لوحة ساقي العطاش

الفن الحسيني

2018-08-16

480 زيارة

                                             لوحة ( ساقي العطاشى )

           وهي من ابداعات الفنان حسن حمزة شاهر , رُسمت سنة 2011 ميلادي , قياس 100×80 سم , ولم يستطع مولانا العباس سلام الله عليه صبراً على البقاء , بعد اَن فَنيَ صحبُهُ وَأهلُ البيتِ , ويرى حُجَّة الوقت مكثوراً قد اِنقطع عنهُ المدد , وملأ مسامعَهُ عويلُ النساءِ وصراخُ الأطفالِ من العطش ؛ فطلب من أخيه الرخصة ولما كان مولانا العباس عليه السلام أنفس الذخائر عند السبط الشهيْد عليه السلام , لأن الأعداء تحذرُ صولته , وترهب إقدامه , والحُرم مطمئنة بوجُوده مهما تنظر اللواء مرفوعاً , فلم تسمَحْ نفس ( أبيِّ الضيّم ) القدسية بمفارقتهِ فقال : ( يا أخي أنت صاحب لوائي ) فقال العباس عليه السلام : ( قد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين واُريدُ أن آخذ بثأري منهم ) فأصرهُ الامام الحسين عليه السلام أن يطلُبَ الماء للأطفال , فذهب العباس الى القوم وَوَعظهم وَحذرهم غضب الجبار فلم ينفع , فنادى بصوت عالٍ : ( يا عمر بن سَعْد ؛هذا الحسين بن بنت رَسُول الله , قد قتلتم أصحابه وأهل بيته , وهؤلاء عياله وأولادهُ عطاشى , فأسقوهم من الماء قد أحرق الظمأ قلوبهم وَهُو مَعَ ذلك يقول : دَعوني أذهب الى الروم أو الهند واُخلي لكم الحجاز والعراق ) فأثَّر كلامَهُ في نفوس القوم حتى بكى بعضهم ولكن الشمر صَاحَ بأعلى صَوْتهِ : يا بن أبي تراب لو كان وَجه الأرض كلهُ مَاء , وهو تحت أيدينا لما سقيناكم منهُ قطرة , إلاّ أن تدخلوا في بيعة يزيد : فرجع الى أخيه يخبرُهُ , فسمعَ الأطفال يتصارخون مِنَ العَطش فلم تتطامن نفسهِ على هذا الحال وَثارتْ بهِ الحميمة الهاشمية ... ثم إنه ركبَ جَوادهُ وأخذ القربة , فأحاط بهِ ( أربعة آلاف ) وَرمُوهُ بالنبال فلم ترعه كثرتهم , وأخذَ يطرد اُولئك الجماهير وَحدهُ ولواء الحمدُ يرفُّ على رَأسِهِ , ولَمْ يشعرِ القوم أهو العباس يجدلُ الأبطال , أم أن الوصي يزأرُ في الميدان ؟! فلم تثبت لهُ الرجالُ , ونزل اِلى الفرات مُطمئناً غيرَ مُبالٍ بذلك الجمع ... ولما اغترف من الماء غرفة ليشرب ؛ تذكر عطش الحُسين ومن مَعَهُ فرمى الماء وقال :

               يا نفس من بعـد الحسـين هوني            وبعـــدهُ لا كنت أن تكـــوني

               هذا الحُسَيــــن واردُ المنـــون             وتـشربــين بـــاردَ المعــــين

                                                   تالله مـا هذا فعـــــال دينــي

      ثم ملأ القربة وركب جوادهُ وتوجَّهَ نحو المخيّم فَقُطِعَ عليهِ الطريق , وجعل يضرب حتى اكثر القتل فيهم , وكشفهم عن الطريق ... فكمُنَ لَهُ زيد بن الرقاد الجهني , مِنْ وراء نخلة وعاونهُ ؛ حكيم بن الطفيل السنبسي , فضربهُ على يمينه فبراها ... فلم يعبأ بيمينه بعدَ أن كان همُّهُ إيصالَ الماء إلى اطفال الحُسين وعيالهِ , ولكن حكيم بن الطفيل كمُن لَهُ مِنْ وراء نخلةٍ , فلما مَرَّ به ضرَبه على شماله فقطعها , وتكاثرُ عليهِ , وأتتهُ السهام كالمطر فأصَابَ القربة سَهْمٌ واُريقَ مَاؤُها , وَسَهْمٌ أصابَ صَدْرهُ وضربهُ رجلٌ بالعمُود على رأسِهِ فَفَلقَ هامته !....وَسقط على الارض يُنادي : ( عَليْكَ مِنّي السلام ) ... كمْ يَبْقَ الحُسَينُ بعد ابي الفضل إلّا هيكلاً شاخصاً مُعَرَّى عن لوازم الحياة , وقد أعرب الامام الحسين عليه السلام عن هذا الحال بقوله : ( الآن انكَسَرَ ظهري , وَقلَّت حيلتي ).

        هذه قصة سيدنا ومولانا العباس البطولية في واقعة الطف وشجاعتهِ وحميتهِ وإقدامهِ باختصار , وما ذكرت واقعة الطف إلّا وذكر سيدنا العباسُ وَموقفُهُ البطوليُ ودورُهُ البارزُ , واختار الفنان من مشاهد قصة هذا البطل الهمام ليكون موضوع لوحتهِ ؛ لحظة مِلئهِ للقربة , لكونها مفتاح قصتهِ , وعنوان شجاعتهِ وَقضيتهِ التي لأجلها ضحَّى بحياته , فكلما ذكر ابا الفضل العباس عليه السلام إلّا وَاُرْدِفَ عَطشَ النساءِ والأطفال , وأنه جادَ برُوحهِ لأجل جَلْبَ المَاءَ لهُم , لذا جُسِّدَت هذه الشخصية في تلْك اللَّوحة بأسلُوب فني تعبيري دقيق ,لِتكونَ رمزاً لفتح بوابة الوُلوُج في خضم الحَدث التاريخي بطيف الخيال الإبداعي للتصوير الفني , للوقوف في أجواء هذا الحدث الذي اختاره الفنان منْ بين مَشاهد القصَّة الاليمة , للتأمل في تداعياتها وتسلسُل مجرياتها قبل هذا المشهد وَما بَعْدهُ وَما كانت النهاية بعدهُ النهاية التي تُدمي القلب , وتحرق الفؤاد , فبمجرَّد الوقوف أمامَ هذا المشهدِ الذي جُسِّدَ في هذه اللَّوحة , والتحليقِ في أجواء الخيال الإبداعي الذي صيغت فيه , لصَدَحت التساؤلات في وُجدان المتلقي وخلجاتهِ المفعمة ببعيد الحُزن ؛ أكلُّ هذا من أجل الماء ؟! وأمثال هذا الإمام الجليل , والعظيم القدر والمقام ؛ فُعِلَ بهِ مَا فعل لكونه أرادَ أن يجلبَ الماء لأطفال كاد العطش أن يُهلكهم! وفي هذه اللحظة المؤلمة والحرجة ؛ مَا كان يَعْصِف بأعماقهِ عليه السلام من أفكار وَخواطر , وَعتاب وحزنٍ وألم , وحيرة وَوحدة وفقد المناصر, وهذا وَغيره ما أراد أن يُجسِّدَهُ الفنان مِن خلال التفاتته نحو الجنود المقبلين نحوهُ , الذي يتجلَّى بمعناه بمجرَّد الرجوع الى بداية الأحداث وتسلسلها , الذي دفعته حميتُهُ وَغضبه لما جرى , وغيرتُه لسماعهِ الأصوات الباكية والعبرات المؤلمة, الذي امتطى جواد الإقدام والبسَالة والشجاعة لاقتحام عرين الموت , ولا يثنيه أي شيء ولا يهاب أحداً , للوصول الى الماء , والذي أبى حتى أن يغترف لنفسهِ ولو مجردَ ما يبل شفته المتفطرة من الظمأ , لكَوْن صُورة العُطاشى تملكت وُجدانهُ , ولم ترَ عيناه سُواها , ولا يشعر بصوت غيرُ نداء صَوْتها , وهو الآن مغمُورٌ في صخب سُرْعة الحدث وزحامه ؛ كيف السَّبيلُ لإيصال الماء للعطاشى أهل البيت , وَهوَ يَعلمُ يقيناً أن الولوج في صَدْر وأعماق هذا الطوفان من جحافل جيش أهل الكفر والطغيان , القادمين نحوهُ بوحشية واندفاع الحقد الدفين ؛ للنيل منهُ وَمنعهِ من إيصال الماء ؛ فهذا طريق مَسْدُود , ولكن الحال والموقف الحرج والسَّريع الأحداث ؛ لم يترك لَهُ فرصة ؛ إلاَّ بالولوج في تِلْكَ الصفوف المُحتشدة , ومواجهتها بترس البطولة والبسالة والفداء ليُكتب اسمه في قافلة الشهداء العظام , والخالدين في محبة قلوب المؤمنين في كل زمان ومكان .وَمِمَّا تمتاز به هذه اللوحة , الأسلوب الفني المذهل , والدّقة العالية في تَصْويْرِ تفاصِيلِها , بمُستوى أذهل كلَّ مَنْ رآها , ونالَتْ إعجَابَهُم , وعكست آثار التفاعل الروحي مَعَها , من قبل الكثير ممن زارُوا معرض المرسم الحسيني من شتَّى البُلْدان .

يوم أبي الفضل تدعو الضاميــات بــه            والمــاء تحت شــبا الهندية الخـــدمِ

والخيلُ تصطك وَالزغف الدلاص على            فــرسانها قد غدت نـاراً على علـمِ

وَأقبـ لَ اللّيث لا يلويــه خــوف رَدَى            بادي البشـاشةِ كالمـدْعُو للنعـــــمِ

يبـدو فيغـد وصميم الجمع منقـسمــاً             نصــفين ما بينَ مَـطــرُوح ومنهزمِ

 

                                                                                                    بقلم الفنان /حسن حمزة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً