213 ــ طلائع بن رزيك (الملك الصالح): (495 ــ 556 هـ / 1102 ــ 1160 م)

موسوعة الامام الحسين

2020-10-27

136 زيارة

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام):

هذا الحسينُ بـ (كربلاء) ثوى وليسَ له نصيرُ

فـغـدا بـفـتـيـتِـهِ الـكـرامِ إلى مصارعِهم يسيرُ

حتـى تـلـقّـاهـم بـجـنـبِ الـطـفِّ يومٌ قمطريرُ

وقال من أخرى:

شاعَ النفاقُ بـ (كربلا) *** فيهم وقالوا: نحنُ شيعة

هيهاتَ ساءَ صنيعُهم *** فيها وما عرفوا الصنيعة

يا فـعـلة جـاؤوا بـهـا *** في الغدرِ فاضحة شنيعة

وقال:

أناسٌ بهم قتلَ الحسينُ بـ (كربلا) *** فلي منه إن حلَّ الظلامُ أليلُ

وأنصـارهمْ سُرّوا بسبي حريمِه *** ويبدونَ ضحكاً إذ لهنَّ عويلُ

أبـوهُ بـلا شـكٍّ أبـادَ جـدودَهـم *** فـثـارتْ عـليهم من أبيهِ ذحولُ

وقال:

كفى الذي دخلَ الإسلامَ إذ فتكتْ *** أيمانُكم ببني الزهراءِ من خللِ

منعتمُ من لـذيـذِ الـمـاءِ شـاربَـهم *** ظلماً وكمْ فيكمُ من شاربٍ ثملِ

أبـكـيـهـمُ بدموعٍ لو بها شربوا *** في (كربلاء) كفتهمْ سورة الغللِ

وقال:

في (كربلاء) ثوى ابنُ بنـتِ رسولِ ربِّ العالمينا

قِـفْ بـالـضـريـحِ ونـادِه يـا غـايـة الـمـتـوسـلـيـنا

يـا عـروةَ الـديـنِ الـمـتـيـنِ وبـحـرَ علمِ العارفينا

وقال:

إذا عنَّ لي تذكارُ سكانِ (كربلا) *** فما لفؤادي في الضلوعِ سكونُ

فإن أنا لم أحزن على إثرِ ذاهبٍ *** فـإنـي عـلـى آلِ الرسولِ حزينُ

ألم ترهـمْ خـلوا حماهمْ كما خلا *** بـخـفّانِ مـن أسدِ العرينِ عرينُ

ومنها:

ألا كلّ رزءٍ بـعـد يـومٍ بـ (كربلا) *** وبـعـد مصابِ ابن النبي يهونُ

ثوى من حوله من آلهِ خيرُ عصبةٍ *** يُـطـالـبُ فـيـهـا لـلـطغاةِ ديونُ

يذادونَ عن ماءِ الفراتِ وغيرهم *** يبيتُ بصرفِ الخمرِ وهوَ بطينُ

الشاعر

طلايع بن رُزيك: شاعر وأديب وفقيه شيعي إمامي ووزير فاطمي ولد في أذربيجان ونشأ نشأةً كريمة وتربّى على الفضل والأدب والكمال وكبر النفس وعلو الهمة وسمو الغاية وقوة العقيدة.

كان رجل وقته فضلاً وأدباً وسياسة وتدبيراً, وقد أهّلته ملكاته النفسية والعقلية وفضائله وأخلاقه وشجاعته لأن يتولى الوزارة للخليفة الفاطمي الفائز عام (495هـ) فاجتمع عنده من صفات البطولة والسياسة والحنكة والبرّ والجود والعلم والتقوى والورع والعبادة ما لم تجتمع عند أحد قبله من الوزراء.

السياسة والأدب

قلما جمع إنسان بين ميزتي السياسة والأدب ووُفق فيهما معاً دون أن تضر إحداهما بالأخرى، والتاريخ يحفل بكثير من الأسماء التي جمعت بينهما, لكن كثيراً منها ما إن اجتازت عتبة الأولى حتى تساقطت أمام أعتاب الثانية.

فهذا ابن المعتز الشاعر العباسي يتولى الخلافة ليوم واحد ليصبح مقتولاً، وكذلك كانت نهاية الفتح بن خاقان وزير المتوكل وغيرهما، وطالت هذه العدوى حتى من لم يتسلم خلافة أو وزارة سوى ما يمت عمله بصلة سياسية ومنصب بسيط في البلاط, كما حدث لعبد الحميد الكاتب وابن المقفع, وحتى قيل لو أن المتنبي تسلم إمارة لانتهى أمره كشاعر عظيم.

ولكننا نجد في مقابل هذا القليل ممن وفق فيهما كالصاحب بن عباد, ونصير الدين الطوسي وغيرهما, وإضافة إلى هذين العلمين نجد شاعراً كبيراً وأديباً فحلاً لمع اسمه في سماء الأدب العربي ألا وهو الملك الصالح طلايع بن رُزِّيك.

ورغم أن نهايته كانت قتلاً، إلا أن سيرته العادلة الفاضلة وأدبه الرفيع وعلمه الواسع يحكم بأنه قد حواهما معاً دون أن يضرّ بإحداهما، فكما أبدى مقدرة كبيرة في مسؤوليته السياسية والاهتمام بشؤون الجيش وإعداده، وخوض الحروب به ضد الصليبيين، وتسيير شؤون البلاد وإدارة أموره الاجتماعية، حتى لُقب بـ (الملك الصالح) و(فارس المسلمين).

فقد حاز من العلوم والآداب ما لم يدانيه أحد في زمانه من الملوك والأمراء, فكان متكلماً شاعراً, وشجاعاً كريماً, وجواداً فاضلاً عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا، وقد أفصح عن نفسيته الكبيرة وشمائله الكريمة بقوله:

أبى الله إلا أن يديــــنَ لنا الدهرُ *** ويخدمُنا في ملكنـا العــزُّ والنصرُ

علمنا بأنّ المــــــالَ تُفنى ألوفهُ *** ويبقى لنا من بعــده الذكرُ والأجرُ

خلطنا الندى بالبأس حتى كأننا *** سحابٌ لديه الرعدُ والبرقُ والقطرُ

العلم والجهاد

قاد الملك الصالح حملات عديدة ضد الصليبيين ولم يترك الجهاد طيلة عمره الذي قضاه في تسيير الجيوش لقتالهم في البر والبحر، ولم يثنه كل هذا الجهاد في سبيل الله عن قيامه بواجبه تجاه العلم والعلماء، فقد كان يحمل في كل عام إلى أهل الحرمين بمكة والمدينة من الأشراف سائر ما يحتاجون إليه من الكسوة وغيرها حتى كان يبعث إليهم ألواح الصبيان التي يكتبون فيها والأقلام والمداد.

قال السيد محسن الأمين في ترجمته تحت عنوان: (جهاده للصليبيين): (في الوقت الذي ولى فيه الملك الصالح طلائع بن رُزيك الوزارة في مصر كان الصليبيون في عنفوان قوتهم وقد تسلطوا على الأرض الاسلامية، فأعد الصالح طلائع نفسه لقتالهم وتجند لمجاهدتهم. فمن وقائعه معهم انه أرسل سنة (553 هـ) في أوائل ربيع الأول حملة من مصر إلى غزة وعسقلان وكان الفرنج يحتلونهما فأغارت الحملة على أعمالها وخرج إليهم من كان بها من الإفرنج فاظهر الله تعالى المسلمين عليهم قتلاً وأسراً بحيث لم يفك منهم إلا اليسير وغنموا ما ظفروا به وعادوا سالمين ظافرين. ويبدو أن معركة بحرية حصلت أيضاً في نفس الوقت ظفر فيها الفاطميون وغنموا). (1)

بشارة الوزارة من أمير المؤمنين (عليه السلام)

هناك رواية ذكرها المقريزي تدل على مكانة الملك الصالح ومدى إيمانه وعقيدته وصدق ولائه وحبه لأهل البيت (عليهم السلام)، يقول المقريزي: (زار الملك الصالح مشهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في جماعة من الفقراء وإمام مشهد علي (عليه السلام) يومئذ السيد ابن معصوم (2) فزار طلايع وأصحابه وباتوا هنالك فرأى السيد في منامه الإمام صلوات الله عليه يقول له: قد ورد عليك الليلة أربعون فقيراً من جملتهم رجل يقال له: طلايع بن رزيك من أكبر محبينا فقل له: إذهب فإنا قد وليناك مصر.

فلما أصبح أمر من ينادي: من فيكم اسمه طلايع بن رزيك ؟ فليقم إلى السيد ابن معصوم. فجاء طلايع إلى السيد وسلم عليه فقص عليه رؤياه، فرحل إلى مصر وأخذ أمره في الرقي، فلما قتل نصر بن عباس الخليفة الظافر إسماعيل استثارت نساء القصر لأخذ ثاراته بكتاب في طيه شعورهن، فحشد طلايع الناس يريد النكبة بالوزير القاتل، فلما قرب من القاهرة فر الرجل ودخل طلايع المدينة بطمأنينة وسلام، فخلعت عليه خلايع الوزارة ولقب بالملك الصالح، فارس المسلمين، نصير الدين، فنشر الأمن وأحسن السيرة....) (3)

وقد بيّن طلايع هذه الحادثة في قوله:

بحبِّ عليٍّ أرتقي منكبَ العلى *** وأسحبُ ذيلي فوقَ هامِ السحائبِ

إمامي الذي لما تلفظتُ باسمه *** غلبتُ به من كان بالكثرِ غـــالبي

قالوا عنه

قال عنه المقريزي: (كان شجاعاً كريماً جواداً فاضلاً محبّاً لأهل الأدب جيد الشعر رجل وقته فضلاً وعقلاً وسياسة وتدبيراً، وكان مهاباً في شكله، عظيماً في سطوته، وجمع أموالاً عظيمة، وكان محافظاً على الصلوات فرائضها ونوافلها شديد المغالاة في التشيع صنّف كتاباً سماه (الاعتماد في الرد على أهل العناد) جمع له الفقهاء وناظرهم عليه وهو يتضمن إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام، وله شعر كثير يشتمل على مجلدين في كل فن ...) (4)

وقال عنه ابن خلكان: (كان فاضلاً سمحاً في العطاء سهلاً في اللقاء محباً لأهل الفضائل جيد الشعر، وهو الذي بنى الجامع الذي على باب زويلة بظاهر القاهرة) (5)

وقال عنه شمس الدين السخاوي: (جُمع له بين السلطنة والوزارة وكان مجاهداً في سبيل الله وهو الذي أنشأ الجامع تجاه باب زويلة المعروف الآن بجامع الصالح وهو بظاهر القاهرة).

وقال أيضاً: (حاز الملك الصالح طلايع من العلوم والآداب ما لم يدانيه فيه أحد من الأمراء والملوك في زمانه وسمع من الشعر فأكثر، وكان متكلماً شاعراً أديباً عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا مع مسؤوليته السياسية والتفكير في شؤون الجيش وإعداده, وتأميم حياتهم الفردية والاجتماعية, وما يفتقرون إليه من العتاد والأسلحة والذخائر الحربية، وقد أجمع المؤرخون على فضله وعلمه وعظيم مواهبه). (6)

وقال عنه الشيخ عباس القمي: (الملك الصالح فارس المسلمين كان وزير مصر للخليفة العاضد بعد وزارته للفائز ، وتزوج العاضد بابنته، وكان فاضلاً سمحاً في العطاء محباً لأهل الأدب). (7)

وذكره ابن شهرآشوب: (في شعراء أهل البيت المجاهرين) (8)

وقال عماد الدين الأصفهاني: (نفق في زمانه النظم والنثر واسترق بإحسانه الحمد والشكر. وقرب الفضلاء واتخذهم لنفسه جلساء، ورحل إليه ذوو الرجاء وأفاض على الداني والقاصي بالعطاء وله قصائد كثيرة مستحسنة. وله ديوان كبير وإحسان كثير).

وقال الأصفهاني أيضا عندما يتعرض لحادث متل طلايع: (وانكسفت شمس الفضائل ورخص سعر الشعر وانخفض علم العلم وضاق فضاء الفضل وعم رزء ابن رزيك وملك صرف الدهر ذلك المليك فلم تزل مصر بعد منحوسة الحظ منجوسة الجد منكوسة الراية معكوسة الآية). (9)

وقال عنه عمارة اليماني الفقيه: (لم يكن مجلس أنسه ينقطع إلا بالمذاكرة في أنواع العلوم الشرعية والأدبية وفي مذاكرة وقائع الحرب، وكان مرتاضاً قد شم أطراف المعارف وتميز عن أحلاف الملوك وكان شاعراً يحب الأدب وأهله يكرم جليسه ويبسط أنيسه ولكنه كان مفرط العصبية في مذهب الإمامية.....)

وقال أيضاً: (خلت القاهرة لطلائع ابن رزيك من مماثل، وأظهر مذهب الإمامية). (10)

وقال عنه السيد محسن الأمين (كان شجاعاً حازماً مدبراً جواداً صادق العزيمة عارفاً بالأدب .... وكان لا يترك غزو الفرنج في البر والبحر). (11)

وقال عنه ابن الأثير: (وكان الصالح كريماً فيه أدب وله شعر جيد وكان لأهل العلم عنده اتفاق، ويرسل إليهم العطاء الكثير) (12)

وقد ترجم له الشيخ عبد الحسين الأميني ترجمة وافية يقول فيها: (هو من أقوام جمع الله سبحانه لهم الدنيا والدين، فحازوا شرف الدارين، وحبوا بالعلم الناجع والأمرة العادلة، بينا هو فقيه بارع كما في [خواص العصر الفاطمي] وأديب شاعر مجيد كما طفحت به المعاجم، فإذا به ذلك الوزير العادل تزدهي القاهرة بحسن سيرته، وتعيش الأمة المصرية بلطف شاكلته، وتزدان الدولة الفاطمية بأخذه بالتدابير اللازمة في إقامة الدولة وسياسة الرعية ونشر الأمن وإدامة السلام.

وكان كما قال الزركلي في [الأعلام] وزيراً عصامياً يعد من الملوك، ولقب بالملك الصالح، ولقد طابق هذا اللفظ معناه كما ينبئك عنه تاريخه المجيد، فلقد كان صالحاً بعلمه الغزير وأدبه الرايق، صالحاً بعدله الشامل وورعه الموصوف، صالحاً بسياسته المرضية وحسن مداراته مع الرعية، صالحاً بسيبه الهامر ونداه الوافر، صالحاً بكل فضائله وفواضله دينية ودنيوية، وقبل هذه كلها تفانيه في ولاء أئمة الدين عليهم السلام ونشر مآثرهم ودفاعه عنهم بفمه وقلمه ونظمه ونثره، وكان يجمع الفقهاء ويناظرهم في الإمامة والقدر، وكان في نصر التشيع كالسكة المحماة كما في (الخطط والشذرات).

وله كتاب [الاعتماد في الرد على أهل العناد] يتضمن إمامة أمير المؤمنين عليه السلام والكلام على الأحاديث الواردة فيها، وديوانه مجلدان فيه كل فن من الشعر، وقد شرح سعيد بن مبارك النحوي الكبير المتوفى سنة (569 هـ) بيتاً من شعر المترجم في عشرين كراساً، وكان الأدباء يزدلفون إلى دسته كل ليلة ويدونون شعره، والعلماء يفدون إليه من كل فج فلا يخيب أمل آمل منهم، وكان يحمل إلى العلويين في المشاهد المقدسة كل سنة أموالاً جزيلة وللأشراف من أهل الحرمين ما يحتاجون إليه من كسوة وغيرها حتى ألواح الصبيان التي يكتب فيها والأقلام وأدوات الكتابة ووقف ناحية (المقس) لأن يكون ثلثاها على الأشراف من بني الحسنين السبطين الإمامين عليهما السلام، وتسعة قراريط منها على أشراف المدينة النبوية المنورة، وجعل قيراطا على مسجد أمين الدولة، وأوقف بلقس بالقليوبية وبركة الحبش وجدد الجامع بالقرافة الكبرى، وبنى الجامع الذي على باب زويلة بظاهر القاهرة ويسمى بجامع الصالح، ولم يترك غزو الأفرنج مدة حياته في البر والبحر، فكانت بعوثه إليهم تترى في كل سنة ولم يزل له صدر الدست وذرى الفخر ونفوذ الأمر وعرش الملك حتى اختار الله تعالى له على ذلك كله الفوز بالشهادة وقتل غيلة في دهليز قصره في شهر الصيام ودفن في القاهرة بدار الوزارة ثم نقله ولده العادل إلى القرافة الكبرى). (13)

سيرته ومقتله

تولى الملك الصالح الوزارة للخليفة العاضد بعد وفاة الفائز وتزوج العاضد من ابنته، وروي عن الملك الصالح الحادثة المشهورة مع رأس الإمام الحسين (عليه السلام). فقيل إنه لما أمر يزيد أن يُطاف بالرأس الشريف في البلاد وانتهى إلى عسقلان فدفنه أميرها بها، فلما غلب الافرنج عليها افتداه منهم الصالح طلايع وزير الفاطميين بمال جزيل ومشى إلى لقائه من عدة مراحل ووضعه في كيس حرير أخضر على كرسي من الأبنوس وفرش تحته المسك والطيب وبنى عليه المشهد الحسيني المعروف بالقاهرة وهذا القول من جملة أقوال عديدة حتى قيل:

لا تطلبوا رأسَ الحسيــنِ فإنه   ***   لا في حمى ثـــــاوٍ ولا في وادِ

لكنّما صـــــــفو الولاءِ يدلكمْ   ***   في أنه المقبـــــورُ وسط فؤادي

وقد توسع في الحديث عن هذا الموضوع بعرض مختلف الأقوال ومناقشتها السيد جواد شبر (14)

قضى الملك الصالح عمره كله بين الجهاد في سبيل الله والدفاع عن المذهب ودحض شبهات المخالفين ورعاية العلم والعلماء حتى حيكت حوله الدسائس والمؤامرات فأرسلت له عمّة الخليفة العاضد من قتله بالسكاكين غيلة حسدا وبغياً

ولم يمت من ساعته وحُمل إلى بيته وأرسل يعتب على العاضد فاعتذر وحلف إنه لم يكن يعلم بما دُبِّر له، ثم مات طلايع ودفن بالقاهرة وتولى ابنه العادل الوزارة مكانه للخليفة العاضد وسار بسيرة أبيه.

ورُوي إنه لما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها وكانت في التاسع عشر من شهر رمضان قال: هذه الليلة ضرب في مثلها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأمر بقراءة مقتل أمير المؤمنين واغتسل وصلى مائة وعشرين ركعة احيا بها ليله وخرج في الصباح ليركب فعثر وسقطت عمامته واضطرب لذلك فأصلح عمامته فقال له رجل:

إن هذا الذي جرى يُتطيّر منه، فأن رأى مولانا أن يؤخّر الركوب. فقال: الطيرة من الشيطان وليس إلى التأخير سبيل، ثم ركب فكان من أمره ما كان وبكاه الناس كثيراً.

رثاؤه

كان يوما حزينا في مصر يوم مقتل طلايع لبست عليه ثياب الحداد ورثاه الفقيه عمارة اليمني بقصيدة عصماء منها:

أفي أهلِ ذا النادي عليهـم أُسـائله *** فـإني لـمـا بيَ ذاهبُ اللبِّ ذاهلُه

سمعتُ حديثاً أحـسـدُ الصـمَّ عنده *** ويـذهـلُ داعـيـهِ ويـخـرسُ قائلُه

فهلْ من جوابٍ يستغيثُ به المنى *** ويعلو على حقِّ المصيبةِ باطلُه

وقد رابني من شاهدِ الحالِ إنني * أرى الدست منصوباً وما فيه كافلُه

فهل غابَ عنه واستنابَ سليلَه؟ ** أم اختارَ هجراً لا يُرجّى تواصلُه؟

فـإنّـي أرى فـوقَ الـوجـوهِ كآبةً *** تـدلُّ عـلـى أن الـوجـوهَ ثـواكـلُـه

ومنها:

دعونـي فـمـا هـذا أوانُ بـكـائِـهِ *** سـيـأتـيـكـمُ طـلُّ الـبـكـاءِ ووابـله

ولا تـنـكروا حـزني عليهِ فإنّني *** تـقـشّـعَ عـنـي وابـلٌ كـنـتُ آمـلُه

ولـم لا نـبـكّـيـه ونـنـدبُ فــقــدَه *** وأولادُنــا أيــتــامُــه وأرامــلُـه؟

فيا ليتَ شعري بعد حسنِ فعالِه *** وقد غـابَ عـنـا مـا بنا اللهُ فاعلُه

أيـكـرمُ مثوى ضيفكم وغريبـكـم *** فيمكثُ أم تٌطوى ببينٍ مراحلُه؟

ومنها:

فيا أيّها الـدسـتُ الذي غابَ صدرُه *** فـمـاجـتْ بـلاياهُ وهاجتْ بلابلُه

عهدتُ بكَ الطودُ الذي كانَ مفزعاً *** إذا نـزلـتْ بـالـملكِ يوماً نوازلُه

فمن زلزلَ الطودَ الذي ساخَ في الثرى وفي كل أرضٍ خوفُه وزلازلُه؟

ومن سدَّ بابَ الملكِ والأمرُ خارجٌ *** إلى سائرِ الأقطارِ منه وداخلُه؟

ومن عوَّقَ الغازي المجاهدَ بعدما *** أعدتْ لغزوِ المشركينَ جحافلُه؟

ومن أكرهَ الرمحَ الردينيَّ فالنوى *** وأرهـقَـه حـتـى تـحـطـمَ عاملُه؟

من كسَّرَ العضبَ المهنّدَ فاغتـدى *** وأجـفـانُـه مـطـروحة وحمائله؟

ومن سلبَ الإسلامَ حليةَ جيدِهِ ** إلى أن تشكّى وحشةَ الطرقِ عاطلُه؟

ومن أسكتَ الفضلَ الذي كان فضلُه ** خطيباً إذا التفّتْ عليه محافلُه؟

وما هذهِ الضوضاءُ من بعدِ هيبةٍ * إذا خامرتْ جسماً تخلّت مفاصلُه؟

كأنَّ أبا الغاراتِ لـم يـشـن غـارةً *** يـريـكَ سـوادَ الليلِ فيها قساطلُه

ولا لمعتْ بين العـجاجِ نصولُه *** ولا طرَّزتْ ثوبَ الفجاجِ مناصلُه

ولا صار في عالي ركابيهِ موكبٌ *** ينافسُ فيه فارسَ الخيلِ راجلُه

ولا مرحتْ فوقَ الدروعِ يراعُه كـمـا مرحتْ تحتَ السروجِ صواهلُه

ولا قسمتْ ألحاظه بين مخلصٍ *** جـمـيـلِ الـسجايا أو عدوٍ يجاملُه

ولا قابلَ المحرابَ والحربُ عاملاً مـن الـبأسِ والإحسانِ ما اللهُ قابلُه

تعجَّبتُ من فعلِ الـزمـانِ بـنـفـسِـه *** ولا شـكّ إلا أنّـه جـنَّ عـاقـلُه

بمنْ تفخرُ الأيـامُ بـعـد طـلايـعٍ *** ولـم يـكُ فـي أبـنـائِها من يماثلُه؟

أتنزلُ بالهادي الكفيلِ صروفَها *** وقد خيَّمتْ فوق السماكِ منازلُه؟

وتسعى المنايا منه في مهجةِ امرئٍ * سعتْ هممُ الأقدارِ فيما تحاولُه

شعره

سخّر طلايع أدبه وشاعريته لعقيدته الراسخة وولائه لأهل البيت (عليهم السلام)، فقد حمل شعره طابع الولاء وتأرّج بعبق الولاية، وله في مدح الأئمة الطاهرين ورثائهم قصائد مطوّلة كثيرة يقول الشيخ الأميني: (إن له في أهل البيت عليهم السلام مدحاً ورثاءً ما يربو على ألف وأربعمائة بيتاً. وقد جمعها سيدنا العلامة السيد أحمد العطار في كتابه (الرائق).

يقول طلايع من إحدى قصائده:

آل الـنـبـيِّ بـهـم عـرفـنـا مـشـكـلَ الـقرآنِ والتــوراةِ والإنـجـيـلِ

هم أوضحوا الآيـاتِ حتى بيّنوا الـغاياتِ في التحـريـــمِ والتحليلِ

عند التباهـلِ ما علمنا سادساً *** تحتَ الكسا معهم سوى جبريلِ

فقد تفانى في حبه لهم (عليهم السلام) وقد آلى على نفسه قتال أعدائهم:

آليـــــــت لا ألقى عداةَ أئمتي *** إلا بعضبِ الشفرتيـــنِ صقيلِ

ويقول في لامية أخرى:

فلا يطـمـعُ الأعـداءُ فيَّ فأنني *** ليَ اللهُ بالنصـرِ المبيــــنِ كفيلُ

أقول: لـهـم ميــلي إلى آلِ أحمدٍ *** وما أنا ميّـــالُ الـــودادِ ملولُ

لأنَّ لهم في كل فضـلٍ وسؤددٍ *** فضولاً عليها العالمون فضولُ

ويسترسل في قصيدته حتى يصل إلى مقتل الحسين (عليه السلام) فيقول:

علامَ قـتـلـتـمْ بـضـعـةً من نبيـكمْ *** وتدرونَ إن الــــرزءَ فيه جليلُ

ضحكتمْ وأظهرتـمْ سروراً وبهجةً *** بـيـومٍ بـه نـجـلُ الـبـتـولِ قتيلُ

قتيلٌ شجى الأملاكِ مـا فـعـلـوا بـه *** وأظهرَ أسحانُ الجيادِ صهيلُ

ومن حقّهم أن تخسفَ الأرضَ للذي *** أتوه ولكن ما الحكيمُ عجولُ

وفي عينية مبكية يتعرض إلى الحوادث والآلام التي جرت على أهل البيت (عليهم السلام) في كربلاء يقول فيها:

يا فـعـلـةً جـاءوا بـهـا فـي الـغـدرِ فـاضـحةً شنيعَه

خابَ الذي أضـحى الحسين لطولِ شقوتهِ صريعَه

أفـذاكَ يـرجـو أن يــكــونَ مــحـمـدٌ أبـداً شـفـيـعَـه

وفيها يقول:

تحتَ السقيــفةِ أضمرتْ ما بالطفوفِ غدت مذيعَه

فلذاك طـاوعـت الـدعـيَّ وكـثّـرتْ مـنـه جـمـوعَه

بـجـيـوشِ كـفـرٍ قـد غـدا ذاكَ الـنـفـاقُ لـهـا طليعَه

وشعره فيهم (عليهم السلام) يحتاج إلى دراسة مطولة لكثرته وجودته، وقد طبع له ديوان ضخم.

وإضافة إلى شعر طلايع الولائي فله شعر كثير في المحاججات والمناظرات مع المخالفين كقوله:

يا أمّة سلكت ضلالاً بـيّـنـا *** حتى استوى إقرارُها وجحودُها

قلتم ألا أن الـمـعـاصيَ لم تكن *** إلّا بـتـقـديـرِ الإلـه وجـودُها

لو صحَّ ذا كانَ الإلهُ بزعمكم *** منعَ الشريعةَ أن تقامَ حدودُها

حـاشـا وكـلا أن يـكـون إلـهُنا *** ينهى عن الفحشاءِ ثم يريـدُها

محمد طاهر الصفار

................................................................

1 ــ أعيان الشيعة ج 7 ص 396

2 ــ ابن معصوم كان سيداً شريفاً جليلاً عظيم الشأن رفيع المنزلة كان في المشهد الغروي وهو جد الأسرة العلوية النجفية المعروفة بآل الخرسان.

3 ــ المواعظ و الاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بـ (خطط المقريزي)  ج 4 ص 8

4 ــ نفس المصدر

5 ــ وفيات الأعيان 1 ص 259

6 ــ تحفة الأحباب وبغية الطلاب‏ ص 176

7 ــ الكنى والألقاب ج 3 ص 197

8 ــ معالم العلماء

9 ــ خريدة القصر وجريدة اهل العصر

10 ــ النكت العصرية، في أخبار الوزراء المصرية

11 ــ أعيان الشيعة

12 ــ الكامل في التاريخ ج 11 ص 103

13 ــ الغدير ج 4 ص 344

14 ــ أدب الطف ــ السيد جواد شبر ج 3 ص 257

كما ترجم للملك الصالح إضافة إلى هؤلاء الأعلام كل من:

ابن كثير في تاريخه ج 12 ص 243

ابن شحنة في روض المناظر لابن شحنة

اليافعي في مرآة الجنان ج 3 ص 310

ابن معصوم في أنوار الربيع ص 312

شمس الدين السخاوي في تحفة الأحباب ص 176

العماد الحنبلي في شذرات الذهب 4 ص 177

الصنعاني في نسمة السحر في من تشيع وشعر ج 2

الزركلي في الأعلام ج 2 ص 449

فريد وجدي في دائرة المعارف ج 5 ص 771

جرجي زيدان في تاريخ مصر الحديث ج 1 ص 298

الشيخ عبد الحسين الأميني في شهداء الفضيلة ص 57

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً