167 ــ منصور النمري: توفي (190 هـ / 805 م)

موسوعة الامام الحسين

2020-08-29

379 زيارة

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام):

فـوافوا (كربلاء) مع المنايا *** بمـرداةٍ مـسـوَّمــةِ الـخـيـولِ

وأبناءُ السعادةِ قد تواصوا *** على الحدثانِ بالصبرِ الجميلِ

فما بخلتْ أكفُّهمُ بـضـربٍ *** كـأمـثــالِ الـمصاعبـةِ البزولِ

ومن نفس القصيدة:

بتربـةِ (كربـلاءَ) لهم ديـارٌ *** نيامُ الأهلِ دارسةُ الطلـولِ

وأوصالُ الحسينِ ببطنِ قاعٍ *** ملاعبُ للدبـورِ و للقبـولِ

تحيّـاتٌ و مـغـفـرةٌ وروحٌ *** على تلكَ المحلّـةِ و الحلولِ

الشاعر

منصور بن الزبرقان بن سلمة بن شريك بن مطعم الكبش الرخم بن مالك النمري من النمر بن قاسط, ولد في مدينة (رأس العين) على شاطئ الفرات, من شعراء أهل البيت (عليهم السلام).

أمر الرشيد بقطع لسانه وقتله وقطع رأسه عندما سمع قصيدته اللامية في مدح أهل البيت (عليهم السلام)، فلما جاء أبو عصمة ـ أحد قوّاد الرشيد ـ إلى الرقة وفيها بيت النمري لتنفيذ الأمر رأى جنازته خارجة من بيته فعاد إلى الرشيد فأخبره بوفاته, ولكن حقد الرشيد لن يزول من صدره إلا بمعاقبة النمري حتى بعد موته ! فقال لأبي عصمة: فألا إذ صادفته ميتاً أحرقته بالنار !.. فنبشوا قبره !! (1)

وتحقق قول النمري:

آلُ الـنـبيِّ ومن يحبّــــــــهم *** يتطــامنون مخـــافةَ القتلِ

أمنوا النصارى واليهود وهم *** من أمة التوحيد في أزلِ

إلا مـصـــاليتٌ ينصرونَهم *** بظبا الصوارمِ والقنا الذبلِ

على الرغم من أن الاخبار القليلة جداً التي وردت في بطون الكتب عن الشاعر النمري لا تكفي لتسليط الضوء على حياته ونشأته, إلا أن أشعاره تكشف بوضوح عن شخصيته وإيمانه بعقيدته وولائه لأهل البيت (عليهم السلام) كما تكشف أيضاً عن شاعريته الفذة يقول عنه الصنعاني: (كان شاعراً غير منازع، فحلاً غير مقارع). (2)

كان النمري في بداية حياته تلميذاً لكلثوم بن عمرو العتابي وراويته, أخذ عنه وقلده في مذهبه وكانت صحبتهما وثيقة تجاوزت حدود التلمذة بعد أن لمس العتابي في النمري توقد ذهن، ورهافة حس، وذكاء، وفطنة فهيّأ له متطلبات السفر من الشام إلى بغداد ووصفه للفضل بن يحيى البرمكي الذي استقدمه وأكرمه.

وعند الفضل اجتمع النمري بالشاعر مسلم بن الوليد, وروى السيد المرتضى: (إن سفره إلى بغداد كان مع الوفد الذي أرسلته ربيعة إلى الرشيد بعد أن أوقع (عصمة) بأهل ديار بكر موقعة فظيعة يذكرها التاريخ، فلما صاروا بباب الرشيد أمرهم باختيار من يدخل عليهم فخلص اختيارهم إلى رجلين أحدهما النمري بعد أن وجدوه متكلماً أديباً لبيباً فلما سألهما الرشيد حاجتهما أنشد النمري قصيدة مطلعها:

ما تنقضي حسرةٌ ولا جزعُ *** إذا ذكرتُ شباباً ليس يرتجع (3)

والقصيدة عبارة عن شكوى وعتاب وتذمر من الدهر وهي أول شعره, حتى إذا انتهى النمري من قصيدته قال له الرشيد: ويحك... قل حاجتك فقال: أخرِبت الديار, وأخُذت الأموال, وهُتكت الحرم, فقال: اكتبوا له بكل ما يريد.

ولما وجده الرشيد فصيحاً شاعراً استبقاه عنده وأرسل أصحابه بالكتب.

قال السيد المرتضى: (وكان منصور النمري يأتي باسم هارون الرشيد في شعره ومراده به صاحب منزلة هارون يعني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وكذلك قال المرزباني وابن دريد ومن ذلك قوله:

آل الرسولِ خيـــارُ الناسِ كلهم *** وخيـرُ آلِ رسولِ اللهِ هارونُ

رضيتُ حكمكَ لا أبغي به بدلاً *** لأنَّ حكمكَ بالتوفيقِ مقرونُ

وقال الجاحظ: (كان منصور النمري ينافق الرشيد ويذكر هارون في شعره ويريه أنه من وجوه شيعته وباطنه ومراده بذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لقول النبي (صلى الله عليه وآله): أنت مني بمنزلة هارون من موسى. إلى أن وشى عنده بعض أصحابه, وأنشد له قصيدته اللامية فوجه الرشيد رجل منه فزارة.. وتتمة القصة كما ذكرناها في المقدمة.

وفي الحقيقة فقد ظلم الجاحظ الشاعر النمري عندما نسب إليه النفاق فلم يكن النمري منافقاً, بل كان يعمل بالتقية فيورّي في مدح هارون بعلي, قال السيد حسن الصدر (4) والسيد ضياء الدين الصنعاني (5) عن جماعة:

(إنه ـ أي النمري ـ كان يُورّي في مدح هارون العباسي بعلي (ع) تلميحاً منه الى الحديث الشريف المشهور: أنت مني بمنزلة هارون من موسى).

وقال الحصري: (وكان يضمر غير ما يظهر, ويعتقد الرفض, وله في ذلك شعر كثير لم يظهر إلا بعد موته) وقد نقل الحصري عن الجاحظ قوله: (وكان منصور دخل الكوفة وجلس إلى هشام بن الحكم الرافضي وسمع كلامه فانتقل إلى الرفض). (6)

ودلت المصادر التاريخية والأدبية على فصاحته وشاعريته من ذلك ما رواه المرتضى في أماليه, والأصفهاني في الأغاني, والمبرد في الكامل في اللغة والأدب, وغيرهم من اجتماعه عند الرشيد بمروان بن أبي حفصة شاعر الرشيد في خبر طويل انتهى باعتراف مروان بشاعريته عليه بقوله:

(فإذا هو والله أفصح الناس قد دخلني له حسد فوددت إنه قد أخذ كل ما لدي وسكت ...).

كما اعترف بأن النمري كان خليقاً بأن يغلبه ويعلو عليه كما جاء على لسانه: (وأخلق به أن يغلبني وأن يعلو عليَّ فأني ما رأيت أحسن من تخلصه إذا ذكر الطالبيين).

ومن أبرز شعره في أهل البيت قصيدته اللامية التي يقول فيها:

شـاءٌ من الناسِ راتعٌ هاملِ *** يعللونَ مـن النفوسِ بالباطلِ

تقتل ذريــــــة النــبيِّ ويرجــــــونَ جنــــــــانَ الخلودِ للقاتلِ

ويلكَ يا قاتلَ الحـسيــنِ لقد *** بؤتَ بـحملٍ ينـــوءُ بالحاملِ

أيِّ حباءٍ حبـوتَ أحـمدٍ في *** حفرتِـــــه من حرارةِ الثاكلِ

بأيِّ وجهٍ تلقى النبـــيَّ وقد *** دخــــلتَ في قتلِه مع الداخلِ

ويصدح فيها بولائه الخالص لأهل البيت (ع) وإعلان مظلوميتهم:

نفسي فداءُ الحسيـنِ حين غدا *** إلى المـنايا غدوّ لا قافلِ

ذلكَ يوم أنـــحـى بشفرتهِ *** على سـنامِ الإسلامِ والكـاهلِ

أعاذَلي إنــني أحبَّ بنـــــــــــي أحمدَ فالتربُ في فمِ العاذلِ

جفوتمُ عترةَ النبـيِّ وما الجــــافي لآلِ النبـــــــيِّ كالواصلِ

مظلومـةٌ والنبـيُّ والدُها *** تُديرُ أرجـــــــــاءَ مُقلة حافلِ

ثم يعرض بالظُلمة ويستنفر الناس ضد العباسيين:

ألا مصاليت يغضبــون لها *** بسلـــــــةِ البيضِ والقنا الذابلِ

وهذا البيت تصريح واضح بالثورة ضد العباسيين والانتصار لأهل البيت ثم يبرز مظلوميتهم (عليهم السلام) وما تعرضوا له من الاضطهاد والسجن والتشريد من قبل السلطة العباسية:

كم ميّــتٍ مـنـهـم بـغـصّته‏ *** مـغـتــربِ القبرِ بالعرى نازلِ‏

ما أنتجتْ حــوله قــــرابـتُه‏ *** عـنـد مـقـاســاةِ يـومهِ النازلِ‏

أذكرُ مـنـهـم ومـا أصـابهم‏ *** فـيـمنعُ القلبُ سلـــــوّه الذاهلِ‏

قد دنتْ فيما دنتمُ عليه فما *** رجعتْ عن دينكمُ إلى الجاهلِ‏

وقد أدت خصومة بينه وبين كلثوم بن عمرو العتابي إلى وشاية العتابي به عند الرشيد وحلف العتابي للرشيد إن النمري يقصد بمدحه هارون الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقرأ له قصيدة النمري، فغضب الرشيد وجعل عليه جاسوساً يترصد أقواله وأفعاله فأتاه الجاسوس وقرأ له قصيدة أخرى للنمري لا يقل وقعها عن الأولى أفرغ فيها النمري ما في قلبه من لوعة وأسى على مصاب الإمام الحسين والحوادث التي جرت عليه يوم الطف ومظلومية الأئمة (عليهم السلام) وهذه القصيدة قرأها عند قبر الحسين, فرآه جاسوس الرشيد فقال له: رأيته منكبا ليلاً على قبر الحسين ينشده و ينشج، فحفظت ما أبقاه لي النشيج، يقول النمري في هذه القصيدة:

متى يشفيـكَ دمعكَ من همولِ *** ويبردُ ما بـقلبِكَ من غليلِ

فؤادك والســـــلوّ فإن فيه‏ *** سيــأتـي أن يـعودَ إلى ذهولِ‏

فيا طـول الأسى من بعد قوم‏ٍ *** أديرَ عليــهمُ كأسَ الأفولِ‏

تعاورهم أســنّةُ آلِ حربٍ‏ *** وأسيـــــــــافٌ قليلاتُ الفلولِ‏

فما وُجدت عـلى الأكتافِ منهم‏ ولا الأعــقابِ آثارُ النّصولِ‏

و لكنّ الوجوهَ مكلّماتٍ‏ ** وفوق صـدورهمْ مجرى السيولِ‏

بتربةِ (كربلاءَ) لهمْ ديارٌ *** نيـــــامُ الأهلِ دارسةِ الطّلولِ‏

تحيـاتٌ ومغـفــرةٌ وروح‏ *** علـــى تلك المحـلـةِ والحلولِ

لأوصالِ الحسينِ ببطنِ قاعٍ‏ *** ملاعبُ للدّبــــورِ وللقبولِ‏

أريقَ دمَ الحسيـنِ ولم يراعوا  وفـي الأحياءِ أمواتُ العقولِ‏

فدت نفسي جبينَكَ من جبينٍ‏ * جرى دمه على الخدِّ الأسيلِ‏

ألا يا ربِّ ذي حزنٍ تعايا *** بصبرٍ فاستــراحَ إلى العويلِ

قتيلٌ ما قتـيلُ بني زيــادٍ *** ألا بأبـــــــــي وأمي من قـتيلِ

أيخـلو قلبُ ذي ورعٍ ودينٍ *** من الأحـزانِ والهمٍّ الطويلِ

 

وقد شرقتْ رماحُ بني زيادٍ ** بـريٍ من دماءٍ بني الرسولِ

ألم يُحزنكَ سربٌ من نساءٍ *** لآلِ محمدٍ خُـمـــشِ الذيولِ

يشقِّقنَ الجيوبَ على حسينٍ *** أيامى قد خلونَ من البعولِ

وينهي قصيدته الطويلة بما تهيج في نفسه فيعبر عنه في خاتمة القصيدة:

برئنا يا رسولَ الله مّـمن *** أصـابـكَ بالأذاةِ وبـالذحــــــولِ

ألا يا ليتني وصـلتْ يميني *** هنـاكَ بـقـائمِ السيفِ الصقيلِ

نجدتُ على السيوفِ بحرِّ وجهي ولمْ أخذلْ بنيكَ مع الخذولِ

فغضب الرشيد وأعطى لمن يأتي برأسه ألف دينار، فهرب وتبعه رجل من بني فزارة إلى رأس عين فوجده قد مات، وروي إنه نُبش قبره كما ذكرنا, وروي أن الفزاري قد وجده مريضاً من الغرق، فاستمهله النمري ثلاثة أيام إلى أن يموت فيأخذ رأسه، ففعل و أتى برأسه إلى الرشيد (7)

محمد طاهر الصفار

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

...........................................................................................................

1 ــ أعيان الشيعة - السيد محسن الأمين ج ١٠ ص ١٤٠ نقلا عن ابن شهر آشوب في المناقب

2 ــ نسمة السحر في ذكر من تشيع وشعر ج 2 ص 326

3 ــ  الأمالي ــ غرر الفوائد ودرر القلائد ج 2 ص 273 -  278

4 ــ تأسيس الشيعة الكرام لسائر فنون الإسلام 162

5 ــ نسمة السحر في ذكر من تشيع وشعر ج 2 ص 329

6 ــ زهر الآداب وثمر الألباب ج 2 ص 61 ــ 62

7 ــ الطليعة من شعراء الشيعة ــ الشيخ محمد السماوي ج 1  ص 245

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً