المحرك العلامي في الرسم العراقي المعاصر..

فنون إسلامية

2019-01-06

252 زيارة

تعد ظاهرة استلهام الموروث الحضاري والحروف سمة مميزة الفن العراقي المعاصر لاسيما في الحقبة الأولى من مسيرة التشكيل العراقي إذ شكل التفسير العلامي والحروف قيمة غنية في معطياتها الجمالية.. كونها تحاكي الجمال الكلي غير الخاضع في منطوقه لزمان ومكان محددين.. والذي يمتد بظلاله على أرضية الفن الحديث محلياً وعالميا، لنجد كثير من المضامين والأشكال داخل حضارة الشعوب القديمة تستحوذ على اعمال وابداعات فنانين عالميين أمثال بيكاسو وخوان ميرو وبول كلي وبكابيا ودالي وغيرهم، ولا نأتي بجديد إذا قلنا أن الفن العراقي المعاصر من جيل الرواد حتى الوقت الحاضر هو قائم على مفردات جمالية تراثية، مثل اشكال الهلال المختلفة التي أسس لها الفنان جواد سليم، والتي كانت بمثابة العصا السحرية للأجيال الفنية اللاحقة.

فلو دققنا النظر في الاعمال الفنية العراقية لوجدنا ثيمات رائعة افرد لها الفن العراقي جانبا مؤثرا في أصالة وخصوصية الفنون الشرق اوسطية المعاصرة.. حيث شكلت اغلب الاعمال الفنية لجيل الرواد في العراق اساساً ومنطلقاً للحركة الابداعية الحداثوية في المنطقة العربية وعلى صعيدي الشكل والمضمون .. 

أن الأعمال ذات المضامين شغلت قدرا واسعا في ساحة الفن العراقي ونحن الآن أمام مضامين على درجة من التشفير طالما استحوذ على الفنان والمتلقي على حد سواء.. لاسيما المضامين الدينية واستلهام الحرف والإرث الحضاري القديم، فلو تأملنا اعمال الفنان جميل حمودي إلى جانب ابداعات الفنانة مديحة عمر لوجدنا انهما أعطيا للحرف العربي بعده الجمالي خارج منطوقه اللغوي، ويظهر ذلك جلياً في اعمالهما المحملة بمضامين من التراث الإسلامي من خلال القيمة التي تبثها الحروف والكلمات وقداسة اللغة المقتبسة من الفكر الإسلامي، فالقرآن الكريم كلام الله ويحمل ما يحمل من الترميز والعلامات تتخطى معجميتها التداولية، فضلا عن دور اللغة كخطاب تداولي ضاغط ارتقى في بعض المناهج النقدية الحديثة ليكون الانموذج المثالي الذي يجب أن يعمم على كل الدراسات والمناهج مثال ذلك النظرية البنائية التي ترى في اللغة وعبر تراكماتها وصياغتها المتكررة منذ كتابة الأسطورة وحتى وصولها إلى ما وصلت إليه من الاختزال والترميز والبناء النموذجي كلغة تسري داخل المجتمع وفق علاقة نسيجية لا يمكن إلا القول بها والتعامل معها ومن خلالها.

هذا الخزين الحضاري لا يمكن إغفاله في الاستعارات الفنية التشكيلية كمضمون متشعب الأطراف داخل ذاكرة الأفراد والجماعات والفنان العراقي الحروفي يعيد اللحمة الواقعية مع الرمز داخل اللوحة مستنفرا طاقات الحرف العربي الكامنة في الخزين الثـقافي.. فهو يزاوج بين الإرث الحضاري لتاريخ العراق القديم مع الإرث الإسلامي لدلالة الحرف مع العصور المزدهرة لتاريخ العراق إبان فتوحات المسلمين والخلافة الإسلامية مرورا باستمالة إفرازات الحضارة الغربية على النسق الجمالي، فالمضمون المعبأ في تلك الاعمال الفريدة ذو ترابط علائقي بين ما يحفظه التاريخ من طروحات الفكر الإسلامي من خلال لفظ الجلالة وتاريخ العراق القديم وعاصمة الخلافة بغداد، وقد تطرق بعض الفنانين لأكثر من تلك المضامين فمنهم من اصبحت اعماله على تماس مع الموروث العشائري والبداوة وقساوة الصحراء وآخر وضف مضمونا عقائدياً يعيش في الوعي الاجتماعي لينتج اعمالاً محاطة بهالة من القدسية في خطابها الروحي.. فالإرث العقائدي بعيد عن أن تطاله أوجه المغايرة وبالتالي فان المتعرض لهكذا مضامين يكتسب عبر حالة التجاور ذات القدسية في ثـقافة المتلقي.. كما فعل الفنان سلمان داود في اعماله الفنية التي لم يغفل أن يضع المتلقي المتعرض لها في تناظر روحي بين ما يعتقده وما يراه عن ذلك الاعتقاد وهذا التناظر يعزز طبيعة التحاور والتفاعل ويعطي المشاهدة والتلقي وجهتها الجمالية.

ان وحدة المعاينة لمضامين هذه الفئة من اللوحات ترينا وحدة الترابط بين الشكل والمضمون داخل العمل.. وهنا يصدق من قال- أن لكل مضمون شكلاً يليق به- وكلما اقتربنا من التمثيل الايقوني نكون إزاء تطابق مباشر مع هذه المقولة.. فاللوحة اعلاه مثلاً نجد فيها تداخلاً بين تشكيلات الحروف داخل لغة التشكيل التي ربطت بين الفضاء والتخوم عبر مساحات لونية واستطالات وأقواس ودوائر تجاورت مع الحرف الذي غابت عنه قاعدته الشكلية التي تحكمه بها قواعد الخط العربي المعروفة، فقد اخذ الشكل الحرفي مطواعية المساحات داخل اللوحة فالشكل الهرمي الذي اعتلاه لفظ الجلالة في أعلى اللوحة دليل للسطوة الشكلية داخل عناصر التشكيل الأخرى لاسيما وأن مساحات متدلية على جانبي لفظ الجلالة تمثل الحروف المشكلة لكلمتي بغداد وعشتار اللتين ضمرتا خلف الرؤية المباشرة تحفز المتلقي على المتابعة والاكتشاف فأشكال الحروف تداخلت مساحتها لونيا مع المساحات الأخرى كالفضاء وأشكال القباب وقرص الشمس أعلى اليسار وهذا يحد من مباشرية الحروف فالفنان جميل حمودي لم يشأ أن يظهر الكلمات كما هو حالها في منطوقها التداولي اللغوي السائد بل أراد أن يكون للحرف لغة اشهار أخرى قيد الطرح لتقر تداوليا مع المشاهد.

ولا شك ان لغة التشكيل في اللوحة اعلاه ومثيلاتها من نفس الجنس أعطت تعبيرا عن النظرة الشمولية والكلية للإرث الحضاري الموحد عبر حالة التداخل والامتزاج والتراكب داخل المكان الفني.. فالمتلقي يعيش حالة من الترابطات داخل منظومة ترى الحاضر في تواصل وامتزاج مع الماضي من خلال محاولة الفنان لإظهار المزاوجة بين الواقع العياني والواقع الخيالي المطروح أمام المتلقي ورؤيته الجمالية للأشكال التي تعيش وتنمو عبر حالات التصادم تلك.. ومن هنا يمكننا الجزم إن الحد من واقعية الأشكال داخل التشكيل العراقي المعاصر أخذ شيئا فشيئا بالاتساع وذلك بفعل تغيرات منظومة الوعي الجمالي لدى المتلقي العراقي.. عبر ارتفاع كم المشاهدات والاطلاع على تنوعات الرؤية الفنية داخل الوعي الإنساني العام، وهذا التغير ليس مفاده أن النسق الجمالي كامن في تجريد الأشكال، بل أن ذائقية المتلقي سائرة بذاك الاتجاه لأن الحقيقة الجمالية المحلية ليست في قياس التوافق والاختلاف مع التوجهات الوافدة من الخارج لكن الحقيقة تكمن في ايجاد نموذج ممثل بموضوعية ترقب خط السير التداولي في منظومة التلقي في العراق فالإنسان العراقي أول إنسان رامز ومختزل لعلاقاته داخل الوجود واول من تكيف بيئياً مع المكان.

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً