188 ــ حيدر الحلي: (1246 ــ 1304 هـ / 1831 ــ 1886 م)

موسوعة الامام الحسين

2020-09-20

131 زيارة

قال من قصائد عدّة كلها في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام):

لكنّما نفسي بمعتركِ الأسى *** أسرتْ فوادحُ (كربلاءَ) عزاءَها

يا تربـةَ الطـفِّ المقدّسةِ التي *** هـالوا على ابنِ محمدٍ بوغاءَها

حيَّت ثـراكِ فلاطفتهُ سحابة *** من كوثرِ الفردوسِ تحملُ ماءَها

*******************************

فحشا ابنِ فاطمةٍ بعرصةِ (كربلا) *** بردتْ غليلاً وهو كانَ رواءَها

ولتُطبقُ الخضراءُ في أفـلاكـها *** حتى تصكَّ على الورى غبراءَها

فـوديـعـةُ الـرحـمـنِ بـيـن عبـادِهِ *** قـد أودعـتـهُ أُمـيّـةٌ رمـضـاءَهـا

*******************************

سلْ بهمْ أمّا تسلْ (كربلا) *** إذ واجهوا فيها البلا المُكربا

دكّوا رُبـاها ثمّ قـالوا لها *** وقـد جَـثـوا نـحـنُ مكانُ الرُبا

يا بأبي بالطفِّ أشلاؤهـا *** تنسجُ في التربِ عليها الصبا

*******************************

ولا كدمٍ في (كربلا) طاحَ منكمُ *** فذاكَ لأجفانِ الحميّةِ أسهرا

غداةَ أبو السجـادِ جـاءَ يقودُها *** أجادلَ للهيجاءِ يحملنَ أنسرا

عليها من الفتيانِ كلُّ ابن نثرةٍ *** يعدّ قتيرَ الدرعِ وشياً محبَّرا

*******************************

واطلبْ به بدمِ القتيلِ بـ (كربلا) في خيرِ شيعة

ماذا يهيجُكَ إن صبرتَ لـوقـعةِ الطفِّ الفظيعة

أترى تجيء فجيعة ** بأمض من تلك الفجيعة

*******************************

وطأوا آنافَكُم في (كربلا) *** وطأةً دكَّتْ على السهلِ الجـبالا

قــوّمـوهــا أسَـلاً خـطّـيَّــةً *** كـقـدودِ الغـيـدِ لينـــاً واعـتـدالا

وأخطبوا طعناً بها عن ألسنٍ *** طالما أنشأتِ الموتَ ارتجالا

******************************

لا مثلَ يومكمُ بعرصةِ (كربلا) *** في سالفاتِ الدهرِ يوم شجونِ

قـد أرهفوا فيـهِ لجـدِّكَ أنصلاً *** تـركـتْ وجوهكـمُ بـلا عـرنـينِ

يـومٌ أبيٌّ الضيمِ صـابرَ محنـةً *** غضبَ الإلـهُ لوقعِهـا في الدينِ

***************************

وبه مذ ابتكرتْ مصيبة (كربلا) *** عقمتْ فما لنتاجِها من حيـنِ

أحماةُ ثغرِ الدينِ حيث سيوفكمْ *** شرعتْ محجَّةَ نهجِه المسنونِ

صلـى الإلـهُ عليكـمُ ما منكـمُ *** هتف الصوامع باسمِ خيرِ أمينِ

**************************

أعدْ ذكرهم في (كربلا) إن ذكرَهم *** طوى جزعاً طيَ السجلِ فؤاديا

ودعْ مقلتي تحمرُّ بعـد ابيضاضِهـا *** بـعـدِّ رزايـا تتركُ الدمـعَ داميـا

ستنسى الكرى عيني كـأنّ جفونَهـا *** حلفنَ بمن تنعــاهُ أن لا تلاقيــا

الشاعر:

السيد حيدر الحلي، شاعر أهل البيت (عليهم السلام) وأمير شعراء الرثاء الحسيني ولد في الحلة من أسرة علمية أدبية ورث أبناؤها العلم والأدب والشعر وينتهي نسبها إلى الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) فالشاعر هو:

أبو الحسين حيدر بن سليمان بن داود بن سليمان بن داود بن حيدر بن أحمد بن محمود بن شهاب بن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي القاسم بن أبي البركات ابن القاسم بن علي بن شكر بن محمد بن الحسن الأسمر ابن شمس الدين النقيب ابن أحمد بن الحسن بن علي بن محمد بن عمر بن يحيى بن الحسين بن أحمد بن عمر بن يحيي بن الحسين بن زيد الشهيد بن الإمام زين العابدين علي بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

رغم أن العصر الذي عاش فيه السيد حيدر كان عصراً أدبياً عاش فيه كبار الشعراء إلا أنه كان يتصدر المشهد الشعري في عصره فقد كان شاعراً مجيداً قلّما يأتي الدهر بمثله.

كان أبوه شاعراً مجيداً وقد مات قبل أن يكمل السيد حيدر عامه الثاني من عمره فعاش يتيماً فتولّى تربيته عمّه السيد مهدي الذي كان شاعراً أديباً أيضاً ــ كعادة أسرته ــ وقد تعهّد بتربيته كما يتعهد أحد أولاده وشمله بأفضل رعاية وعناية حتى أنه أشركه في الميراث مع ولديه وكان لعمه فضل في صقل مواهبه فنشأ شاعراً فذّاً لا يشق له غبار.

قرأ السيد حيدر كثيراً من شعر العرب وحفظ المجلدات من أخبارهم وتتبع البليغ من أقوالهم والمأثور من كلامهم والبديع من صناعتهم وقد ظهر ذلك كله في شعره، فقد انعكست قراءاته وتجسّدت في قوة شاعريته فقلما تجد شاعراً متأخراً سلم شعره من العيوب كشعر السيد حيدر ولعلنا في غنىً عن الحديث والاطالة عن قوة شاعريته ونكتفي بنقل ما رواه الأعلام عن ذلك:

يقول الأستاذ علي الخاقاني: (طرق شعر السيد حيدر الحلي الأسماع وخاصة في الرثاء فلقد نال إعجاب الجميع وهيمن على مشاعرهم فامتلكها ولقد كنت يوماً في مأتم فتليت قصيدته التي مطلعها:

تركت حشاكَ وسلوانها *** فخلّي حشايَ وأحزانها

برواية جميلة واضحة فشاهدتُ جماعة الأدباء قد سادهم إصغاء وتفكير وعند الفراغ سألت الذي عن يميني: هل تستطيع أن تعلل هذه الظاهرة في الوقت الذي غمر الناس الحُزن في هذا اليوم (عاشر محرم) فأجابني: وكيف تعجب وشعر السيد حيدر يأخذ بالأديب فيحلّق به إلى أجواء واسعة من الفن والخيال كما يشغل التفكير برصفه وحسن انسجامه وبليغ قوله ومليح نكته وكيف تعجب والسيد حيدر أمير الشعراء الذين خلدوا مع واقعة الطف خلوداً لا يطرأ عليه التلاشي ولا النسيان).

وقال عنه السيد جواد شبر (كان شاعراً مجيداً من أشهر شعراء العراق أديباً ناثراً جيد الخط نظم فأكثر ولا سيما في رثاء الحسين عليه ‌السلام فقد حلّق، بالرغم من أن معاصريه من فحول الشعراء وأكابر الادباء فقد فاقهم حتى اعترفوا له بالفضل).

وقال عنه السيد محسن الأمين: (كان لغوياً عارفاً بالعربية شهماً أديباً، وقوراً تقياً عليه سمات العلماء الأبرار كثير العبادة والنوافل كريم الطبع)

وقال عنه الشيخ أغا بزرك الطهراني: (الشاعر الذي لم يزل يحتفظ بمكانته السامية في نفوس الشعراء والعلماء والأدباء ولم تضعضع الأيام ولا مرّ السنين من رفعته وجلالته وتقديره، وما رأيت شاعراً من شعراء الحسين عليه‌ السلام تتذوّقه النفوس وتهوى تكرار قصائده كالسيد حيدر في جميع الأقطار الشيعية فهو مضرب المثل في هذه الصناعة)

لم يقتصر عطاء السيد حيدر الحلي على الشعر فقد ألف عدة مؤلفات منها:

١ ـ كتاب دمية القصر في شعراء العصر.

٢ ـ العقد المفصل

٣ ـ الاشجان في خير إنسان

٤ ـ ديوان شعر: طبع بعدة تحقيقات منها: تحقيق الأستاذ صالح الجعفري، والأستاذ علي الخاقاني، والسيد مضر الحلي

عرف السيد حيدر بمراثيه (الحوليات) وذلك أنه كان يعتد بنفسه فلا يثبت القصيدة إلا بعد ان يقرأها المرة تلو الأخرى وبعد الاطمئنان يقرأها على رهط من فحول الشعراء بعد إعطائه لهم حرية النقد والمناقشة فإذا ما تم كل ذلك وافق على نسبتها له، فكان لا يذيع القصيدة إلا بعد أن يمرّ عليها عام كامل ومن ثم يخرجها ويقرأها ليذيعها في الأندية فكانت (حولياته) تشتمل على شعر رصين مركز.

وكانت مراثي السيد حيدر لجده الامام الحسين (عليه السلام) وتسجيله لوقائع الطف الدامية بلغة الموتور الذي شفّه الحزن فلم يمر عليه عام دون أن يسجل فيه ما جرى على سيد الشهداء وأهل بيته وصحبه من القتل وما جرى على نساء الوحي من السبي والأسر، فتميّز هذا اللون في شعره بصدق العاطفة والمتانة والقوة في التعبير.

قال من إحدى قصائده:

سَلِ الطفَّ عنهم أينَ بالأمسِ أطنبوا *** وأين استقلوا اليومَ عن عرصةِ الطفِّ

وهل زحفُ هذا اليوم أبـقــى لـحيِّهم *** عميدَ وغىً يستنــــهضُ الحيَّ للزحفِ

فلا وأبيكَ الـخير لم يبــــــقَ منهمُ ***   قريعُ وغــــىً يقـري القنا مهجَ الصفِّ

مشوا تحتَ ظلِّ المرهفـاتِ جميعهمْ *** بأفئـــــــــدةٍ حـــرّى إلى مـوردِ الحتفِ

فتلكَ على الرمضاءِ صرعى جسومهم *** ونسوتهم هاتيك أسرى على العُجفِ

وقال من قصيدته (الناعية) التي يبدأ كل بيت من أبياتها الثلاثين بكلمة (نعى) والمقصود به جبرائيل (ع).

نعى الروحُ جبريل بأن ذوي الغدر *** أراقوا دمَ الموفين للهِ بالنذرِ

نعى من أعـارَ اللهَ بالطفِّ هامةً *** ومن قلبهِ فيـــها أقام على جمرِ

نعى أنَّ أسيافاً نحرنَ ابنَ فاطمٍ *** لحزنٍ بحجرِ اللهِ كلُّ أولي الأمر

نعى ظامياً أبكى السمـاءَ بعندمٍ *** وحقّ لها تبـــكي بأنجمِها الزهرِ

وقال:

عجباً للعيـــــون لم تغد بيضاً *** لمصابٍ تحمرُ فيه الـــــــدموعُ

وأسىً شابت الليـــــالي عليه *** وهو للحشرِ في القلوبِ رضـيعُ

أين ما طارت النفوسُ شعاعاً *** فلطير الردى عـــــــــليه وقوعُ

فأبى أن يعيش إلا عــــزيزاً *** أو تجلى الكفــــــاحُ وهو صريعُ

فتلقى الجموع فرداً ولكــــن *** كلُّ عضوٍ في الروعِ منه جموعُ

زوَّج السيفَ بالنفوسِ ولكـن *** مهرُها الموتُ والخضابُ النجيعُ

وقال

كفاني ضناً أن ترى في الحسين *** شفت آلُ مروانِ أضغانَها

فأغضبـــــــــــــــت اللهَ في قتلهِ *** وأرضـتْ بـذلكَ شيطــانَها

عشية أنهضــــــــــــــــها بغيُها *** فـجـــاءته تــركبُ طغيانَها

فقال لها اعتصمي بالإبـــــــاء *** فـنـفس الأبــــــي وما زانَها

إذا لم تجد غير لبـــــسِ الهوان *** فـبالموتِ تنـــــزعُ جثمانَها

رأى القتل صبراً شعـارَ الكرام *** وفـخراً يزيـــــنُ لها شانَها

وقال من لاميته المشهورة:

كم رضـاع الضيمِ لا شبَّ لكم *** ناشئ أو تجعلوا الموتَ فِصالا

كم وقوف الخيـلِ لا كم نسيتْ *** علكها اللجـــمُ ومجراها رعالا

كم قرار البيـض في الغمدِ أما *** آن أن يـهتــزَّ للضربِ انسلالا

كم تمنّون العـــــوالي بالطلى *** أقتــــــلُ الأدواءِ مـا كان مطالا

فهملوا بالمذاكي شــــــــــزَّباً *** والظبا بيــــضاً وبالـسمرِ طوالا

محمد طاهر الصفار

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً