لوحة ثبوت الرأس

الفن الحسيني

2018-08-16

2384 زيارة

                                         لوحة ( ثبوت الرأس بين خطى القافلة  )

      وهي من روائع الفنان حسن حمزة شاهر والتي تمَّ رَسمها سنة 2013م , قياس اللوحة (250×175سم ) وتُعد هذه اللوحة البانورامية الضخمة أنمُوذجاً مُغايراً لنمط لوحة (الوداع) لنفس الفنان ؛ من حيث التكنيك الفني والتصوير الدُرامي الآسر , فحوت في ثناياها عِدَّة نوافذ تروي كل واحدةٍ منها حدثاً يحمل تحت جناحاتهِ من عبق التأريخ المؤلم , برواية الفن الساحر, ولغتهِ النابضة بروحيَّة الإبداع والمسحة ذات الأسْلُوب الناطق والمُعبِّر . فهذا العمل الفني هو وَقفة مع حدث تأريخي , دارت أحداثه بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام , ومحطة من محطات قافلة السبايا , وحمل الرؤوس إلى الشام .

كانت حادثة استشهاد الإمام الحُسين عليه السلام في واقعة الطف وما ترتب على إثرِها من مُتغيّرات وأحداث ؛ منعطف تأريخي جلل , وكان لَهُ وطأته وثقلُهُ التأثيري الكبير على أصعدةٍ عِدَّة  , ومنها الصعيد التاريخي لأمَّة الإسلام . وينحدر هول مقتل الإمام الحُسين عليه السلام من حيث شخصهِ المُبَجَّل وقُدْسيَّته العظيمة عند الله تعالى ,وجدّه رسول الأمَّة صلى الله عليه وآله وَسلم , والإجحاف العدواني الحاقد على الإسلام وأهله المُتمثل حينها بالتصدِّي لثورة الإصلاح التي قادها حفيد رسول الأمَّة عليه السلام , في ظلِّ ظرُوف مُحتدمة ومظلمة , وأمراض مُسْتشرية لَا بُدَّ من مُناهضتها والوقوف بوجهها , كانت هذه الثورة المشرقة في كل جوانبها , والتي قادها سيّد شباب أهل الجنة سلام الله عليه ؛ انعطافه عظيمة في تأريخ الأمة الإسلامية من بدايتها وَحتى يومنا هذا , وكذلك بكل صورها وفصُولها المعروفة .

      كانت حياة الإمام الحسين عليه السلام من ولادتهِ وحتى استشهاده , وكذلك ما بعد الاستشهاد ؛ فيضاً نابضاً وبحراً زاخراً بالصُّورِ المُعبِّرة عن نفسها , والمضامين المُلْهِمَة ؛ للمُنقب عن الإلْهام السَّاحِر , والمضمُون الآسر , والقِيَم ذات الرُؤى للنهوض وَالسير نحو النجاح , فكل مُفردة من مفرداتها , وَكل وَقفة مع محطاتها ,حَرِيَّة للتأمُّل في فضائها , كونها مضموناً يفيض من على سواحلِ آفاقهِ ،الإلهام الذي يتعطش إليه ويُنقِّبُ عَنهُ المُبْدِعُون ,والمتتوِّقون للجمال الفني المنشود , الجمال الذي تنسدل خلجات سحره الأخَّاذ من خالق الجمال سُبْحانهُ وتعالى , فلو أرادَ فئامٌ وجيُوش من أساطين عباقرة الفن والإبداع ؛ تجسيد صُوَرٍ من مناهل هذا الجمال الفريد ؛ لأقتضى هذا سنين وأجيال .

وهو الذي شرف البيت الحرام به                 ولاح بعــد العمى للناس منهجهُ

يا حائراً لا وحاشــــا نور عزمته                 بمن سواك الهُدى قد شع مَسرجهُ

وواسع الحــلم والدُّنيا تضـيق به                 سواك إن ضاق خطب من يفرجه

ويا مليكاً رعايــاهُ عليــه طـغت                 وبالخــــلافة بـــاريه مُتـــوِّجُــهُ

يا عَارياً قد كساهُ النور ثوب سـناً                 زهــا بصبغ الـدم القاني مدبــجهُ

يا دَرِيَّ كل ظما واليوم قلبـك من                 حر الظما لو يمس الصَّخر يُنضجهُ

يا مَيِّــتاً بــات والذاري يكـفِّــنهُ                والأرض بالـترب كـافوراً تُؤرجُهُ

ويا مسـيح هَدَى للرأْس مـنهُ على                الرِّمـاح مِعْراج قُدْس راحَ يعرجهُ

ويا كليماً هوى فوق الثرى صَـعْقاً                 لكن محيـــاه فوق الــرُّمح أبْلَجهُ

ويا مُغيث الهُدى كم تستغيث ولا                 مُغــيْث نحْوك يـــلويه تحــرّجهُ

     فكانت فصُول محاربة الإمام الحسين عليه السلام ومن معه من آل البيت الاطهار تروي قصَّة التاريخ وقداسة الخلود , والصِّراع الضروس بين الحق والباطل , والنور والظلمات , والخير والشر ؛ لتكون واقعة الطف , وما حوته من فواجع مؤلمة ؛ نبراس التأريخ , وعنوان الصمُود  بوجه طوفان ظلمات الطُغاة , وَكان للأحداث التي جرت بعد انتهاء واقعة الطف ؛ صداها المُدوّي في أروقةِ التأريخ إلى يَوْمنا هذا , التي تعكس بدورها صُوراً ذات أبعاد وآفاق بارزة في ميادين الإنسانية المثخنة بجروحٍ لا تندمل , وَمن أبرزها سوق السبايا وحزّ رؤوس شهداء الطف وحملها على أسِنَّةِ الرِّماح .

       وراحت قافلة الطُغاة تجوب الأرض , حاملة في ثناياها مخلفات جريمتهم الشنعاء ،وشعارها رفع رأس الإمام الشهيد ورؤوسَ من مَعَهُ من أهل بيتهِ وصحبه على أسنة الرِّماح , ليُدوِّنوا بين خطا قافلتهم أحْداثاً وَقِصَصاً للرأس الشريف تناقلها المؤرخون في مُصَنّفاتهم جيلاً من بعد جيل .

      وهذا ما تناوَلَهُ الفنان حسن حمزة شاهر في لوحتهِ ( ثبُوت الرأس بين خطى القافلة ) واقفاً في جزء من لوحته البانورامية , مع حدثٍ للرأس الشريف أثناء رحلة حمله للشام . وَمناسبة تنفيذ هذا العمل الفني الكبير , هو عندما قصدت الفنان (حسن حمزة شاهر) إحدى العوائل العِراقية التي تملَّكَ وجدانَها حبُ آل البيت الأطهار , والسعي لأحياء ذكرهم بلونٍ مُغاير عن المألُوف ؛ لتصوير المضمُون الذي تناولتهُ اللوحة الفنيَّة , وَهي عائلة الحاج علي حنون جابر، وَنُفِّذَ العمل برؤية الفنان وَمُخيَّلتهِ الغنَّاء , واستغرق تنفيذهُ على مدارِ (ثلاث سنوات) نظراً لأشغال الفنان الكثيرة , وبعد اكتمال العمل ؛ أُهْدي إلى العتبة الحسينية المقدسة ؛ لتستقر اللوحة في معرض (الفن الحسيني) لِتُصْبِحَ صَرْحاً فنّيّاً شامخاً في مَسِيْرةِ وانطلاقة مشروع (الفن الحسيني) ومن أبرز الأعمال الفنيَّة لِلْفَنَّانْ.

      تناول هذا العمل الفني الكبير في حجمهِ وَمضمُونه جوانب ومشاهد دارت أحداثها بعد واقعة الطف الأليمة , التي تعكس بدورها هول الرزيَّة والفاجعة الحاصلة بإستشهادِ الإمام الحُسَيْن عليه السلام ومن مَعَهُ , وهول الجريمة النكراء التي أقدمَ عليها أعداء الله تعالى وَرَسُوله والإسلام.

      ومنها ما روي ؛ أن ليلة من الليالي ؛ بينما قافلة القوم المنطلقة من الكوفة إلى الشام , يسيرون في دُجى الليل , أخذت السيِّدة رُقية بنت الإمام الحسين عليهما السلام , بالبكاء لرؤيتها أيَّام أبيها وما كانوا عليهِ من العز والإكرام , والمرتسمة أمامها ولا تغيب عن خاطرها , وما آلت إليه الأمُور الآن أن ترى نفسها ومن معها اُسارى ومُقيَّدِيْن بالأغلال بعد الفواجع التي حدثت , فيشتدّ بكاؤها وتتعاظم حسرتها ؛ فقال لها أحَدُ القساة ؛ أسكتي يا جارية  فقد آذيتني ببكائك , فما سكتت بل غلب عليها الحُزن والبكاء , وأنَّت أنَّة مُوجعة , وزفرت زفرة كادت رُوحها أن تفارقها ؛ فعاد عليها الذي انتهرها قائلاً : أسكتي يا بنت الخارجيّ ؛ بينما الطفلة رُقيَّة سلام الله عليها ينتهشها الحزن والألم ؛ سمعت هذه الكلمة من ذلك المجرم ؛ كصاعقة نزلت عليها وزلزلت أوصالها ؛ فقالت حينها : ( أبتاه قتلُوك ظلماً وعدواناً وَسَمُّوك بالخارجيّ ) . فما كان منه إلَّا أن ألْقاها من فوق ظهر الناقة إلى الأرض , ولم ينتبه لسقوطها أحدٌ لِشدَّة الظلام الدّامس في تلك الليلة , فقامت السيدة رُقيّة سلام الله عليها وأخذت تعْدُو خلف القافلة لكنها لم تستطع اللّحاق بهم لصغر سنّها , ولتمكن التعب والنصب من بدنها الضعيف . وَجعلت تمشي في سوادِ الليل تارة , وتارة تقعد , وتارة تستغيثُ بالله , وتارة بأبيها , واُخرى تُنادي بعمَّتها زينب وهي في وَحشة الظلام المخيف , وحيدة فلا تُبْصر غير الظلام الحالك , ولا تسمع إلَّا لرهبة السكون , وَضاعَ أثر القافلة عنها , فلا دليل يُرشدها , ولا سبيل لمأوى يأويها , وبين هذا وذاك خَرَّت مَغْشيّاً عليها .

      وفجأة يتوقف الرُّمح الذي كان يحمل الرأس الشريف , واندسَّ في التُراب , بحيث لم يستطع أحَدٌ أن يُحَرِّكَهُ , واجتمَعُوا حوله , واحداً تلْوَ الآخر لاقتلاعه أو لتحريكه فلم يستطيْعُوا لذلك سبيلاً , فاعتلى ضجيجهم, وَتملكهم الهلع , واستولت عليهم رهبة الموقف والاندهاش والذّهول لما يَرَوْهُ بأمِّ أعينهم ؛ فأيقَنُوا أن وراء الأمر سِرّاً لا تدركُهُ عقولهم , فذهب بعضهم إلى الإمام السجاد عليه السلام  ليلتمِسُوا عندهُ تفسيْراً لهذا , فأخبرهم الأمام السجاد عليه السلام أن أحد الأطفال فُقِدَ من القافلة , ولن يتحرّك الرُّمح من مكانه مالم  يتم العثور عليه , قولوا لعمتي زينب أن تتفقد الأطفال , فلربما قد ضاع منهم طفل , فلما قيل لزينب الكبرى سلام الله عليها ؛ جعلت تتفقد الأطفال , وتنادي كل واحد منهم باسمه , ولما أيقنت بفقد السيدة رُقية , رمت بنفسها من على ظهر الناقة , وجعلت تنادي على رُقية , وهي تعدو حافية القدمين تجتاح الأشواك والأحجار ,منطلقة بكل ما تملكهُ من قوّة , حتى لاحَ لها سواد شخص من بعيد , فدنت منهُ لتسألَهُ ؛ فإذا هي امرأة جالسة , وفي حجرها رأس الطفلة وهي تبكي , فقالت الحوراء : يا هذه من أنتِ التي تتعطفين على اليتامى ؟ فقالت : بُنيَّة زينب أنا اُمُّكِ فاطمة الزهراء أظننت أني أغفل عن أيتام وَلدي . واختلف سياق هذه القصَّة في بعضِ الروايات , كما ورَدَ في بعضها أن الطفلة التي ضاعت من القافلة هي السيَّدة ( سكينة ).

      فصوَّر الفنان هذه الحادثة المثيرة بالجانب السفلي للوحة , مُظهِراً جوانب الحدث البارزة , وعلى مقدمتها مَشْهَد محاولة اقتلاع الرُّمح ـ الحامل للرأس ـ من مكانه الذي جعلَهُ في صدارة وواجهة العمل الفني , وأضفى عليه الفنان تباين الحركات والأوضاع , والملامح المُعبِّرة عن التفاعل مع الحدث من قِبَلِ الأشخاص من قادة وجنود , الذي تجلّت على رسوم ملامحهم وطأة الحيرة والذهول تجاه ما يحدث , إضافة كون هذا الحدث هو ما يتمَحْور حَولَهُ أهميّة المضمُون المشير إلى الإعجاز الإلهي ومنزلة الإمام الشهيد عند الله تعالى , الذي يُجري الكرامات والإعجاز على أجزاء بدنهِ المقدس الطاهر وأثره حتى بعد استشهاده عليه السلام , كما هو الحاصل مع الرأس الشريف هنا وغيره من المواضع والأحداث المُستفيضة في المصادر المعتمدة والمعروفة ؛ كنطق الرأس الشريف , وتلاوته للقرآن وغيرهُا من المرويَّات .

 لهــفي لرأسك فوق مَسْلُوب القـنا               يكْــسُوهُ من أنـوارهِ جـلبـــــابا

يتــلُو الكتــاب على السِّــنانِ وإنَّما                رَفَـــعُوا بـهِ فـوْقَ السِّـنان كِتـابا

      كما تعمَّد الفنَّان أن يجعل اتجاه الرأس الشريف نحو المشهد المجاور الذي يُصَوِّر السيِّدة رُقية سلام الله عليها ؛ كونها السبب الذي ترتب عليه هذا الحدث التاريخي , وللإشارة إلى الارتباط الوثيق بين المشهدين المُدْمج بينهما بأسلوب فنيٍّ رَفيع , والذي ينقل عين المتلقي فيهما بسلاسة العفويَّة , والرَّصانة الفنيَّة المُتقنة , وصَوَّر الفنان كذلك خلف مشهد الرأس الشريف ؛ بعض الرؤوس المحمُولة على الرِّماح لأصحاب الإمام الحُسين رضوان الله تعالى عليهم , للإشارة ولزيادة التنويه إلى شناعة الجريمة المُرتكبة بحق شهداء الطف , وكذلك إلى زمن ومكان الحدث المُجَسَّد في هذه اللوحة الفنيَّة .

      أما مشهَد السيِّدة رُقية سلام الله عليها الذي جَسَّدهُ الفنان بأسلوب عاطفي يثير الشجُون , وبأطلاله ما بين التصوير الفني الناطق عن نفسهِ والمفصح عما ينطوي في أعماقهِ من مضامين وَحقائق تفطر الفؤاد , وما بين ديناميكيَّة عاطفية مُعَبِّرة عن نفسها , وموازية لوقع الحدث ووطأته على كفّةِ ميزان القيم الإنسانية . فيُصَوِّر المشهد طفلة صغيرة افترشت الأرض , لائذة ببراءتها , حامية وجهها بكفّيها الصغيرين المضرَّجين بالدِّماء وآثار ضرب السّياط , والمثقلين بالقيود والأغلال , مُعكَّرا صفو براءتها بزمجرة الرُّعب , وإعياء الهروب من وحشة القفار النائية , وَغياهب المجهُول .

      وصَوَّر الفنان بجنب الطفلة أسَداً جالسا بقربها , ناظرا إليها بعين الحُزن العميق , والدُّموع المُنْهمِرة , فرقاً عليها , وحُزناً على حالها في ظل تلك الظروف العصيْبة , والأسدُ هنا ـ وإن صَوَّرهُ الفنان بالواقعية ـ إلَّا أنَّهُ تعبيْرٌ يرمزُ إلى العناية الإلهيَّة للطفلة رُقيَّة سلام الله عليها, وحفظها من كل مكرُوْه, فتتجلَّى هالة المَعِيَّةُ الرَّبانيَّة بأبهى صُورها في مثل هذا الحدث والمشهد المؤلم , وَتجسْيد هذا المعنى بصُورة الأسد المُعَبِّرة والمُؤثِّرة بخلجاتها , منبثق من شواهد اُخرى يربطها قدْرٌ مُشترك , وكان لهذهِ الشواهد وَقع كبير من حيث المعنى والقيم التي ينسدل منها الفيض الوضّاء , والوقع الكبير من حيث الحدث التاريخي , ومنها عبارة ( أسَدُ الله الغالب ) التي تفصِحُ عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب سلام الله عليه , وقولهُ عليه السلام :( أنا الذي سَمَّتني اُميِّ حيْدَرَة ) والحيدر هو إسمٌ من أسماء الأسد , وهو أشجعها وأقواها . وكذلك ما أشتهر في بعضِ الأعمال الفنية المُجسِّدة لشخص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وبجنبه أسد والتي راجت رواجاً كبيراً في أوساطنا , كتعبير يرمز لشخصيِّة الإمام بالقوة والشجاعة والوقار . ومن الشواهد أيضاً ما رواهُ أبو جعفر محمد بن جرير بسندهِ عن راشد بن مزيد قال :

      شهدتُ الحسين بن علي عليه السلام , وصحبته من مكة , حتى أتينا القطقطانة , ثم استأذنته في الرجوع فأذِن لي , فرأيته قد أستقبلَهُ (سبعٌ عقور) فوقف لَهُ , فقال لَهُ: (ما حال الناس بالكوفة) ؟ قال: قلوبهم معك وسيُوفهم عليك , قال : (ومن خلفت بها)؟ فقال : ابن زياد, وقد قتل ابن عقيل ,قال : ( وأين تريد ) ؟ قال: عدن . قال : ـ أي الإمام الحسين عليه السلام ـ (أيها السَّبْع هل عرفت من ماء الكوفة) ؟ قال : ما علمنا من علمك إلّا ما زوَّدتنا). ثم انصرف وهو يقول : (وَمَا رَبُّكَ بِظَلّاَمٍ لِلعَبْيِدِ) قال ـ الإمام الحسين عليه السلام ـ : (كرامَةٌ مِنْ وَلِيّ وَابن وَليّ) . فبيَّن الإمام الحُسين عليه السلام أن ذلك الأسد الذي أخذ يَسْأله ويتكلَّم مَعَهُ, هو كرامة من ولي وابن ولي ,وغير ذلك كثير من الروايات التي بينت معجزات رَسُول الأمةِ صلى الله عليه وآله وآل بيتهِ الأطهار مع الحيوانات في حوادث وقصص خرجت فيها من طابعها ؛ إلى حَيِّز المعجزة وأداة لإظهار مضامين للرسالة الإلهيَّة .

      وهذا الموضع مُدعاة للتأمل في مضمار آخر ؛ حيث عُرِف الأسد بصفاتٍ لها وقعها دون غيرهِ من المخلوقات , ترمِزُ للقوَّة والجبروت والعظمة , لذا احتل الأسد مكانة مُتميّزة ومرمُوقة في الآدابِ والفنون القديمة , ولا يزال الكثير من معالمها قائماً حتى يومنا هذا , وجعلت الكثير من الشعُوب ؛ هذه الصفات بالاعتقاد من صفات الآلهة , والنصف آلهة من الملوك والأبطال الأسطوريّين , لذا لا تخلُو حضارة قديمة كالبابلية والآشورية والفِرعونية واليونانية والرومانية من عَدّ الأسود حارسة لمعابدها , وأبواب قصُور ملُوكها . لذا برزت صورة الأسد في الكثير من الأعمال الفنيَّة ذات المضمُون الديني والأسطوري , الذي قُدِّمَ من خلالها للدلالات المتباينة والتي تصب في القدسية والمعاني المنفرد بها كالوفاء والقوَّة والثبات وَغيرها , لذا تجسَّدَ الأسد في الكثير من الأعمال الفنية العالمية ؛ للمعاني والقِيَمْ الرَّامز إليها , كما يظهَرُ للمتأمّل والمُتتبِّع للفنون الغربية خصُوصاً ؛ كلوحة الفنان الكبير رافائيل ( رُؤيا النبي حزقيال , التي شاهد فيها الإله مندفعاً من جوف سحابة عاصفة مُلتهِبَة ؛ مُعتليا أربعة حيوانات أحدها بوجه إنسان , والثاني بوجهِ أسَد , والثالث بوجه ثور، والرابع بوجه نسر ) وكذلك ( أسد القديس مرقص ) الذي تناوله الفنانون في العديد من الأعمال الفنية العالمية المشهُورة .

      وفي الجانب الأيسَر من اللَّوحة ؛ صَوَّر الفنان بعض أفراد القافلة وَهم يستمعون لتفسير الإمام السجاد سلام الله عليه , لسبب ثبات الرُّمح الحامل للرأس الشريف في الأرض ؛ وعجزهم عن تحريكه , ومبيّناً لهم السبب من وراء ذلك , وهو يشيْرُ بيدهِ نحو الرأس الشريف , بأنه لا يمكن تحريكهُ من مكانهِ حتى يتم العثور على طفلتهِ , وقد أظهرَ الفنان  من خلال هذا المشهد المؤثر ؛ صُوَر من هم جنب الإمام السجاد عليه السلام كيف اعترتهم الحيرة والعجز عن معرفة حقيقة ما يحدث أمامهم , وبذات الوقت انذهالهم ودهشتهم لما يَسْمعُونهُ من الإمام السجاد عليه السلام , الذي بيّن لهم أن سبب هذا الحدث ؛ أن الرأس الشريف وعلى وَضعهِ الذي هو عليه ؛ يُنبِّه الجميع بفقدان الطفلة من قافلتهم , والذي بطبيعة الحال أن مثل هذا الحدث يُعَدُّ أمراً مُفْزعاً , ومُزلزلاً لقومٍ أقدمُوا على القتل وارتكاب الجرائم بحق حفيد رَسُول الأمَّة وآل بيتهِ الأطهار , وأضفى الفنان على شخص الإمام السجاد عليه السلام , مظاهر الثبات والحيويَّة على الرَّغم من مرضهِ الشديد , وَمظاهر الأغلال وقساوة الرحلة الطويلة وتوكؤه على عصاه ؛ للإشارة إلى تفاعلهِ مع الحدث الذي أدركهُ بعلمهِ الواسع , ومكانته العظيمة , ورُؤيته لما حُجِبَ عن غيرهِ .

      ومن خلف هذا يُطِلُّ مشهَدُ النساء والأطفال الذي طغى عليهم طابع الإنشداد والتطلّع نحو موضع الرأس الشريف , وما يدور حولَهُ من تحرك وتجمّع يجلب الانتباه , إضافة الى طابع الحزن والبكاء وَهم يرون أمام أعينهم رأس الإمام الحسين وأهله وصحبه , والمجرمُون يحيطون بهم من كل جانب , كما أنه مشهد يثيرُ الشجُون الدّفينة والأحزان المؤلمة للمتأمل في خلجات هذا الموضع , كيف أن نساء وأطفال بيت النبوَّة في صورةِ الأسْرى والأصفاد والأغلال تطوّق أطرافهم , ورأس الإمام الحسين وأهل بيتهِ وصحبه أمام أنظارهم , والأعداء المجرمون  المدججون بالسلاح يَسُوقونهم نحو المْجهُول .

وتُسْبى كريمات النبي حـواسراً             تغادي الجوى من ثكلها وتراوحه

يلوح لها رأس الحسين على القنا           فتبكي وينهــاها عن الصَّبر لائحه

وشــيبتهُ مخضـــــوبة بدمــائهِ           يلاعبـها غـــادي النسيم ورائحـه

      أما في أعلى الجانب الأيمن لِلَّوحة ؛ صُوِّر المشهد الذي دارت أحداثه ؛ بعد رجُوع السبايا من آل البيت ؛ من الشام إلى كربلاء , ومن ثم إلى المدينة المُنوَّرة , وقبل الدخول إلى المدينة ؛ قال ( بشر بن حذلم ) : فلما قربنا منها , نزل علي بن الحُسين - الإمام السجاد عليه السلام -فحط رحله , وضرب فسطاطهُ وأنزل نساءه, وقال : ( يا بشر رَحِمَ الله اباك لقد كان شاعِراً , فهل تقدر على شيء منهُ)؟ فقلت : بلى يا بن رسول الله إني لشاعر . فقال عليه السلام : ( أدخل المدينة وانع أبا عبد الله ) قال بشر :فركبت فرسي حتى دخلت المدينة فلما بلغت مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ رفعت صوتي بالبكاء فأنشأت أقول :

يا أهل يثرب لا مقامَ لكم فيها                قُـتِلَ الحُسـين فأدْمـعي مِـدْرارُ

الجسْـمُ منـه بكـربلاء مُـضرَّج                والرأس منـهُ على القــناة يُـدَارُ

      ثم قلت : هذا علي بن الحسين عليه السلام مع عمَّاتهِ وأخواتهِ قد حَلُّوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم , وأنا رَسُولُهُ إليكم أعرفكم مكانه , قال : فما بقيت في المدينةِ مخدرة ومحجبة إلَّا بَرَزْنَ من خدورهن , فلم أرَ باكياً أكثر من ذلك اليوم , ولا يوماً أمَرَّ على المسلمين منهُ . وقال بشر بن حذلم : ورأيت امرأة كبيرة تحمل على عاتقها طفلاً وهي تشق الصُّفُوف نحوي , فلما وصلت قالت : ( يا هذا أخبرني عن سيِّدي الحُسينْ عليه السلام) فعلمت أنها ذاهلة , لأني اُنادي ( قُتِلَ الحُسَيْن ) وهي تسألني عنهُ , فسألت عنها ؛ فقيل لي هذه ( أم البنين ) عليها السلام , فأشفقت عليها وخفت أن أخبرها بأولادها مَرَّة واحدة.

      فقلت لها : عظم الله لك الأجر بولدك عبد الله . فقالت : ( ما سألتك عن عبد الله , أخبرني عن الحسين عليه السلام ) فقلت لها : عظم الله لك الأجر بولدك عثمان . فقالت : ( ما سألتك عن عثمان , أخبرني عن الحُسين عليه السلام ) قلت لها : عظم الله لك الأجر بولدك جعفر . قالت : (ما سألتك عن جعفر , فإن ولدي وما أظلتهُ السماء , فِداءٌ للحُسين عليه السلام , أخبرني عن الحُسين عليه السلام ) . قلت لها عظم الله لك الأجر بولدك أبي الفضل العباس . قال بشر : لقد رأيتها قد وضعت يدها على خاصرتها , وسقط الطفل من على عاتقها وقالت : ( لقد والله قطعت نياط قلبي ؛ أخبرني عن الحُسين ) . فقلت لها :عظم الله لك الأجر بمُصاب مولانا أبي عبد الله الحُسين عليه السلام.

        هذا الموقف العظيم الذي أبدتهُ السيّدة ( أم البنين ) عليها السلام عند تلقيها خبر استشهاد الإمام الحُسين عليه السلام وأولادها الأربعة في الطف , وكيف أنها استسهلت شهادة أولادها الأربعة - وهم لا نظير لهم أبداً -وجعلت جُلَّ اهتمامها السؤال عن الإمام الحُسين عليه السلام , الذي ينم عن عظم إيمانها وصبرها في أولادها , ورسوخ اعتقادها وولائها الوثيق, وحبها الذي لا يوصف للإمام الحُسين سلام الله عليه , ولطالما كانت تقول : ( ليت أولادي جميعاً قُتِلُوا وَعادَ أبو عبد الله الحسين عليه السلام سالماً  ). وَبهذا وَغيره كثير ؛ صارت السيّدة أم البنين عليها السلام من النساء الخالدات , والقدُوة للمُثُل العُليا والتضحية لأعلاء كلمة الله تعالى ودينهُ السَّامي.

أمٌّ عـلى أشــــبالهــــا أربـــع            جــاءت لبــشر وبـه تســتعــين

وتحـــمل الطــفل على كتـفها             تســـتهدي فيـــه خبر القـادمين

ملـهُوفــة ممَّـا بهـا مــن أسـى             تــرى بـذلك الجمع شـيئاً دفـين

فقـال يـــا أم أرجـعي للـخبا              وابــكي بَنْـيكِ قُتِـلُوا أجمعــــين

فما انثنت ومــا بكت أمـــهم               وَخـــاب منـــه ظــنهُ بــاليقين

كــأنها الطّـوْد ومـــا زلـزلت              وحقت أن تجــري لهـم دَمع عين

فقــال يـا أم البنــين اعْــلمي              بـــأنَّ عبَّـاســــاً قتيـــلاً طعين

قالت طعنت القلب مني فـقل              النفـــس والدنـيا وكل البـــنين

نــمضي جمــيعاً كلّـــنا للـفنا               نكــون قـــربانـاً فدىً للحُسيْن

فقـال يــــا أم البنــين الْبـسي             ثوب حـــداد الحُــزْن لا تنزعين

      وهذا ما تجَسَّدَ بالموضع من اللوحة , الذي صَوَّر المشهد ببعض الأشخاص ومنهم السيّدة أم البنين عليها السلام وهي حاملة للطفل , وَقد تلقَّت خبر استشهاد الإمام الحُسين عليه السلام , من بشر بن حذلم الذي أظهرهُ الفنان واقفاً على مُرْتفعٍ غارقاً بدموعه في أعماق الحُزن ,وهو يشدُو بأبياتِ الشّعرالتي نَعَى بها سيِّد الشهداء عليه السلام , إضافة لإظهاره الفنان وكأنه مُحلِّقٌ بإحساسِهِ وإيماءاته إلى آفاق الأزمنة القادِمَة ؛ ليكون نعياً ذا صدىً يحمل بخلجاتهِ زلزلة الحدث الجلل بكل ما يحويه من حزن إنساني لمصاب لا يتكرَّر في فحْواه وإطلالتهِ على ساحةِ التأريخ .

       وأما تصوير شخص السيّدة ( أم البنين ) عليها السلام في هذا المشهد المُعَبِّر , فقد صاغهُ الفنان بلغة الواقعية التي تعَبِّرُ عن نفسها ؛ بلغةٍ فنيَّة وإيحاء تعبيْريّ , فبينما يهيم الشاعر بشر بن حذلم في فضاء النداء بالمصاب نحْو الآفاق البعيدة , فلا تزال السيّدة ام البنين حاملة الطفل باكية هائمة بحزنها العميق ؛ لتواصل مسير الصَّبْر والعطاء لأحياء ذكرى الحسين عليه السلام , وحاملة جرح فقدها للحُسين وفلذات كبدها الأربعة في أعماقها الرحبة الواسعة , حتى مُلاقاة رَبها عَزَّ وَ جل , لتكون إشراقة في أروقة التأريخ تصدحُ بالصبر والتضحية والثبات.

      وتأتي مُناسبة مشهد الجانب العلوي الأيسر من اللوحة ؛ ليرتبط مضمُونهُ بمضمون أم البنين والشاعر , وبنسق يرتبط ارتباطا وثيقا, من حيث عناصر القدر المشترك بين المشهدين في اللوحة . حيث صَوَّر هذا المشهد أبرز الشخصيَّات التاريخية والبطولية في التضحية والفداء يوم الطف الأليم , وهو مولانا أبو الفضل العباس عليه السلام  ؛ تحملهُ الملائكة المتوشحة بالحزن والبكاء , وهو مقطوع الكفّين , والمشير بكل إيماءاته باتجاه السيّدة (زينب الحوراء) سلام الله عليها , وكأنهُ يعتذرُ إليها لعدم رجوعهِ بالماء الذي اقتحم الجمع لجلبهِ للأطفال والنساء العطاشى تاركاً وراءه جوده الذي مزَّقتهُ سهام الأعداء، وأراقتْ ماءهُ على رمل الرَّمضاء , ولِواءهُ الذي لم يسقط منهُ ولم يدَعْهُ حتى بُتِرَتْ كفَّاه بسيوفِ الغدْرِ والجبناء , كما صَوَّر الفنان السيّدة زينب الكبرى سلام الله عليها هي الأُخرى بهيئة المنادي والمناجي لأخيها الشهيد وهو يرتقي بعروج الملائكة به إلى الرفيق الأعلى سبحانه وتعالى , لتبوح لَهُ بحسرتها وفؤادها المكلُوم عليه وعلى الاحبة الذين رحلوا معه ، وكيف أن وجدانها سيتسع لهول الرَّزيَّة . ودارت الأحداث وتوالت الفواجع , واصبحت السيدة زينب الكبْرى ؛ بصبرها وثباتها نبراساً شامخاً للدروس والعِبَر , ومنهاجاً منيراً للثبات والمُرابطة , والتغلّب على الصِّعابِ والمِحَنْ , للوصُول إلى الفلاح والعُلُوّ والرُّقيّ.

      ويتوسط هذا المشهد بين الأجواء التعبيريّة المُحيطة بهِ ؛ قرص الشمس المضمحل نسبياً والمصوَّر بداخلهِ هيأة شخصين , وقد عُنِيَ بهما شخص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام , وهو حامل لسيفه , والسَّيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها , واضعة يدها على خاصرتها ؛ للدلالة على أن مواكب العداء والأحقاد المُستهدفة لآِل بيت النبوَّة بعيدةُ الأمد , وأنها مستمرة وإن اختلف الزمن والمكان والأشخاص . فكان هذا المشهد بهذه الدُراما الرمزية التعبيرية , والإيحاءات الفنيَّة النّابضة بالمضامين الرّوحية والعاطفية ؛ لوحة غَنَّاء , مُضرَّجة بعبرات الحُزن والألم الناطق , والمُنتفضة بروحية الأفق الوجْداني والقيم الإنسانية , وصداها المُعَبِّر والمُدوّي إلى قيام الساعة .       .      كما كانت لوحة (ثبُوت الرأس بين خطى القافلة) عملاً فنيّاً رصيْناً , ومضمُوناً شمُولياً لمفاصل حدث ذا ثقل تأريخيّ كبير , صاغهُ الفنان بمخيَّلةٍ غناء , واستطراد في الصياغة الإبداعية والتّتويج الجمالي, لتكون مسرحاً بانوراميّاً آسِراً على عتبات ِ الرُّؤى والأنظار المتباينة, مُبتعِداً عن نمطِ التّصوير الحديث, والمُعتمدُ على الخطاب بالمضمُون والرصانة التقنيَّة ، والرُّؤية الإستطيقيَّة الهادفة والمُؤثِّرة ، ليكون عملاً فنيّاً يسردُ قصَّة حدث تأريخي ؛ بصياغتهِ رُؤيةٍ فنيّة وتصويراً مُعَبِّراً وآسراً للوجدان , يحمل بخلجاتهِ رسائِلَ ذات قيم معنويَّة وتأريخيَّة قادمة من إيحاءات الزّمن البعيد.

                                                                                                                            بقلم الفنان / حسن حمزة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً