النخيل المتناثر على اطراف اللوحة والتي يبدو من خلالها ان الفنان يحاول تصوير انطلاق ركب السبايا من الكوفة الى الشام.

حاول الفنان - ويبدو انه قد وفق بذلك - في هذا التكوين الانشائي اظهار الصراع الأزلي القائم بين الخير والشر، فهناك قاتل ومقتول وظالم ومظلوم بدليل الرؤوس الشريفة المرفوعة على رؤوس الرماح مصوراً اياها بالوان تقترب من الواقعية لتكون علامة مؤثرة للمتلقي ودلالة واضحة للمقدس  من شخوص اللوحة من آل بيت النبوة واصحابهم وليكونوا رمزاً للحق وانتصار الدم على السيف.

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً