220 ــ كشاجم: توفي (360 هـ / 970 م)

موسوعة الامام الحسين

2020-11-03

123 زيارة

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) تبلغ (38) بيتاً:

وإنْ وُتِرَ القومُ في بـدرِهـمْ *** لقد نـقضَ القومُ فـي (كربلاء)

وآبـوا وقـد شَـرِبَـتْ غَـيَّهـا *** صدورُ القنا من صدورٍ ظماءِ

مَطايا الخطايا خُذي في الظَّلامِ *** فما هَمَّ إبليسَ غيرُ الحِداءِ

وقال من قصيدة أخرى تبلغ (48) بيتا:

أظلمَ في (كربلاء) يومهمُ *** ثـمّ تـجـلّـى وهـم ذبـائـحُه

لا يبرح الغيثُ كل شارقةٍ *** تهمي غواديهِ أو روائحُه

عـلـى ثـرى حـلّـه غـريبُ رسولِ اللهِ مجروحةٌ جوارحُه

الشاعر:

أبو الفتح محمود بن محمد بن الحسين بن سندي بن شاهك الرملي المعروف بـ (كشاجم)، وصف بأنه: (شاعر متفنن، أديب، من كتّاب الإنشاء) وهو من أصل فارسي, ولد في مدينة سجستان في إيران، وكان أبوه من بلخ فانتقل إلى سجستان وكان يعلم الصبيان في قرية فيها تسمى (شامستيان).

تجوّل كشاجم في مصر وحلب والشام والعراق، والقدس، وحمص، حتى استقر أخيراً في حلب، وانضم إلى مجلس الأدب الحمداني حيث هفا قلبه لهذا المجلس لما وجد فيه ما يتماهى مع عقيدته وفكره ومذهبه وأصبح من شعراء سيف الدولة الحمداني أمير حلب، وكان يتشوق إلى مصر كثيراً في شعره حتى تحققت أمنيته: 

قد كان شوقي إلى مصرٍ يؤرِّقني *** فاليومَ عدتُ وعادت مصرُ لي دارا

أغدو إلى الجيزة الفيحاء مصطحباً *** طوراً وأزجي إلى شيراز أطوارا

وأقام في مصر الفاطمية بقية حياته ودفن فيها.

وقد لقب بـ (كشاجم) إشارة بكل حرف منه إلى عِلم: فبالكاف إلى أنه كاتب، وبالشين إلى أنه شاعر، وبالألف إلى أدبه، أو إنشائه، وبالجيم إلى نبوغه في الجدل أو جوده، وبالميم إلى أنه متكلم، أو منطقي، أو منجّم وقيل إنه فضلاً عن نبوغه في هذه العلوم فقد برع أيضاً في الطب فزيد على لقبه حرف الطاء فقيل طكشاجم، إلا أنه لم يشتهر به.

كان كشاجم نابغة من نوابغ عصره شاعراً وكاتباً ومتكلماً ومنطقياً ومحدِّثاً ومحققاً ومجادلاً وجواداً, ورغم براعته في جميع ما ذكرناه من العلوم إلا أنه أولع بالشعر فكان لا يُجارى ولا يُبارى حتى أن السري الرفاء الشاعر الكبير المعروف على تقدمه في فنون الشعر كان مغرىً بنسخ ديوانه وكان يسعى إلى محاكاته وقد غلبت على كشاجم شهرة الشعر حتى قيل:

يا بؤس من يُمنى بدمعٍ ساجمِ *** يهمي على حجبِ الفؤادِ الواجمِ

لـولا تـعـلّـلـه بـكـأسِ مُـدامـةٍ *** ورسائلِ الصابي وشعرِ كشاجمِ

ويجد القارئ شواهد ذلك من خلال ديوانه الذي تطفح فيه علائم تضلعه في اللغة والحديث وبراعته في فنون الأدب والكتابة.

سفره وتجواله

لم تشر إلى سنة ولادته على وجه التحديد لكن يلوح من خلال شعره إلى أنه ولد أواخر القرن الثالث كما يتضح ذلك من سنة وفاته (360 هـ), كما لم تشر المصادر أيضاً إلى نشأته الأولى وتعليمه غير أن الذي يتبين من خلال المصادر إلى أنه غادر مسقط رأسه ــ إيران ــ في سن مبكرة فكان مغرماً بالترحال فساح في البلاد ورحل عدة مرات إلى مصر وحلب والشام والعراق وهذا ما طفح في شعره:

هذا على أنني لا أستفيـــــــقُ ولا *** أفيقُ من رحلةٍ فـي إثرها رِحلَهْ

وما على البدرِ نقصٌ في إضاءته *** أن ليسَ ينفكُّ من سيرٍ ومن نَقلَه

وكأنه في رحلاته يرى نفسه بين مصر والعراق ويتذكر ما لاقى فيهما من مواقف مختلفة قد تتباين من رحلة إلى أخرى، فيقول:

متى أراني بمصرٍ جارهم نسبي *** بها كل روضةٍ خضرَهْ

والـنـيـلُ مُـسـتـكـمـلٌ زيـادته *** مثــل دروعِ الكماةِ مـنتثرَهْ

تغدو الزواريقَ فيه مصــعّدة *** بنا وطوراً تروحُ مـنحدرَهْ

وتـارةً فـي الـفـراتِ طـامـيةٌ *** أمـواجُه كـالـخيـالِ مُعتكِرَه

لكن العراق يبقى مهوى قلبه وأنيس نفسه:

حتى كأنّ العـراقَ تعشقني *** أو طالبتــني يدُ النوى بِترَه

وكان في رحلاته الكثيرة يجتمع مع الملوك والأمراء والوزراء ويتصل بأرباب العلم والفقه والحديث والأدب فيقرأ عليهم ويسمع منهم كما جرت بينه وبينهم محاضرات ومناظرات ومكاتبات كثيرة دلت على تضلعه في مختلف العلوم

قالوا عنه

قال عنه المسعودي: (كان من أهل العلم والرواية والمعرفة والأدب) (1)

وقال عنه الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء: (وكان أديباً شاعراً، ومنجّماً متكلّماً، ومصنّفاً عالماً، له مصنّفات كثيرة في شتّى العلوم والمعارف، وكان يُعدّ شاعر زمانه) (2).

وعده ابن شهرآشوب المازندراني من الشعراء المجاهرين في مدح أهل البيت ونشر فضائلهم، وقال عنه أيضاً: (وكان شاعراً منجّماً متكلّماً) (3)

وقال عنه الشيخ عبد الحسين الأميني: (هو نابغة من رجالات الأمة، وفذ من أفذاذها، وأوحدي من نياقدها، كان لا يجارى ولا يبارى، ولا يساجل ولا يناضل، فكان شاعراً كاتباً متكلّماً منجِّماً منطقياً محدِّثاً، ومن نطس الأواسي محققاً مدققاً مجادلاً جواداً).

وقال أيضاً: (كان إمامياً صادق التشيّع، موالياً لأهل بيت الوحي، متفانياً في ولائهم) (4)

الطيب من الخبيث

كان والد جد كشاجم من أشد أعداء أهل البيت (عليهم السلام) وهو السندي بن شاهك الذي تولى سجن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) وسقاه السم فمات منه، وقد يبدو الأمر غريباً أن يخرج من نسل هذا الخبيث رجل مؤمن موالٍ لأهل البيت (عليهم السلام) ولعل في ذلك سراً.

ولكن ذلك ليس على الله ببعيد والسر في ذلك أن أخت السندي كانت من موالي أهل البيت (عليهم السلام) وكانت تتولى خدمة الإمام الكاظم (عليه السلام) فورث كشاجم منها هذا الحب والولاء

قال الشيخ عباس القمي: (كانت عمة والد كشاجم أخت السندي من المحبين لأهل البيت (عليهم السلام) وكانت تلي خدمة موسى بن جعفر (عليه السلام) لمّا كان في محبس السندي). (5)

وقال الخطيب البغدادي نقلا عن الحسن بن محمد العلوي قال: (حُبس أبو الحسن موسى بن جعفر عند السندي فسألته أخته أن تتولى حبسه وكانت تتديّن - ففعل، فكانت في خدمته، فحكى لنا أنها قالت: كان إذا صلى العتمة حمد الله ومجّده ودعاه فلم يزل كذلك حتى يزول الليل فاذا زال الليل قام يصلي حتى يصلي الصبح ثم يذكر قليلاً حتى تطلع الشمس ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى ثم يتهيّأ ويستاك ويأكل ثم يرقد إلى قبل الزوال ثم يتوضّأ ويصلي حتى يصلي العصر ثم يذكر في القبلة حتى يصلي المغرب ثم يصلي ما بين المغرب والعتمة. فكان هذا دأبه، فكانت أخت السندي إذا نظرت إليه قالت: خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل وكان عبداً صالحاً) (6).

وقال الشيخ الأميني: (وكان ــ أي كشاجم ــ من مصاديق الآية الكريمة: يخرج الحي من الميت. فإن نصب جده السندي ابن شاهك وعدائه لأهل البيت الطاهر وضغطه واضطهاده الإمام موسى بن جعفر صلوات الله عليه في سجن هارون مما سار به الركبان، وسودت به صحيفة تاريخه، إلا أن حفيده هذا باينه في جميع نزعاته الشيطانية، فهو من شعراء أهل البيت المجاهرين بولائهم، المتعصبين لهم، الذابين عنهم ولا بدع فإن الله هو الذي يخرج الدر من بين الحصى، وينبت الورد محتفاً بالأشواك)

مؤلفاته

قال السيد جواد شبر إن كشاجم (كان مؤلِّفاً صنّف في أفانين العلوم) (7) لكن ما ذكرته المصادر من مؤلفاته لا ينطبق على هذا القول ولعلها ضاعت كما ضاع الكثير من تراثنا أما ما ذكر من مؤلفاته فهي: 

1 ــ أدب النديم

2 ــ المصايد والمطارد

3 ــ الرسائل

4 ــ خصائص الطرف

5 ــ الصبيح

6 ــ البيرزة في علم الصيد

7 ــ ديوان شعر

شعره

قال السيد جواد شبر: جمع ديوانه أبو بكر محمد بن عبد الله الحمدوني مرتباً على الحروف والحق به بعد ما تم جمعه زيادات أخذها عن أبي الفرج بن كشاجم سماه (الثغر الباسم من شعر كشاجم).

وقد احتوى الديوان على قصائد كثيرة في مدح ورثاء أهل البيت (عليهم السلام)، كان كشاجم يُصدِرُ شعره عن مرآة صافية لنفسه الولائية الخالصة التي تعلقت بحب أهل البيت (ع) وصفت ورقت بمودتهم يقول من قصيدة يذكر حق أمير المؤمنين في الخلافة:

وقد علموا أن يومَ الغدير *** بغـدرِهمُ جرّ يومَ الجملْ

فيا معشرُ الظالـمين الذيـن أذاقوا النبيَّ مضيضَ الثكلْ

إلى أن يقول:

يخالفكم فيه نصُّ الكتاب *** وما نصَّ في ذاكَ خيرُ الرسُلْ

نبذتم وصـيـتَه بالعــراءِ *** وقـلـتـمْ عـلـيـه الـذي لـم يَـقـلْ

وفيها يذكر الأئمة الطاهرين، فيقول:

هـمُ حـجـجُ اللهِ في خـلقه *** ويـومَ الـمعـادِ على من خذلْ

ومـن أنـزل الله تـفضيـلهمْ *** فـردَّ عـلى اللهِ مـــا قد نزلْ

فـجـدهـمُ خـاتـمُ الأنـبـيـاءِ *** ويعـرفُ ذاكَ جـمـيـعَ المللْ

ووالدهمْ سيِّدُ الأوصياء *** ومعطي الفقيرَ ومردي البطلْ

كان كشاجم خالصاً في حبه لأمير المؤمنين فهو سيد الأئمة (ع):

حـبُّ عــلــيٍّ عـلـوُ هـمَّـهْ *** لأنـــه ســـيِّـــدُ الأئـــمــه

ميِّزَ محـبـيـهِ هـل تـراهـمْ *** إلا ذوي ثــروة ونـعـمـه

بين رئـيـسٍ إلى أديـبٍ *** قـد أكـمـلَ الطرفَ واستتمَّه

وطيِّبِ الأصلِ ليسَ فيه *** عند امتحانِ الأصولِ تهمَه

فهمْ إذا خلصــوا ضياء *** والنُّصَّبُ الظالمــون ظُلمَه

ويقول:

وأوصى النبيُّ ولكـن غـدتْ *** وصـايـاهُ مـنـبـوذةً بـالـعـراءِ

ومن قبلِـهـا أُمـرَ الـمـيّـتـون *** بـردِّ الأمـورِ إلـى الأوصياءِ

ولم ينشرِ القومَ غلَّ الصدور *** حتى طـواه الردى في رداءِ

ولـو سـلّـموا لإمـامِ الهدى *** لـقـوبِـلَ مـعـوجَّـهـم بـاسـتـواءِ

وفي هذه القصيدة يعدد كشاجم فضائل أمير المؤمنين (ع) وشجاعته في مواقفه في تثبيت دعائم الإسلام:

هلالٌ إلى الرشدِ عالي الضيا وسيفٌ على الكفرِ ماضي المضاءِ

وبـحـرٌ تـدفّـقَ بـالـمـعـجـزاتِ *** كما يـتـدفّــقُ يـنــبــوعُ مــاءِ

عـلومٌ سـماويّـةٌ لا تُـنـال *** ومـن ذا يـنـالُ نـجـومَ الـسـمــاءِ ؟

لعمـري الأولـى جحدوا حـقّـه *** ومـا كـان أولاهـمُ بـــالـولاءِ

وكمْ موقفٍ كان شخصُ الحِمام ** مـن الخوفِ فـيه قليلُ الخفاءِ

جلاهُ فإن أنكـروا فضله *** فقد عرفت ذاك شمـــــسُ الضحاءِ

أراها العجاجَ قبيلَ الـصباح *** وردت عـلـيـه بـعـيـدَ المـــساءِ

ويسترسل كشاجم في قصيدته حيث يرى أن هذا الاعوجاج هو الذي قاد إلى كربلاء:

وإن وِتِرَ القومُ في بـــــدرِهم *** لقد نقضَ الــقومُ في كربلاءِ

مطايا الخطايا خذي في الظلام *** فما همَّ إبليسَ غيرُ الحداءِ

لقد هُتكتْ حرمُ المصطـــــــفى *** وحلَّ بهــــنَّ عظيمُ البلاءِ

وتعبيره يصوِّر ما تنطوي عليه أعماقه من الحب لأهل البيت (ع) فلنستمع إليه في هذه الأبيات:

آلُ الـنبيِّ فضـــلتمُ *** فضل النجومِ الزاهرَة

وبهـرتمُ أعــداءكم *** بالمـــــأثراتِ السائرَة

ولكم مـع الشرفِ البلاغــــةِ والحلومِ الوافرَة

واذا تفوخِـرَ بالعلا *** فبكمْ عـــلاكمْ فاخرة

هذا وكــــم أطفأتمُ *** عن أحمدٍ مــن نائرَة

بالسمرِ تخضبُ بالنجيــعِ وبالسيـوفِ الباترة

تشفى بها أكبادُكم *** من كلِّ نفـــسٍ كافرة

ورفضتمُ الدنـيا لذا *** فزتمْ بحظِ الآخـــرة

ولكشاجم في رثاء شهيد كربلاء الإمام الحسين (ع) قصائد كثيرة، يقول في إحداها:

عفّرتم بالثرى جبينَ فتىً *** جبريلُ قبل النبيِّ ماسِحُه

سيانَ عند الإلـــــهِ كلكمُ *** خاذله منـــــــــكمُ وذابحُه

على الذي فاتـهم بحقهم *** لعنٌ يغـــــاديهِ أو يراوحُه

جهلتمُ فيهـــم الذي عرف الـــــبيتَ وما قابلتْ أباطحُه

وله في ولاء أمير المؤمنين (ع):

حبُّ الوصيِّ مبرّة وصِـلَة *** وطهــــــارةٌ بـالأصلِ مكتفلَه

والناسُ عالمهم يديـــن به *** حباً ويجهـــــــــلُ حقّه الجَهَلَه

ويرى التشيُّعَ في سراتهم *** والنصبُ في الأراذلِ والسفلَه

كما طفحت في ديوانه لآلئ الحكم ودرر المواعظ التي أعربت عن سمو نفسه ونبل مقصده في الدعوة إلى الخير وردعها عن السوء ومن ذلك قوله:

عجبي ممــــــن تعالت حاله *** وكفاهُ اللهُ زلاتِ الطــــــلبْ

كيف لا يقسم شطريَ عمرِهِ *** بين حالين نعيـمٍ وأدبْ

فإذا ما نال دهــــــــراً حظّه *** فحديثٌ ونشيــدٌ وكتبْ

مرة جداً وأخرى راحة *** فإذا ما غسقَ الليلُ انتصبْ

يقتضي الدنيا نهـــاراً حقها *** وقضى لله ليلاً ما يجبْ

تلك أعمال متى يعمل بها عـامـلٌ يسعدْ ويرشدْ ويصِبْ

ومن ذلك أيضاً قوله:

رُض بفعلِ التدبيرِ نفسك واقصرها عليه ففيه فضلٌ وفخرُ

لا تطعها على الذي تبـتـغـيه وليرُعها منك اعتساف وقهرُ

إن من شأنها مـجـانـبـة الـخـيـر وأتـيـان كـل مـن قـد يغرُ

وهناك كثير من الأغراض والشواهد الصادقة والمعاني السامية امتلأ بها ديوانه.

محمد طاهر الصفار

.....................................................................................

1 ــ مروج الذهب  ج 4 ص 348

2 ــ أصل الشيعة وأُصولها  ص 156

3 ــ معالم العلماء

4 ــ الغدير ج 4 ص 4

5 ــ الكنى والألقاب

6 ــ تاريخ بغداد

 7 ــ أدب الطف ج 2 ص 45

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً