165 ــ ديك الجن الحمصي: (161 ــ 235 هـ / 777 ــ 849 م)

موسوعة الامام الحسين

2020-08-27

527 زيارة

قال من قصيدة تبلغ (50) بيتاً:

يا عين في (كربلاء) مقابرُ قد *** تركنَ قلبي مقابرَ الكربِ

مـقـابـرُ تحتها منـابـرُ مِن *** علمٍ وحـلمٍ و منـظرٍ عـجــبِ

مـن البــهالـيلِ آلِ فاطـمةٍ *** أهلِ المـعالـي السـادةِ النجـبِ

 وله من قطعة في رثاء الحسين تبلغ (9) أبيات:

ونظرتُ سبط محمدٍ في (كـربلا) *** فرداً يعاني حزنه المـكـظـوما

تنحو أضـالعَه سـيــوفُ أمـيـةٍ *** فتراهمُ الصمصوم فالصمــصوما

فالجسمُ أضحى في الصعيدِ موزَّعاً والرأسُ أمسى في الصعادِ كريما

الشاعر

أبو محمد عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب بن عبد الله بن رغبان بن يزيد بن تميم الكلبي، ولد في حمص، من كبار شعراء العربية تميّز بأسلوبه الشعري المتين البناء والسبك, مع رقة المعاني, ودقة النسج, وصدق الصورة, والجزالة في الألفاظ, وقد تعددت الأغراض في شعره فخاض كل فنونه وأبدع فيها وتجلّى الإبداع في تصوير الخصوبة في صبغته.

أما لقبه فقد تعددت الروايات بشأنه فقيل: سمي بـ (ديك الجن) لأن عينيه كانتا خضراوين, وقيل إنه رثى ديكاً ذُبح وعُمل منه مأدبة وقيل غير ذلك في روايات كثيرة. كما أشارت المصادر إلى أنه لم يبرح مدينته حمص حتى توفي فيها، ولم يذكر التاريخ عن نشأته وحياته وبيئته شيئاً سوى أحداث وقصص حدثت للشاعر في حياته آثرنا عدم ذكرها لتباينها البعيد، فقد أولع المؤرخون في التماهي مع خيالهم في نسج القصص والزيادة فيها حتى أغرقوا في أحداثها إلى حد الأسطورة والخيال.

ديك الجن في عيون التاريخ

قبل أن نصحب هذا الشاعر في شعره الولائي ورحلة حياته والكشف عن جوانبها وما رافقها من أحداث، وقبل الخوض في دراسة خصائص أدبه وتوجّهاته وما تركه أدبه من تأثير في محيط مجتمعه، نرى من المهم النظر إليه من نافذة التاريخ وما رسمه المؤرخون من صورة له وما شكّله شعره من تأثير في زمنه:

قال عنه ابن رشيق القيرواني: (من المعدودين في إجادة الرثاء، وهو أشهر فيه من أبي تمام، وله فيه طريق انفرد بها، وقد قصده الشاعر دعبل الخزاعي مع ما له من مكانة كبيرة في الشعر إلى بلده ونعته بـ (أشعر الجن والانس) !!

وقصده أيضاً أبو نؤاس ليقول له: (فتنت أهل العراق بشعرك) !

وقال عنه أبو الفرج الأصفهاني: (كان شاعراً مجيداً على مذهب أبي تمام والشاميين شديد التشيّع).

وعده ابن شهر آشوب في شعراء أهل البيت (عليهم السلام) وقال عنه: (شاعر الدنيا وصاحب الشهرة بالأدب فاق شعراء عصره وطار ذكره وشعره في الأمصار حتى صاروا يبذلون الأموال للقطعة من شعره ... افتتن الناس بشعره في العراق وهو في الشام حتى أنه أعطى أبا تمام قطعة من شعره، وقال له يا فتى اكتسب بهذا واستعن به على قولك، فنفعه في العلم والمعاش).

وقال ابن خلكان: (وهو من أهل سلمية كان متعففّاً عن قصد الملوك, متفرّداً عن شعراء عصره, حتى إنه لم يفارق الشام مع أن خلفاء بني العباس في عصره ببغداد, فلا رحل إلى العراق ولا إلى غيره متنفعاً بشعره, وكان يتشيّع تشيّعاً حسناً، وله مراث في الحسين (عليه السلام).

وقال عنه السيد الأمين: (يعد الشاعر ديك الجن في طليعة شعراء القرن الثالث الهجري ومن أبرزهم في الرثاء، ولم يجاره في مدح آل البيت ورثائهم إلا السيد الحميري وشعره يقوم دليلاً قوياً على أنه شاعر مطبوع ترتاح له النفس وتتذوقه الأسماع والقلوب، وولاؤه لأهل البيت ظاهر على شعره).

تهميش الشاعر وتضييع شعره

والآن بعد أن اطلعنا على المكانة المتميزة التي احتلها ديك الجن في كتب التاريخ ألا يقتضينا الإنصاف أن نستجوب التاريخ والمؤرخين عن سبب التعتيم والتهميش الذي كان نصيبه في حياته وبعد مماته ؟

أليس من العجيب إن شاعراً مجيداً على مذهب أبي تمام والشاميين، ومن المعدودين في إجادة الرثاء، وهو أشهر فيه من أبي تمام نفسه، وله فيه طريق انفرد بها، ثم لا تجد من المؤرخين والكتاب والدارسين من أولاه اهتمامه وعُني بدراسة حياته وبيئته وآثاره وما تميّز به شعره من خصائص ؟

أليس عجيباً أن شاعراً قصده أشهر شاعرين في عصرهما وقالا له أنت: (أشعر الجن والإنس) و(فتنت أهل العراق بشعرك) ثم لا تجد من يتناول هذا الشعر الذي فتن أهل الشعر وهم أهل العراق بالدراسة والبحث ؟

أليس من العجيب أن عصراً ضجّ بالمؤرخين والمؤلفين واللغويين والنحويين والشعراء والأدباء، وراجت فيه صناعة الورق، وأخذ الناس يتنافسون في اقتناء الكتب واتخاذ المكتبات، وتغلغلت الثقافة في جميع الأوساط حتى أوساط العامة، ثم لم ينل شاعر يعدّ في طليعة شعراء ذلك العصر ما هو أهل له من العناية والاهتمام فتجد العبارة التي تبعث على الحزن والدهشة معاً يرددّها كل من يتعرض لذكر هذا الشاعر أو يترجم له وهي: (إن كثيراً من شعره قد ضاع) أو (ضاع أغلب شعره) وغيرها من شبيهاتها.

عناية المؤرخين بشعراء البلاط

إن المطالع للتاريخ الأدبي العربي ليجد أن شعراء كانوا دون ديك الجن في جميع الخصائص الفنية قد نالوا أكثر مما يستحقون من الاهتمام وخُصّوا بكتابة الدراسات والبحوث عنهم ثم يهمل شعر من فتن أهل العراق بشعره !!

وربما سيستشف القارئ الإجابة الواضحة في سبب ذلك من المؤرخين أنفسهم، فقد كان للبلاط العباسي ومجالس لهو الخليفة و(فتوحاته الحمراء العظيمة) دور كبير في شهرة الشعراء فهذه هي سوقهم التي يبيعون فيها شعرهم وضمائرهم.

كما كان للنزعة المذهبية والصراع الفكري والايديولوجي أكبر الأثر في إسدال ستار الإهمال والإشاحة عن هذا الشاعر الكبير من قبل المؤرخين.

فهذا الشاعر الذي قصده دعبل الخزاعي مع ما له من مكانة كبيرة في الشعر إلى بلده ونعته بـ (أشعر الجن والانس)، وقصده أبو نؤاس ليقول له: (فتنت أهل العراق بشعرك). لم يمدح أحداً من الخلفاء أو الولاة أو القادة أو حتى من له أدنى صلة بالبلاط العباسي، ولم يبع شعره على تجار نخاسة الشعر من السلاطين والأمراء، ولم يتزلّف بشعره لأحد على غير عادة أغلب شعراء ذلك العصر الذين يأتون من أقاصي البلاد فتمتلئ بهم مجالس الخلفاء والولاة وهم يتسابقون لاكتساب الجوائز والهبات.

لقد عاصر ديك الجن أربعة خلفاء من بني العباس هم: المهدي والهادي والرشيد والمأمون وهم أشد حكام بني العباس عداءً لأهل البيت وشيعتهم، وأكثرهم إجراماً بحق الشيعة وتعد فترة حكمهم من أقسى الفترات التي مر بها شعراء الشيعة. فقد مارس هؤلاء الطغاة الأربعة كل أنواع البطش والتنكيل ضد شعراء أهل البيت فحُورب الشعراء، وطُوردوا، وقتّلوا وعذّبوا بأشد أنواع العذاب من أجل عقيدتهم ومبدأهم.

في تلك الفترة الدموية التي سادها الإرهاب ووجهت السلطة فيها كل قوّتها وسخّرت كل وسائلها لقمع الشيعة والتشيع ومحق كل ما يمت بصلة بأهل البيت نجد ديك الجن يقول:

جاءوا برأسِكَ يا بنَ بنتِ محمدٍ *** مـترمّـلاً بـدمـائه ترميلا

وكأنما بكَ يا بنَ بنتِ محمدٍ *** قتلوا جهاراً عامدينَ رسولا

قتلوكَ عطشاناً ولمّا يرقبوا *** في قـتـلـكَ التنزيلَ والتأويلا

و يكبّرون بأن قُتلت وإنما *** قـتـلـوا بـكَ الـتكبيرَ والتهليلا

ويقول:

أصبحتُ ملقىً في الفراشِ سقيما *** أجـدُ النسيمَ من السقامِ سـمـوما

ماءٌ من العبراتِ حرّى أرضه   *** لـو كـان من مطرٍ لكان هـزيـما

وبـلابـلٌ لـو أنـهـنَّ مـآكـلٌ *** لـم تُــخـطـىء الـغـسـلـيـنَ والـزقـوما

وكرىً يرى عنّي سرى لو أنه *** ظِـلٌ لـكـانَ الــحــرَّ والـيـحـموما

مرّت بقلبي ذكرياتُ بني الهدى *** فـنسيتُ مـنـهـا الروحَ والتهويما

ونظرتُ سبطَ محمدٍ في كربلا *** فــرداً يــعـانـي حـزنَه المكظوما

تنحو أضـالـعَـه سـيـوفُ أميةٍ *** فـتـراهم الصمصومَ فالصمـصوما

فالجسمُ أضحى في الصعيدِ موزَّعاً والرأسُ أمسى في الصعادِ كريما

وهذا الشعر وغيره الكثير الذي يحمل نفس النَفس الحسيني لم يقله شاعره في زمن يشفع لمن يقول مثله عند السلطة من القتل أو التغييب في غياهب السجون أو التعرض لأقسى أنواع التعذيب والتنكيل، فقد عاش شاعره في أكثر مراحل الدولة العباسية بطشاً وقسوة وطغياناً وعاصر أعتى طواغيت بني العباس وأكثرهم دموية وإرهاباً.

الصوت الهادر

ولكن كل وسائل الإرهاب التي مارسها العباسيون بحق أهل البيت وشيعتهم ومواليهم لم تمنع ديك الجن الحمصي من الجهر بالحق، ولم تستطع أجهزة تكميم الأفواه ومصادرة الحريات وهدر الدماء من إسكات صوت هذا الشاعر وإخماد نفسه الولائي الصادح بحب أهل البيت (عليهم السلام) والمجاهر بمظلوميتهم وإثارة النفوس ضد ظالميهم من الأمويين والعباسيين ولا سيما التنديد بالجريمة البشعة التي ارتكبها الأمويون بقتلهم سبط النبي (صلى الله عليه وآله) الإمام الحسين في كربلاء، ومما قاله وهو يستذكر واقعة الطف ويستحضر صورها في ذلك الجو المشحون بالإرهاب ووسائل القمع العباسية:

أين الحسينُ، وقتلى من بني حسنٍ، *** وجـعفرٍ وعقيلٍ ؟ غـالهمْ عـمرُ

قتلى يـحـنُّ إلـيـها البيتُ والحـجـرُ *** شوقاً، وتبكيهمُ الآيـاتُ والـسورُ

ماتَ الحسينُ بأيدٍ في مـغـائـظـها *** طولٌ عـلـيـه وفـي إشفاقِها قِصَرُ

لا درَّ درُّ الأعادي عـنـدما وتروا *** ودرَّ درُّكِ مـــا تـحـويـنَ يـا حُفَرُ

لما رأوا طرقاتِ الصبرِ معرضـةً *** إلـى لــقـاءٍ ولقيا رحمةٍ صبروا

قـالـوا لأنـفـسـهـم: يــا حـبـذا نــهـلٌ *** مــحـمـدٌ وعـلـيٌّ بـعـده صـدرُ

رِدُوا هنيئاً مريئاً آلَ فاطمةٍ حوضَ الردى فارتضوا بالقتلِ واصطبروا

الحوضُ حوضُكم والـجـدُّ جـدُّكمُ *** وعــنـد ربّـكـم فـي خـلـقـةٍ غِـيَـرُ

جريمة التشيع لدى المؤرخين والدارسين !

(كان ديك الجن متعففّاً عن قصد الملوك متفرّداً عن شعراء عصره حتى إنه لم يفارق الشام مع أن خلفاء بني العباس في عصره ببغداد فلا رحل إلى العراق ولا إلى غيره متّجراً بشعره، وكان يتشيّع تشيّعاً حسناً) كما وصفه ابن خلكان، و(شديد التشيّع) كما وصفه الأصفهاني في الأغاني.

ويمكننا أن نعزو السبب في ضياع شعر ديك الجن إلى هذه الصفة (يتشيّع تشيّعاً حسناً) و(شديد التشيّع)، بل نجزم إن تشيّعه كان السبب ليس في إهمال شعره فقط، بل والتهجّم عليه وإلصاق ما لم يكن به كما قال الشاعر:

وعينُ الرضا عن كل سوءٍ كليلةٌ *** ولكن عينَ السوءِ تُبدي المساويا

فتشيّع ديك الجن وحده كان كافياً لاتهامه بالشعوبية رغم أنه عربي أصيل، من قبيلة عربية عريقة، ولد في أعرق البلاد العربية، كما كان تشيّعه كافياً لـ (ضياع شعره)

كما نسبوا إليه كثيراً مما لا يليق به مما صنعته الأهواء والأمزجة من السخافات في قصص اخترعوها ونكتفي برد السيد الأمين في أعيان الشيعة على هذه الموضوعات بالقول: (الظاهر أنه مكذوب عليه فمثله فيما تقدم من عقله الوافر وسيرته الحسنة وتعففه عن قصد الملوك مع انتفاع الناس بشعره لا يمكن أن يصدر منه مثل هذا السخف).

فخر القبيلة بالإسلام

ينتمي ديك الجن إلى قبيلة (كلب) العربية التي كان منها البطل الشهيد يوم الطف وهب بن الحباب الكلبي، والشهيد عبد الله بن عمير الكلبي (رضوان الله عليهما) اللذين استشهدا بين يدي الحسين (عليه السلام) والشاعر عندما يفتخر بقبيلته، فهو يفتخر بما قدمت من تضحيات في سبيل إعلاء كلمة الإسلام ومناصرة الحق في معارك أُحد و مؤتة وصفين وكربلاء فيقول معدداً أمجاد قبيلته في نصرة الإسلام:

غداة مـؤتـة والـشـراكُ مُـكـتـهـلٌ *** والديـنُ أمـردَ لـم يـفـعْ فـيـحـتلمُ

وعـيّـرتـنــا ومـا أن طُلّ في أحدِ *** وطـلّ فـي مـؤتـةٍ والدينُ لم يرمِ

ويوم صفيـن من بعد الخريبةِ كم *** دم أطـلّ لـنـصـرِ الـديـنِ إثـر دمِ

وفي الفراتِ فداءُ السبطِ قد تركتْ أشلاؤنا في الوغى لحماً على وضمِ

فقبيلته حمت الإسلام بدماء رجالها في ميادين الحروب مع النبي (صلى الله عليه وآله)، والوصي، وسيد الشهداء (عليهما السلام):

إن تعبسي لدمٍ منا هريق بها *** فقد حقّنا دمَ الإسلامِ فابتسمي

إخفاء شعره الشيعي

ونلمس آثار الحقد على التشيّع من قصة جمع شعره، ففي سنة (1960) كان هناك من التفت إلى شعره المتناثر في بطون الكتب طوال (1111) سنة وهي الفترة بين وفاة الشاعر ديك الجن (849 م) وذلك التاريخ (1960) ! فعُني بجمعه الأستاذان عبد المعين الملوحي، ومحيي الدين الدرويش الحمصيان فاجتمع عندهما من بطون الكتب (109) نماذج بين قصيدة وقطعة في (417) بيتاً تم جمعها في ديوان سمّي بـ (ديوان ديك الجن الحمصي) وطبع في مئة وثلاثين صفحة.

ولكن هذا الديوان خلا من أي بيت في حق أهل البيت (عليهم السلام) من مدح ورثاء حتى كأن الشاعر قد عاش في زمن الجاهلية ولم يدرك الإسلام ولم يعرف أهل البيت (عليهم السلام) ولينظر القارئ إلى مقدار الحقد الذي حمله هؤلاء على التشيّع خاصة عندما يُقارن اهتمامهم بدراسة شعراء البلاط وشعرهم في مدح خلفاء الليالي الحمراء وجلسات الخمر والمجون !

للأمانة أهلها

ولكن كان هناك من يحمل هذه الأمانة الأدبية والتاريخية على أتم وجه ويبرز الحقائق ناصعة بعيداً عن التعصّب والتزييف، إذ قام الدكتور أحمد مطلوب والأستاذ عبد الله الجبوري بجمع كل ما وجداه من شعر ديك الجن ومن ضمنه قصائد الشاعر في حق أهل البيت (عليهم السلام) والتي لم يستطع الملوحي والدرويش أن يتحملاها، وقد اعتمد مطلوب والجبوري على نسخة من ديوان ديك الجن جمعها بعناية وأمانة أدبية الشيخ محمد السماوي صاحب كتاب إبصار العين بنفسه وكتبها بخط يده وقد أرسلها إليهما الشيخ محمد علي اليعقوبي بعد أن اشتراها من السماوي، وكان الشيخ السماوي قد جعل هذه النسخة في فصلين: الأول ما قاله ديك الجن في أهل البيت (عليهم السلام) ويضم ثماني قصائد في (156) بيتاً والثاني ما قاله في فنون مختلفة ويضم (39) قصيدة في (278) بيتاً ولنا أن نتساءل أي أمانة يحملها أمثال الملوحي والدرويش وقد أخفيا هذا الكم من القصائد لشاعر كبير كان ذنبه الوحيد تشيّعه وحبه لأهل البيت !

ديك الجن وشعره

وصفت المصادر الأدبية ديك الجن بأنه كان متميزاً بإسلوبه الشعري المتين، ذي البناء السبك، مع رقة المعاني، ودقة النسج، وصدق الصورة، والجزالة في الألفاظ، وقد تعددت الأغراض في شعره، فخاض كل فنونه وأبدع فيها، وتجلّى الإبداع في تصوير الخصوبة في صبغته.

وشعره طفح عليه العبق الولائي لأهل البيت (عليهم السلام) ومنه الأبيات المشهورة والتي لازال يتردد صداها إلى الآن في رثاء سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام والتي ذكرناها، وله في هذا الشأن قصائد مفجعة تقطر ألماً وحزناً تفصح عما انطوى عليه قلبه من أنين وعينه من دموع ونفسه من أسى وحسرة كما في هذه القصيدة:

يا عين لا للغضا ولا للكتبِ *** بكا الرزايا سوى بكا الأدبِ

جـودي وجـدي بـمـلء جـفـنـكِ ثمّ احتفلي بالدموعِ وانـسكبي

ياعـيـن فـي (كربلا) مقابر قد *** تـركنَ قلبي مقابرَ الكربِ

مقابرٌ تـحـتـهـا مـنـابـرُ من *** عـلـمٍ وحـلـمٍ ومـنـظرٍ عجبِ

وفي قصيدة أخرى يرثي بها الإمام الحسين (عليه السلام):

لابـدَّ أن يُـحـشـرَ القتيلُ وأن *** يُـسـألُ ذو قـتـلِـه عن السببِ

فـالـويلُ والنارُ والثبورُ لِمَن *** قـد أسـلـمـوهُ لـلـجمرِ واللهبِ

يا صـفـوةَ اللهِ في خـلائـقِـه *** وأكـرمُ الأعـجمـيـنَ والـعربِ

أنـتـمْ بـدورُ الـهـدى وأنجمُه *** ودوحـةُ الـمكرماتِ والحسبِ

وسـاسـةُ الحوضِ يومَ لانهلٌ *** لـمـوردِيـكـم مـواردَ الـعطبِ

فكرتُ فيكمْ وفي الـمـصـابِ فـمـا انـفـكَ قودي يعومُ في عجبِ

مـا زلـتـمُ فـي الـحياةِ بـينهمُ *** بـيـن قـتـيـلٍ وبـيـنَ مـسـتـلـبِ

قد كان في هجركمْ رضى بكمُ وكم رضى مشرجٍ على غضبِ

وتبقى واقعة الطف عالقة في ذهن ديك الجن ولا تفارق صورها المأساوية وجدانه فتلتهب لها قريحته ويذوب لها فؤاده فيصب ما اعتمل في صدره في شعره يقول من قصيدة:

أبكيكمُ يا بني التقوى وأعولكم وأشربُ الصبرَ وهو الصابُ والصبرُ

فـي كـلِ يـومٍ لـقـلبي من تذكركم *** تـغـريـبـةٌ ولـدمـعـي فيكمُ سفرُ

مـوتاً وقتلاً بهاماتٍ مغلقـةٍ *** من هاشمٍ غابَ عنها النـصرُ والظفرُ

أما علي بن ابي طالب فهو ينبوع الفضائل والمآثر والمعاجز والبطولات وهو الحق الأبلج والعلم الواضح وهو وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) من والى غيره فهو يتخبط في عشواء مظلمة... هذا ما قاله الشاعر:

أنـسـى عـلـيـاً وتفنيدَ الغواةِ له *** وفي غدٍ يعرفُ الأفّاكُ والأشرُ

من ذا الذي كلمته البيدُ والشجرُ *** وسلّمَ التربُ إذ ناداهُ والحجرُ

أم من حوى قصباتِ السبقِ دونهمُ * يومَ القليبِ وفي أعناقِهم زَوَرُ

أليسَ قامَ رسولُ اللهِ يخطبُهم *** وقـال: مـولاكـمُ ذا أيّـهـا الـبـشـرُ

هذه هي عقيدة الشاعر التي كانت شجى في أفواه الكثير فلم يتعرّضوا لشعره ولم يتحملوه وكيف يتحملوه وقد امتلأت قلوبهم بالأحقاد الأموية ...؟ وماذا يقولون في هذا الشعر الذي بدت فيه الحقيقة واضحة ناصعة جلية؟ ولكن نفوسهم أبت إلا الضلال:

ومن كـعليٍ اذا ما دعوا *** نزالاً وقد قلّ من ينزلُ

تراه يقدّ جـسـومَ الـرجال *** فينـدحـرُ الأوّل الأوّلُ

وكم ضربةٍ واصلت كفه * لفيصله فاحتوى الفيصلُ

سطا يومَ بدرٍ بقرضابهِ *** وفي اُحدٍ لم يزل يحملُ

ومن بأسه فُتحت خيبرٌ *** ولم يـنـجِها بابها المقفلُ

وما أربعين ذراعاً بها *** هـزبـرٌ له دانت الأشبلُ

فعلي (عليه السلام) هو وصي النبي (صلى الله عليه وآله) بالحق وهو أولى الناس بالخلافة

حتى إذا أودعَ النبيُّ شجا *** قيد لهاة القصاقصِ الحربِ

مع بعيدين أحرزا نـسـباً *** مع بعد دارٍ عن ذلك النسبِ

ما كـان تــيـمٌ لهاشمٍ بـأخٍ *** ولا عــديٍ لأحــمــد بـــأبِ

لكن حـديـثَ عـداوةٍ وقلى *** تـهـوُّراً فـي غـيـابةِ الشقبِ

قاما بـدعوى في الظلمِ غالبةٍ *** وحجةٍ جزلةٍ من الكذبِ

من ثمّ أوصى به نـبـيـكـمُ *** نصَّاً فأبدى عـداوة الـكـلبِ

ومن هناك انبرى الزمانُ لهم ** بعد التياطٍ بغاربٍ جشبِ

لا تسلقوني بحدِّ ألـسـنـةٍ *** ما أرب الـظـالمين من أربي

فالشاعر فُتن بأمير المؤمنين (عليه السلام) وصفاته وشجاعته وبطولته:

يا سـيـدَ الأوصـيـاءِ والـعـالي الحجّة والمرتضى وذا الرتبِ

إن يسر جيشُ الهمومِ منكَ إلى شمسِ منى والمقامِ والحجبِ

فربـمـا تـقْـعَـصُ الـكـمـاةُ بـإقدامك قعصاً يُجثى على الركبِ

وربَّ مـقـورّةٍ مـلـمـلـمـةٍ *** فـي عـارضٍ للحمـامِ منسكبِ

فللت أرجاءها وجـحـفـلـها *** بذي صقالٍ كوامضِ الشهبِ

أو أسمرَ الصدرِ أصفرَ أزرق الرأسِ وإن كان أحمرَ الحلبِ

أودى عـلـيٌ صـلـى عـلـى روحـه الله صـلاة طـويـلـةِ الدأبِ

وفي علي (عليه السلام) أيضاً:

شرفي محبةُ معشرٍ *** شرفوا بسورةِ هل أتى

وولايَ فيمن فـتـكه *** لـذوي الـضـلالة أخبتا

وإذا تكلَّمَ في الهدى *** جـحّ الـغـويَّ وأسـكـتا

فـلـفـتـكـهِ ولـهـديـهِ *** سماهُ ذو العرشِ الفتى

ثبتٌ إذا قـد ما سواه *** فـي الـمـهـاوي زُلّـتـا

لم يـعـبـدِ الأصنامَ قط *** ولا أرابَ ولا عـتـا

صـنوانِ هذا مـنـذرٌ *** وافـى، وذا هـادٍ أتـى

يهدي لـمـا أوفـى به *** حـكـمَ الكـتابِ وأثـبتا

فـهوَ القرينُ له وما افـتـرقـا بـصـيـف أو شـتـا

لــكـنّـمـا الأعـداءُ لـم *** يـدعـوه أن يـتـلـفـتـا

ثقلُ الـهـدى وكـتـابه *** بـعـدَ الـنـبـيِّ تـشـتـتا

واحسرتا من غصبهِ *** وسكـوتـه، واحسرتا

طالت حياةُ عدوِّه *** حتى متى، وإلـى متى ؟

توفي ديك الجن الحمصي في حمص ودفن بها، وكما كان يفرض وجوده وشاعريته بهدوء ومقدرة بعيداً عن مزاحمة الشعراء ومنافستهم في تكسبهم، فهم في راحة منه بجريه في غير حلبتهم وغير ميدانهم فلم يعنهم أمره، فقد رحل دون أن يكون لرحيله تأثير على منهجهم فلم يهمهم رحيله أيضاً، وكما لم يمدحه أو يهجه أحد منهم فلم يرثه أيضاً أي أحد منهم.

محمد طاهر الصفار

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً