225 ــ مهيار الديلمي: (334 ــ 428 هـ / 945 ــ 1037 م)

موسوعة الامام الحسين

2020-11-09

137 زيارة

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام):

هوَ الغصنُ كان كميناً فهـبَّ لدى (كربلاء) بريحٍ عصوفِ

قتيلٌ به ثارَ غلُّ النفوسِ *** كما نغرَ الجرحَ حكُّ القروفِ

بكلِّ يدٍ أمس قد بايعته *** وسـاقتْ له اليومَ أيدي الحتوفِ

وقال من قصيدة أخرى:

أميّة لابسـةٌ عارَها *** وإن خُفي الثأرُ أو حصّلا

فيومُ السقيفةِ يا ابنَ النبيِّ طرّقَ يومَك في (كربلا)

وغصبُ أبيكَ على حقِّه *** وأمُّك حُسِّنَ أن تُقتلا

الشاعر

أبو الحسن مهيار بن مرزويه الديلمي البغدادي، شاعر كبير من أعمدة الشعر العربي في العصر العباسي، ولد في إيران وكان مجوسياً، لكنه قيّض له أن يلتقي بالشريف الرضي فوجد فيه ضالته التي يبحث عنها, فلازمه وتلقى العلم منه وترك مجوسيته وأسلم على يديه واعتنق مذهبه، فتملّك التشيّع شغاف قلبه وخالط لحمه ودمه فجنّد نفسه له, فكان جندياً أميناً ومدافعاً مخلصاً عن مذهبه، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن النفوس النيّرة تنعكس على ذاتها فتخرج تأملاتها قولاً وفعلاً وشعراً.

هكذا كان حال مهيار عندما تعرف أهل الأدب في العقد الأخير من القرن الرابع الهجري على شاعر فارسي الأصل ترك دين المجوس واعتنق الإسلام عن طريق أهل البيت (عليهم السلام) ليشق طريقه في عالم الأدب والشعر وهو ثابت الإيمان، راسخ العقيدة. وليتخذ الشعر رسالة وهدفاً لقول الحق وأي رسالة وهدف أعظم من مناصرة قضية أهل البيت (عليهم السلام) ؟

ولد أبو الحسن مهيار بن مرزويه الديلمي البغدادي في عصر يموج بالاضطرابات السياسية والاجتماعية والفكرية حيث المشاحنات والمنازعات قائمة على قدم وساق. ولكن رغم هذا الوسط الموبوء ورغم هذه الفوضى والاضطرابات وضعف السلطة فقد كان هناك قبساً ينير هذه الظلمات تمثل في نفر من أعلام الفكر والأدب.

ففي ذلك الوقت نبغ الشيخ الرئيس ابن سينا والمتنبي والصابي وابن نباتة والشريفان المرتضى والرضي والمعري وغيرهم وتبعهم مهيار الديلمي الذي أصبح الشاعر المتصدر بعد وفاة السيد الرضي.

ينتسب مهيار إلى أرض الديلم، قال ياقوت الحموي: (إن الديلم ينسبون إلى أرضهم بهذا الإسم لا إلى أب لهم).

والديلم شعب من ذراري الفرس يُنسبون إلى أرضهم التي تقع في القسم الشمالي من بلاد فارس ويحدّها من الشمال جبال الجولان ومن الشرق طبرستان ومن الغرب آذربيجان أما من الجنوب فمنطقة قزوين.

وفي هذه المنطقة (قزوين) عاش والدا مهيار وكانا فقيرين فنزحا في طلب الرزق إلى بغداد التي كانت خاضعة يومئذ للنفوذ البويهي وكانت الخلافة العباسية تعيش حالة الاحتضار. والبويهيون ديالمة أيضاً فارتقب الوالد خيراً في ظل بني عمه فهو الذي تربطه بهم وشائج القربى.

وكان البويهيون أسبق إلى الإسلام من والدي مهيار إذ كانا مجوسيين إلى أن بايعوا عليهم الحسين بن زيد العلوي سنة (250 هـ) فأسلم قسم منهم وأسلم القسم الثاني على يد علوي آخر وهو الحسن بن علي الأطروش جد الشريفين الرضي والمرتضى لأمهما.

لم يحالف الحظ والدي مهيار في توفير لقمة العيش لابنهما الذي لم يكن بأسعد حظ من أبيه فلازمه الشقاء منذ طفولته وحتى شبابه وسقاه الدهر كأس المرارة حتى الثمالة فكان مهيار يشكو الدهر والفقر والناس:

عيشٌ كلا عيشٍ ونفسٌ مالها *** من لذّةِ الدنيا سوى حسراتِها

إن كان عـندكَ يا زمانُ بقيةً *** مما يضــامُ بها الكرامُ فهاتِها

وقد رأى والده بعد أن أعياهُ توفير حياة رغيدة لولده أن السبيل إلى ذلك لن يكون إلا عن طريق العلم فأكب على تثقيف ولده. وكانت بغداد في ذلك الوقت جنة الدنيا وبهجة الناس أو كما قيل: (بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد) وموارد الرزق فيها للفئة المثقفة متوفرة, فهي دور الخلفاء ودوائرهم إن صحّ التعبير، ففي قصور الخلفاء والأمراء كانت تلتقي النخبة من الكتاب والشعراء ليصيبوا حظاً وافراً من الثروة والشهرة وهذا ما كانت تصبو إليه نفس مرزويه فدفع بولده مهيار إلى الكتاتيب والمدارس الموجودة في بغداد ليتثقف ابنه ثقافة عربية خالصة تكون سبيله إلى العيش في الحياة.

وأظهر مهيار ذكاءً وقدرة على العلم فاقت تصورات والده حيث ألمّ بكثير من شوارد اللغة وحفظ دقائق التاريخ وامتاز بذاكرة عجيبة ساعدته على استيعاب الكثير من المعرفة ولكن ظنّ مرزويه خاب في السبيل الذي سلكه ابنه إذ كان الوالد يتوقع ابنه أن يكون من شعراء البلاط العباسي يرخص كرامته ويتذلل في سبيل المال ويستعطف ويتودد الخلفاء والأمراء !!

لكن مهيار آثر طريقاً آخر هو طريق العقيدة والمبدأ طريق نصرة الدين والحق فقد استحكم حب أهل البيت (عليهم السلام) في قلبه فلم يمدح أياً من الخلفاء العباسيين الذين عاصرهم وهم الطائع والقادر والقائم, بل أظهر حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في شعره مستقياً في شعره من حياته المعارك التي خاضها في سبيل توطيد أركان الدين والفضائل التي اختص بها دون سواه من سائر الصحابة وكذلك تمجيد الثورة المباركة التي قادها أبو الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء ضد الباطل واستذكار المآسي والفجائع التي حلت بأهل بيته.

ويرجع كل ذلك إلى التأثير الكبير الذي طرأ عليه، ففي فترة تعليمه وتثقيفه اتصل بالشريف الرضي وهو أهم حادث أثر في شخصيته وشاعريته على السواء فالشريف يومذاك حجة الأدباء والأشراف, ونقيب الطالبيين, وأمير الحاج, وكان كريماً محبوباً لدى كل طبقات الناس, وله هيبة في النفوس تتضاءل عندها هيبة الخلفاء والأمراء, فأثر في نفس مهيار كثيراً.

ولقد أحب الشريف مهيارَ وأخذ يسعى في سبيل خدمته والإحسان إليه فسعى بما له من منزلة في تعيين مهيار كاتباً بديوان الخلافة ببغداد, ولكن مهيارَ سرعان ما صرفه عن الكتابة الشعر الذي ملك نفسه, وكان الشريف يتوسّم في مهيار الذكاء والنبوغ والشاعرية فكان يغدق عليه من إحسانه وفضله فأسلم مهيار على يديه واعتنق التشيّع وأصبح المدافع الذي يتّقد حماساً عن دينه ومذهبه.

وبقي مهيار في كنف أستاذه الشريف إلى أن لاقى الشريف ربه عام (406 هـ) وكان طوال حياته الحامي الأمين والصديق المعين لمهيار وقد أحسّ مهيار بهول الفجيعة التي ألّمت به فمضى يرثي أستاذه برثائيات مفجعة في قصائد عديدة وفي مناسبات شتى، قال في إحداها:

أقـريـش لا لـفــمٍ أراكِ ولا يــدِ *** فـتواكلـي غـاض الندى وخلا الندي

بكر النعي, فقال: أُرديَ خيرُها *** إن كان يصدقُ فالشريف هو الردي

وفي هذه القصيدة تفجّع أليم وشعور بالمصاب عظيم فمهيار يبكي من كان عونه وساعده في الحياة, لكن مهيارَ بعد وفاة الشريف الرضي، وابن نباتة السعدي أصبح رجل الأدب والشعر في بغداد بدون منازع. حتى عُدّ في الرعيل الأول من ناشري لغة الضاد وموطّدي أسسها.

قالوا عنه

قال عنه الباخرزي: (هو شاعر له في مناسك الفضل مشاعر, وكاتب تحت كل كلمة من كلماته كاعب, وما في قصائده بيت يتحكم عليه بلو وليت, وهي مصبوبة في قوالب القلوب, وبمثلها يعتذر الدهر المذنب عن الذنوب). (1)

وقال عنه الخطيب البغدادي: (كان شاعراً جزل القول، مقدماً على أهل عصره). (2)

وقال عنه ابن خلكان: (كان جزل القول مقدماً على أهل وقته) (3)

وقال عنه الحر العاملي: (جمع مهيار بين فصاحة العرب ومعاني العجم) (4)

وقال عنه السيد محسن الأمين: (لا أستطيع أن أتمثّل له ندّاً سوى ابن الرومي، وإن كان ابن الرومي يقصر عنه في بعض الأحيان، ولا يجاريه في الإسهاب والتطويل). (5)

وقال السيد جواد شبر: (في الرعيل الأول من ناشري لغة الضاد دل على ذلك شعره العالي وأدبه الجزل وديوانه الفخم وكما كان عربياً في أدبه فهو علويُ في مذهبه مسلم في دينه يعتز ويفتخر بإسلامه ويتمدح بآبائه الأكاسرة ملوك الشرق وجمع بين فصاحة العرب ومعاني العجم أسلم على يد السيد الشريف الرضي سنة ٣٩٤ وتخرج عليه في الأدب والشعر ... وجاهد بلسانه عن أهل البيت ومدح علياً وعدد مناقبه بشعر بديع ودافع عن حقوقه في الخلافة دفاعاً حاراً مؤثرا.). (6)

كما ترجم له الشيخ عبد الحسين الأميني ترجمة وافية ورد على من انتقصه ورماه بالغلو بسبب تشيعه من المؤرخين فقال: (هو أرفع راية للأدب العربي منشورة بين المشرق والمغرب، وأنفس كنز من كنوز الفضيلة، وفي الرعيل الأول من ناشري لغة الضاد، وموطدي أسسها، ورافعي علاليها، ويده الواجبة على اللغة الكريمة ومن يمت بها وينتمي إليها لا تزال مذكورة مشكورة يشكرها الشعر والأدب، تشكرها الفضيلة والحسب، تشكرها العروبة والعرب، وأكبر برهنة على هذه كلها ديوانه الضخم الفخم في أجزائه الأربعة الطافح بأفانين الشعر وفنونه وضروب التصوير وأنواعه، فهو يكاد في قريضه يلمسك حقيقة راهنة مما ينضده، ويذر المعنى المنظوم كأنه تجاه حاستك الباصرة، ولا يأتي إلا بكل أسلوب رصين، أو رأي صحيف، أو وصف بديع، أو قصد مبتكر، فكان مقدماً على أهل عصره مع كثرة فحولة الأدب فيه، وكان يحضر جامع المنصور في أيام الجمعات ويقرأ على الناس ديوان شعره ....

أما شعره في المذهب فبرهنة وحجاج فلا تجد فيه إلا حجة دامغة، أو ثناءً صادقاً، أو تظلّماً مفجعاً، ولعل هذه هي التي حدت أصحاب الإحن إلى إخفاء فضله الظاهر والتنويه بحياته الثمينة كما يحق له، فبخست حقه المعاجم، فلم تأت عند ذكره إلا بطفائف هي دون بعض ما يجب له، غير أن حقيقة فضله أبرزت نفسها، ونشرت ذكره مع مهب الصبا، فأين ما حللت لا تجد للمهيار إلا ذكراً وشكراً وتعظيماً و تبجيلاً، وعلى ضوء أدبه وكماله يسير السائرون.

ولعمر الحق إن من المعاجز أن فارسياً في العنصر يحاول قرض الشعر العربي فيفوق أقرانه ولا يتأتى لهم قرانه، ويقتدى به عند الورد والصدر، ولا بدع أن يكون من تخرج على أئمة العربية من بيت النبوة وعاصرهم وآثر ولائهم واقتص أثرهم كالعلمين الشريفين: المرتضى والرضي وشيخهما شيخ الأمة جمعاء المفيد ونظرائهم أن يكون هكذا، إلا تاهت الظنون، وأكدت المخائل في الحط من كرامة الرجل بتقصير ترجمته، أو التقصير في الابانة عنه، أو التحامل عليه بمخرقة، والوقيعة فيه برميه بما يدنس ذيل أمانته كما فعل ابن الجوزي في (المنتظم) فجدع أرنبته باختلاق قضية مكذوبة عليه، ورماه بالغلو، وحاشاه عن كل ذلك، إن يقولون إلا كذبا.

فهذا مهيار بأدبه الباذخ، وفضله الشامخ، وعرفه الفائح، ونوره الواضح، ومذهبه العلوي، وقريضه الخسرواني، قد طبق العالم ثناء وإطراء ومكرمة وجلالة، وما يضره أمسه إن كان مجوسياً فارسياً فيه، وها هو في يومه مسلم في دينه، علوي في مذهبه، عربي في أدبه، وها هو يحدث شعره عن ملكاته الفاضلة، ويتضمن ديوانه آثار نفسياته الكريمة، وخلد له ذكرى مع الأبد، فهل أبقى أبو الحسن مهيار ذروة من الشرف لم يتسنمها ؟! أو صهوة من النبوغ لم يمتطها ؟! ولو كان يؤاخذ بشيء من ماضيه لكان من الواجب مؤاخذة الصحابة الأولين كلهم على ماضيهم التعيس غير أن الإسلام يجب ما قبله، فتراه يتبهج بسؤدد عائلته المالكة التي هي أشرف عائلات فارس، ويفتخر بشرف إسلامه وحسن أدبه ... ) (7)

وهذا القول يغنينا عن تتبع بقية الأقوال في حقه في كثير من المصادر والمراجع اللغوية والتاريخية.

شعره

كان مهيار غزير المادة قل من جاراه من شعراء العربية في كثرة شعره فكانت بعض قصائده تقارب الثلاثمائة بيت وقد اجتمع لديه ديوان ضخم في أربعة أجزاء جمع بين دفتيه (20969) بيتاً موزّعة على (409) قصيدة دلت على شاعرية فذة وإبداع أصيل فتربع على رأس الحركة الأدبية في أواخر القرن الرابع الهجري وحتى وفاته في بغداد.

أسلم مهيار عام 394 هـ وكان هواه علويّاً شيعياً قبل أن يسلم فكان التشيّع مرقاته إلى الإسلام الصحيح فهو قد ولج الإسلام من بابه الصحيح الواسع وسلك طريقه المستقيم اللاحب.

وله من قصيدة قالها عام 387 هـ أي قبل أن يسلم بسبعة أعوام:

ما برحتْ مظلمةٌ دنياكمُ *** حتى أضاءَ كوكبٌ من هاشمِ

حـلـلـتـمُ بـهـديـهِ ويُمنهِ *** بعد الوهادِ في ذرى العواصمِ

ثم قضى مسلّماً من ريبةٍ *** فلمْ يكنْ من عـــذركمْ بسالمِ

نقضتُم عهـودَه في أهلِهِ *** وحلتُم عن سُنــــــنِ المراسمِ

وقد شهدتـمْ مقتلَ ابنِ عمِّه *** خـيرِ مصـلٍّ بعده وصائمِ

وما استحـلَّ بـاغياً إمامكم *** يزيد بالطفِّ من ابن فاطمِ

ويتضح لنا من قصيدة أخرى تلهفه على قتلى أهل البيت (عليهم السلام) ويذم الذين نكّلوا بهم من أعدائهم قبل أن يسلم بعامين أي سنة 392 هـ ، وقد ضمّنها حقيقة شعوره نحو أمير المؤمنين وأولاده الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) فقال:

جوىً كلّما استخفى بنجدٍ أهاجَه *** سنا بارقٍ من أرض كوفانَ خاطفِ

يذكّرني مـثـوى عـلـيٍّ كـأنـنـي *** سـمـعتُ بـذاكَ الرزءِ صيحة هاتفِ

أبا حسنٍ إن أنكروا الحق واضحاً *** عـلــى أنــه والله إنـكـارُ عـارفِ

أخـصَّـكَ بـالـتـفـضـيـلِ إلّا لـعلمه *** بعجزهمُ عن بعضِ تلكَ المواقفِ

سـلامٌ عـلـى الإسـلامِ بـعـدكَ إنّـهـم *** يـسومونه بالجورِ خطةَ خاسفِ

هـواكـمْ هـو الـدنـيـا وأعلم أنه *** يبيّـضُ يـومَ الحشرِ سودَ الصحائفِ

ومنها في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام)

وجدَّدها بالطفِّ بابنِكَ عصبةٌ *** أباحوا لذاكَ القرفِ حكّة قارفِ

يـعـزُّ عـلـى محمد بابنِ بنتِه *** صبيبُ دمٍ من بينِ جنبيكَ واكفِ

أجازَوكَ حقاً في الخلافةِ غادروا جـوامـعَ منه في رقابِ الخلائفِ

أيا عاطشاً في مصرعٍ لو شهدتُه سقيتكَ فيه من دموعي الذوارفِ

ويتبين من هذه الأبيات أن مهيارَ لم يدخل الإسلام إلّا بعد أن عرف أهله، ولم يتخذ الدين وسيلة للوصول إلى غاية ما كما زعم بعض الكتّاب من الذين حاولوا تشويه صورة مهيار لا لشيء سوى لأنه عرف الحق فاتبعه ووجد الطريق فسلكه فغاظهم ولاؤه الخالص لأهل البيت الطاهرين (عليهم السلام). فما إن اعتنق الاسلام حتى زها سروراً كبيراً ويتضح ذلك من خلال هذين البيتين:

هوَ المنقذي من شركِ قومي وباعثي *** على الرشدِ إن أُصفي هوايَ محمَّدا

وتاركِ بـيـتَ الـنـارِ يـبـكـي شـرارَه *** عـلـيَّ دمـاً إن صـارَ بـيـتـيَ مـسجِدا

فدخل مهيار الإسلام دخول الواثق المطمئن بل أنه يفخر بذلك ويعتقد أنه خير دين ونرى ذلك من خلال إحدى قصائده الكثيرة في هذا المجال حيث يقول:

قد قبستُ المجدَ من خيرِ أبِ *** وقبستُ الديـنَ مـن خيرِ نبي

وضممـتُ الفخرَ من أطرافِهِ *** سؤددَ الفــرسِ ودينَ العربِ

وهناك قصيدة لها دلالة واضحة على هذه الغبطة العظيمة الصادقة التي شعر بها بانتقاله من دين الكفر إلى دين الايمان ومذهب الحق فقال مخاطباً قومه:

تبـدّلتُ من نارِكم ربَّها *** وخبثَ مواقدِها الخلدَ طيبا

أفيئوا فقـد وعدَ الله في *** ضـلالـةَ مـثـلـكـمُ أن يتوبا

وإلّا هلموا أُباهيكمُ *** فمَن قــامَ والفخرَ قامَ المصيبا

أمثل محمدٍ المصطفى *** إذا الحـكم ولـيـتـمـوه لبيبا

أما شعره في التشيّع فكان برهنة وحججاً على أحقية ومظلومية أهل البيت (عليهم السلام), فلا تجد فيه إلا حجة دامغة, أو دليلاً قاطعاً, أو ثناءً صادقاً, أو تظلماً مفجعاً, صبّها في أسلوب رصين, وقصد مبتكر, وتصوير بارع, وضع مهيار في مصاف شعراء الشيعة الكبار أمثال السيد الحميري والكميت ودعبل فمن قصيدة له في رثاء أهل البيت:

يقول:

بآلِ عليٍّ صـروفُ الـزمانِ *** بسطنَ لساني لذمِ الصروفِ

مصابي علـى بعدِ داري بهمْ *** مصابُ الأليفِ بفقدِ الأليفِ

وليسَ صديقيَ غير الحزينِ *** ليومِ الحسينِ وغير الأسيفِ

ومنها:

نسوا جدَّه عـنـد عـهـدٍ قريبٍ *** وتـالَـدَه مـع حـقّ طريفِ

فطاروا له حـامـلـيـن النفاق *** بأجنحةٍ غِشّها في الحفيفِ

يـعـزّ عـلـيّ ارتـقـاءَ الـمنونُ *** إلى جبلٍ منكَ عالٍ منيفِ

ووجهُكَ ذاك الأعزّ التريب يُشهّرُ وهو على الشمسِ موفي

ومنها:

وأنتَ - وإن دافعوك - الإمام *** وكـان أبـوكَ بـرغمِ الأنـوفِ

لمن آيةُ البابِ يومَ اليهود *** ومَن صاحبُ الجنّ يومَ الخسيفِ

ومَن جمعَ الدينَ في يومِ بدرٍ *** وأحـدٍ بـتفريقِ تلكَ الصفوفِ

وهـدّمَ فـي اللهِ أصـنـامَـهـمْ *** بـمـرأى عـيـونٍ عـليها عكوفِ

أغـيـرُ أبـيـكَ إمـامُ الـهـدى *** ضـيـاءُ الـنـديّ هـزبرُ العزيفِ

تـفـلّـلَ سـيـفٌ به ضرّجوك *** لـسـوّدَ خـزيـاً وجـوهَ السيوفِ

ومن قصيدة يذكر فيها أمر الخلافة وما جرى بعد وفاة الرسول توضح اعتقاده:

هذي قضايا رسولِ اللهِ مهملةً *** غدراً, وشمـلُ رسولِ اللهِ منـصـدعُ

والناسُ للعـهدِ ما لاقوا وما قربوا *** وللخيانةِ ما غابوا ومـا شـسعوا

وآلهِ وهـمُ آلُ الإلـهِ وهـمْ *** رعــاةُ ذا الـديـنِ ضِـيمُوا بـعـده ورُعُوا

ميـثـاقُه فـيـهـمُ مـلـقـىً وأمَّـتُـه *** مـعْ مـن بـغـاهـمْ وعـاداهمْ لهُ شِيَعُ

تُضـاعُ بـيعتُه يوم (الغدير) لهم *** بـعد الرضا وتحـاط الرومُ والبيعُ

وقائل لي: عليٌّ كان وارثه *** بالـنصِّ منه فهل أعطوه ؟ أم منعوا ؟

فقلتُ: كانت هناتٌ لستُ أذكرُها *** يجزي بها اللهُ أقواماً بما صنعوا

وهي قصيدة طويلة يقول فيها ايضاً:

بـأيِّ حـكـمٍ بـنـوهُ يـتـبـعـونـكـمُ *** وفـخـركـمْ أنـكـمْ صـحـبٌ لـه تبعُ

وكيف ضاقتْ على الأهلين تربته *** وللأجانب في جنبيهِ مضطجَعُ

وكان مهيار شديد الحب للإمام الحسين (ع) الشهيد بكربلاء فإذا ما تكلم عن مأساته جاء بالشعر البليغ المؤثر ولا عجب من ذلك: (فصادق الحب يملي صادق الكلم) كما يقال فقصائده في الحسين تزخر بالعاطفة الجياشة والحزن والأسى فمن ذلك قوله:

أ تحملُ فقـدكَ ذاكَ العظيـم *** جوارحُ جسمـيَ هذا الضعيفْ

كأن ضريحَكَ زهرُ الربيع *** هبّتْ عـلـيـه نـسـيـمُ الـخـريفْ

أحبـكمُ ما سـعـى طـائـفٌ *** وحـنّـتْ مـطـوّقـةٌ فـي الـهتوفْ

وقال من قصيدة أخرى في أهل البيت (عليهم السلام) شرحها السيد جمال الدين أحمد بن طاووس (قدّس‌ سره) وسماها (الأزهار في شرح لامية مهيار) يقول منها:

معشرُ الرشدِ والهدى حَكَم البغيُ عليهمْ سفاهةً والـضلالُ

ودعاةُ اللهِ استجابتْ رجالٌ *** لـهـمُ ثـم بُـدّلوا فاسـتحالوا

حـمـلـوهـا يومَ السقيفة أوزاراً تـخـفُّ الـجبالُ وهـيَ ثقالُ

ثم جاؤوا من بعدِها يـسـتـقـيـلـونَ وهيهاتَ عـثرةٌ لا تُقالُ

يا لها سـوءةً إذا أحـمـدَ قـامَ غـداً بـيـنـهـم فــقـالَ وقـالـوا

ربعُ هـمـيّ عـلـيـهـمْ طـلَـلٌ باقٍ وتُبلى الـهمومُ والأطلالُ

يا لـقـومٍ إذ يـقـتلونَ علياً *** وهـو لـلـمُحـلِ فـيـهمُ قـتّالُ

وتحالُ الأخبارُ والله يدري كيف كانت يوم الغديرِ الحالُ

ولـسـبـطـيـن تـابـعَـيـه فـمـسـمـومٌ عليه ثرى البقيع يُهالُ

وشهيدٍ بالطـفِّ أبـكى السمواتِ وكادتْ له تزولُ الجبالُ

يا غليلي له وقد حُرِّمَ الماءُ عـلـيه وهوَ الشرابُ الحلالُ

لـم تـنـجِ الكهـولُ ولا الشـبّـانُ زهـدٌ ولا نـجـا الأطـفـالُ

وبلغ من حبه لأهل البيت (ع) أن يجد صلة تربطه بهم ليفخر بها وهذه الصلة ترده إلى جذور قديمة حيث يرجعها إلى سلمان الفارسي الصحابي الجليل الذي كان موالياً لأمير المؤمنين (ع) وإلى ذلك يشير مهيار بقوله:

علاقـة لي بكم سابقة *** لمجدِ سلمانَ إليكم تتصلْ

هذه العلاقة رددها في كثير من المواضع في شعره ليدل على إخلاصه الصادق وولائه المحض وعقيدته الراسخة وحبه لأهل البيت (ع):

سلمان فيها شفيعي وهو منكَ إذا الآباءُ عندك في أبنائِهم شفعوا

لقد اخلص مهيار لأهل البيت (ع) رغم كونه من غير قومهم, ولكن الشريف كما يقول يحن إلى الشريف:

وإن كنتُ من فارسٍ فالشـريف *** معتلقٌ ودّه بالشـريفِ

والكريمُ بطبعهِ يجد الكرام الأبعدين أدانيا:

هذا لهم والقـوم لا قومي هم *** جنساً وعقر ديـارِهم لا داريا

إلا المحبـة فالكـريـمُ بـطبعِهِ *** يـجـدُ الـكـرامَ الأبعدين أدانيا

ويعترف بفضل أهل البيت (ع) عليه بعد أن اهتدى بهداهم إلى الإسلام:

وفيكم ودادي وديني معاً *** وأن كان فـي فارسٍ مولدي

خصمتُ ضـلالي بكم فاهتديــت ولولاكـمُ لم أكـنْ اهـتدي

وجرّدتموني وقد كنت في ** يدِ الشركِ كالصارمِ المغمدِ

وما فاتني نصركمُ باللسانِ *** إذا فاتني نصـركمُ بـالـيـدِ

محمد طاهر الصفار

................................................................................

1 ـــ دمية القصر وعصرة أهل العصر ص 76

2 ـــ تاريخ بغداد ج 13 ص 267

3 ــ تاريخ ابن خلكان ج 2 ص 277

4 ــ أمل الآمل

5 ــ أعيان الشيعة

6 ــ أدب الطف

7 ــ الغدير

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً