212 ــ صفوان المرسي الأندلسي: (561 ــ 598 هـ / 1166 ــ 1202 م)

موسوعة الامام الحسين

2020-10-26

83 زيارة

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام):

ولو أني حضرتُ بـ (كربلاء) *** إذاً حـمدَ الحسينُ بها منابي

إذاً لسقيتُ عنهُ السّيفَ رِيّاً *** وليسَ سوى نجيعي مِن شرابِ

أمـولايَ الـحـسـين نداءَ عبدٍ *** عظيم الحُزنِ فيكَ والانتحابِ

وقال من أخرى متعددة القوافي:

رضـيـتَ عـدُوَّ اللَّهِ وَاللَّهُ ساخطُ *** بما فعلت فـي (كـربَلاءَ) المآقِـطُ

ألا بأَبي تلكَ الدماءُ الغوابطُ *** وأنصارُهـا الأعلونَ عنهـا شواحـطُ

بيـثرب أَدنَى دارِها نَظَـرٌ عَالِ

وقال من نفس القصيدة:

لقد طاحَ في ذاكَ المجَالِ كلا وَلا *** سَريّ قَرَته سَورةَ الكربِ (كربلا)

يقولُ وقَـد لاقَى الردى مــتُهــلّلا *** سـأُدركُ عــنـد الله مـجـداً مُــؤثّــلا

وَقَــد يــدركُ المـجـدَ المُـؤَثَّل أَمـثـالي

وقال من قصيدة حسينية تبلغ (31) بيتاُ:

على (كربلا) لا أخلف الغيث (كربلا) *** وإلا فإن الدمع أندى وأكرمُ

مصارعُ ضـجّـتْ يـثـربٌ لـمـصـابِـها *** وناحَ عليهنَّ الحطيمُ وزمزمُ

ومكّة والاستارُ والركنُ والـصـفـا *** ومـوقـفُ جـمـعٍ والمقامُ المعظّمُ

ومنها:

وهم قطعوا رأس الحسين بـ(كربلا) *** كأنهم قد أحسنوا حين أجرموا

فخُذ مـنـهمُ ثـاري وسـكّـن جـوانـحاً *** وأجـفـانَ عينٍ تستطيرُ وتسجمُ

أبـي وانـتـصـرْ لـلـسـبـطِ وأذكـرْ *** مصابَه وغلّتـه والنهرُ ريّانَ مفعَمُ

الشاعر

أبو بحر صفوان بن إدريس بن إبراهيم عبد الرحمن بن عيسى بن إدريس التجيبي المرسي، ولد في مرسية في الأندلس وتوفي ودفن بها ولم يبلغ الأربعين من عمره لكنه يعد من كبار شعراء الأندلس وأدبائها، ولم تسعفنا المصادر بشيء من سيرته وبواكير حياته وتعليمه سوى ما ذكره الحموي في معجمه من أنه (أخذ عن أبيه والقاضي ابن إدريس وابن غلبون وأبي الوليد)، وإنه ولد في (بيت نابه) ويدل تعليمه على يد والده أن أسرته لها صلة وثيقة بالعلم والأدب.

قال عنه لسان الدين بن الخطيب: (انفرد برثاء الحسين (عليه السلام) (1)

ويروي ابن الأبار علاقة الشاعر مع شعر الرثاء الحسيني فيقول: (له قصائد جليلة خصوصاً في الحسين، رحل إلى مراكش فقصد دار الخلافة مادحاً فما تيسّر له شيء فقال: لو مدحت آل البيت لبلغت أملي فمدح، وبينما هو عازم على الرجوع عن طلبه قضى الخليفة مأربه فعكف على مدح آل البيت عليهم ‌السلام ورثائهم). (2)

قال عنه الشيخ محمد السماوي في الطليعة: (كان كاتباً بليغاً وشاعراً بارعاً من أعيان أهل المغرب). (3)

وقد ذكره السيد محسن الأمين في أعيانه (4)

وقال عنه الصفدي: (الكاتب البليغ كان من أجلَّة الأدباء، وأعيان الرؤساء، فصيحاً جليل القدر، له رسائل بليغة، وكان من الفضل والدين بمكان، توفي وله سبع وثلاثون سنة). (5)

وقال عنه علي بن موسى العنسي المعروف بـ (ابن سعيد المغربي): (هو أنبه الأندلس في عصره ... قصر إمداحه على أهل البيت عليهم‌ السلام وأكثر من تأبين الحسين (عليه السلام). (6)

وقال عنه ياقوت الحموي: (كان أديباً كاتباً شاعراً سريع الخاطر، وهو أحد أفاضل الأدباء المعاصرين بالأندلس ....) (7)  

الأثر النفيس

ترجم للتجيبي السيد جواد شبر (8) وذكر له قصيدة واحدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام)، لكنه استدرك على معلومات وقصائد للشاعر (9) حيث قال ما نصه:

(ترجمنا في الجزء الثالث للشاعر صفوان المرسي، وليس لدينا من شعره غير قصيدة واحدة، أما وقد عثرنا على محاضرة الأديب المغربي عبد اللطيف السعداني من مدينة (فاس) وقد نشرها في مجلة العرفان م ٥٩ فكان في ثنايا محاضرته القيمة قصيدة لشاعرنا المرسي، وقد اقتطفنا جزءاً من المحاضرة مع القصيدة.

وكان عنوان المحاضرة: (حركات التشيّع في المغرب ومظاهره).

وبعد أن أتى على ما يقوم به المغربيون من مظاهر شعائر الحسين (عليه ‌السلام) في شهر المحرم والرواسب القديمة منذ العصور المتقدمة قال:

إن أحد أعلام الفكر والمفكرين في القرن الثامن الهجري هو لسان الدين ابن الخطيب أتحفنا بإشارة ذات أهمية كبرى. والفضل في ذلك يعود إلى إحدى النسخ الخطية الفريدة من مؤلفه التاريخي (إعلام الأعلام فيمن بويع بالخلافة قبل الاحتلام). التي حفظتها لنا خزانة (جامعة القرويين) بمدينة فاس من عاديات الزمن (10) وبهذه الإشارة تنحل العقدة المستعصية وينكشف لنا ما كان غامضاً من قبل مما أغفل الحديث عنه المؤرخون مما كان يجري في الأندلس من أثر التشيع. ذلك أن ابن الخطيب عند حديثه عن دولة يزيد بن معاوية انتقل به الحديث إلى ذكر عادات الأندلسيين وأهل المغرب خاصة في ذكرى مقتل سيدنا الحسين من التمثيل بإقامة الجنائز وإنشاد المراثي.

وقد أفادنا عظيم الفائدة حيث وصف إحدى هذه المراسيم وإنشاد المراثي وصفاً حياً شيقاً حتى ليخيَّل أننا نرى أحياء هذه الذكرى في بلد شيعي. وذكر أن هذه المراثي كانت تسمى الحسينية وإن المحافظة عليها بقيت مما قبل تاريخ عهد ابن الخطيب إلى أيامه. ونبادر الآن إلى نقل هذا الوصف على لسان صاحبه (11):

(ولم يزل الحزن متّصلاً على الحسين والمآتم قائمة في البلاد يجتمع لها الناس ويختلفون لذلك ليلة يوم قتل منه بعد الأمان من نكير دول قتلته ولا سيما بشرق الأندلس فكانوا على ما حدثنا به شيوخنا من أهل المشرق (يعني مشرق الأندلس) يقيمون رسم الجنازة حتى في شكل من الثياب يستخبى خلف سترة في بعض البيت وتحتفل الأطعمة والشموع ويجلب القراء المحسنون ويوقد البخور ويتغنى بالمراثي الحسنة).

وفي عهد ابن الخطيب كان ما يزال لهذه المراثي شأن أيضاً فإنه في سياق حديثه السابق زادنا تفصيلاً وبياناً عن الحسينية وطقوسها فقال:

(والحسينية التي يستعطها إلى اليوم المستمعون فيلوون لها العمائم الملونة ويبدلون الأثواب في الرقص كأنهم يشقون الأعلى عن الاسفل بقية من هذا لم تنقطع بعد وإن ضعفت ومهما قيل الحسينية أو الصفة لم يدر اليوم أصلها. وفي المغرب اليوم ما يزال أولئك المسمعون الذين أشار إليهم ابن الخطيب يعرفون بهذا الإسم وينشدون وكثرت في إنشادهم على الأخص الأمداح النبوية. كما أن الموسيقى الأندلسية الشائعة اليوم في بلاد المغرب تشتمل في أكثرها على الأمداح النبوية أيضاً).

ثم ينتقل الأستاذ عبد اللطيف بالحديث عن الشاعر التجيبي ويذكر أن قصائده كانت من أبرز القصائد التي ينشدها المسمعون فيقول:

(كما أفادنا ابن الخطيب بنقله نموذجاً لهذه المراثي تبين مدى عناية الشعراء بهذا الموضوع وعرَّفنا بأحد شعراء الشيعة في الأندلس الذي اشتهر برثاء سيدنا الحسين وهو أبو البحر صفوان بن إدريس التجيبي المرسي (٥٦١ - ٥٩٨) وهذه القصيدة كانت مشهورة ينشدها المسمعون وهي كما يلي) ... وذكر قصيدته الميمية التي مطلعها:

سلامٌ كأزهارِ الرُّبى يتنسّمُ *** على منزلٍ منه الهدى يتعلّمُ (12)

وقد أشار إلى هذا الكتاب والشاعر، السيد حسن الأمين حيث قال: (أفادنا ابن الخطيب وعَرَّفنا بأحد شعراء الشيعة في الأندلس، الذي اشتهر برثاء سيِّدنا الحسين (عليه ‏السلام) وهو أبو البحر صفوان بن إدريس التجيبي المرسي) (13)

مؤلفاته

ذكرت المصادر للتجيبي ــ إضافة إلى ديوان شعره ــ عدة مؤلفات منها:

1 ــ كتاب زاد المسافر وراحلته في أشعار الأندلسيين

2 ــ كتاب العجالة: وهو في مجلدين يتضمنان طرفاً من نثره ونظمه

3 ــ أدباء الأندلس)

شعره

قال في مدح النبي صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله ‌وسلم :

تحـيـة اللهِ وطـيـبُ الـسـلامْ *** على رسـولِ اللهِ خيرِ الأنامْ

على الذي فتَّحَ بابَ الـهدى *** وقال لـلـناسِ ادخلوها سلامْ

بـدرِ الهدى سحبِ الندى والجدا وما عسى أن يتناهى الكلامْ

تـحـيـة تـهـزأ أنـفـاسُها *** بالمسكِ لا أرضى بمسكِ الختامْ

تـخـصَّـه مـنـي ولا تنثني *** عن آلهِ الصِّيدِ السراةِ الكرامْ

وقـدرهـمْ أرفـعُ لـكـنـنـي *** لـم ألـفَ أعلى لفظةً من كرامْ

وقال وهو يرجو شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله):

يقـولـون لـي لما ركبتُ بطالتي *** ركوبَ فتىً جمّ الغوايةَ معتدي

أعندكَ ما ترجو الخلاص به غداً *** فقلتُ نعم عندي شفاعة أحمدِ

وقال من قصيدته الميمية في رثاء الإمام الحسين والتي كان ينشدها المسمعون في الحسينيات في الأندلس:

لـو أن رسـولَ الله يـحـيـى بعيدهمْ *** رأى ابن زياد أمّه كيف تعقمُ

وأقـبـلـتِ الـزهـراءُ قـدِّسَ تربُها *** تـنـادي أبـاهـا والـمدامعُ تسجمُ

تقول: أبي هم غادروا ابنيَ نهبة *** كما صاغه قيسٌ وما مجَّ أرقمُ

سـقـوا حـسـنـاً لـلـسمِّ كأساً رويّة *** ولـم يـقـرعـوا سنّاً ولم يتندّموا

وهم قطعوا رأسَ الحسينِ بـ (كربلا) كأنّهمُ قد أحسنوا حين أجرموا

وقال من حسينية أخرى:

أبـكـي قـتـيلَ الطفِّ فرع نبيِّنا *** أكـرمْ بـفـرعٍ لـلنبوّةِ زاكِ

ويلٌ لقومٍ غـادروه مضرَّجاً *** بدمائه نـضواً صريعَ شكاكِ

مـتـعـفّـراً قـد مُـزَّقـتْ أشـلاؤه *** فـريـاً بـكـلِّ مـهـنَّـدٍ فـتّاكِ

أيزيدُ لو راعيتَ حرمةَ جدِّهِ * لم تقتنص ليث العرين الشاكي

إذ كنتَ تصغي إذ نقرتَ بثغرِهِ قرعت صماخَكَ أنّة المسواكِ

أترومُ ويكَ شفاعة من جَّدِه *** هـيـهـات، لا ومـدّبرِ الأفلاكِ

ولسوفَ تُنبذ في جهنمَ خالداً ** مـا الله شاءَ ولاتَ حين فكاكِ

وقال:

أومضْ ببرقِ الأضلعِ *** واسكبْ غمامَ الأدمعِ

واحزنْ طويلاً واجزعِ *** فـهـوَ مـكانُ الجُزَّعِ

وانثرْ دمـاءَ الـمتقلتينِ *** تـألـمـاً عـلى الحسينِ

وابكِ بدمعٍ دونَ عينِ *** إن قـلَّ فـيضُ الأدمعِ

قـضـى لـهيفاً فقضى *** من بعدِه فصلُ القضا

ريحانةُ الهادي الرضا ** وابنُ الوصيِّ الأنزعِ

وقال في رثاء الإمام الحسين أيضاً:

اندبِ الطفَّ وسبطَ المصطفى بمراثٍ هيَ أَسرى مِن قفا

لا ترُم ضوءَ هدىً من بعدِهِ فَسراجُ الهدي بالطّفِّ انطفى

أُمةَ الطّغيانِ ما أَجرأَكُمُ *** ما أقَـلَّ الـبـرّ فـيـكُـم والـوفا

لَـو رآهُ جـدّهُ بـيـنـكُـمُ *** ظامئاً يُـسـقـى الحُسامَ المُرهفَا

لانطوى فـوق يــديـهِ ألـمـاً *** وتــولّـى قـائـلاً وا أسـفـا

شاكيا يستصرخُ اللَّه وقَد *** قـال يـعـنـي مُـقـلـتيهِ انذرِفا

أَتُرى أَرضيتُمُ خـالـقـكُم *** يومَ أذرفتُم دموعَ المُصطفى

أَيُّ سـبـطٍ لـو قُـتـلـتُـم عـنـدهُ *** وقُـتـلتُم كلّكم مَا انتصفا

لـيـسَ يـحـتـاجُ إلى تسميةٍ *** إن سكتنا عن حُسينٍ عُرِفا

يـا بـنـي حـربٍ جفوتُم جَدّه *** أَرسولُ اللَّهِ يُجزى بِالجفا

يا بني حربٍ ولا عُذرَ لكُم *** أأطيلُ القَولَ فيكُم أَم كفى

وقال من حسينية أخرى:

وحُقَّ ليَ البكاءُ فَإنّ حُزني *** يُـثـيـرُ الـدَّمعَ في جفنِ السرابِ

وَأَينَ ليَ العَزَاءُ وَقَد تَرَدّى *** فراشُ الصَّبرِ في نارِ المُصَابِ

ويـا عـيـنيَّ إن لـم تـسـتـهِـلا *** ثَـكِـلـتُـكُـمَـا إِذاً بـيـنَ السِّحَابِ

على سِبطِ الرَّسُولِ عَلَى حُسَينٍ ** علـى نَجلِ الشَّهِيدِ أَبي تُرَابِ

يَزيدُ فَكم يَزِيدُ عَلَيكَ حِقدِي *** رُزِئـتَ الـفَوز مِن حُسنِ المَآبِ

قَـتَـلـتُـم سِـبطَهُ قَتلَ الأَعَادِي *** لـقـد وُفِّـقـتُـمُ لـسـوَى الصَّوَابِ

وَسُـقـتُـم أَهـلَـهُ سَـوقَ السَّبَايَا *** أَهـذا مَـا قـرَأتُـم في الكِتَابِ ؟

لـقد نشِبَ الحُسَينُ من البَلايَا *** مـن الـطُّـلـقاءِ في ظُفرٍ ونابِ

أَلا يا يـومَ عـاشوراءَ رَاجِع *** جوابي لا قَدرتَ على الجوابِ

عـلامَ تـركـتَ نُـورَ اللهِ يُطفَى *** غـداتـكَ بـالـمُـهَنّدَةِ العِضَابِ

بنو المختارِ ماتُوا فـيـكَ ذبـحـاً *** لـقـد ضـحَّيتَ بالعِلقِ اللُّبَابِ

ويا نـجـلَ الـدَّعـيّ زيـاد حـربٍ *** لـقـد لُـفّـفتَ نسلاً من كذَابِ

وليسَ دَم الحُسَينِ أَرَقتَ لَكن ** مـزَجتَ دَم الرَّسُولِ مع التُّرابِ

ولـو لاقـاكَ يـومــئِـذٍ أَبُـوهُ *** عـداكَ عـنِ الـغـنـيـمـةِ والإيـابِ

محمد طاهر الصفار

.................................................................

1 ــ إعلام الأعلام فيمن بويع بالخلافة قبل الاحتلام

2 ــ الحلة السيراء

3 ــ الطليعة من شعراء الشيعة

4 ــ أعيان الشيعة ج ٧ ص ٣٨٩

5 ــ فوات الوفيات ج ١ ص ٣٩٢

6 ــ المُغرب في حلي المغرب

7 ــ معجم الأدباء

8 ــ أدب الطف ج 3 ص 246 ــ 256

9 ــ أدب الطف ج 4 ص 10 ــ 14

10 ــ يقول عبد اللطيف السعداني: (يعود الفضل في اكتشاف هذه النسخة من هذا الكتاب واطلاعنا عليه إلى العلامة السيد العابد الفاسي مدير خزانة جامعة القرويين)

11 ــ أي لسان الدين ابن الخطيب

12 ــ القصيدة في الكتاب في جامعة القرويين وهو مخطوط ص 37 ـــ 38

13 ــ دائرة المعارف الإسلامية الشيعية

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً