هندسة الذات

حق المعلم

19-10-2019 148 زيارة

نص حق المعلم وفق ما جاء في رسالة الحقوق للإمام السجاد (عليه السلام):

"فأما حق سائسك بالعلم: فالتعظيم والتوقير لمجلسه, وحسن الاستماع إليه والاقبال عليه, والمعونة له على نفسك فيما لا غنى بك عنه من العلم, بأن تفرغ له عقلك وتحضره فهمك وتذكي له قلبك وتجلي له بصرك, بترك اللذات ونقص الشهوات, وان تعلم أنك فيما ألقى إليك رسوله إلى من لقيك من أهل الجهل فلزمك حسن التأدية عنه إليهم, ولا تخنه في تأدية رسالته والقيام بها عنه إذا تقلدتها, ولا قوة إلا بالله"

 

صانع العقول

قم للمعلم وفه التبجيلا    كاد المعلم أن يكون رسولا

هذا مطلع من قصيدة طويلة للشاعر أحمد شوقي وهو يصف منزلة المعلم وقيمته في المجتمع باعتباره صانع العقول وملهم المعرفة, إذ أصبحت أشبه بالرسالة العالمية التي تعزز البعد الحقيقي لمربي الأجيال, ولكن عند التوقف أمام رسالة الحقوق للإمام السجاد (عليه السلام) نجد في نص حق المعلم إشارات بالغة الأهمية ومنهج تربوي شامل يؤكد على شرعية الامتثال لما يتلقاه المرء من المعلم, على أن يكون وسط يقين تام بأنه يحمل عبأ مسؤولية نقل المعرفة له بشتى الطرق والوسائل, وإن هدفه هو الارتقاء بالمفهوم التربوي والعلمي إلى مستويات سبق وأن وصل لها المعلم وهو يتتلمذ في مدرسة معلم آخر.. هكذا وتستمر الرسالة المعرفية على تعاقب الأجيال لنقل الإرث الفكري المشفوع بالإضافات التي تتخلل المنهج نتيجة الدراسات الحديثة, والتطور الهائل في منظومة الأبحاث والتجارب.

 

المعلم المعاصر

قد نتساءل ونحن نتصفح رسالة الحقوق للإمام السجاد (عليه السلام) التي كتبها قبل أكثر من ألف سنة وخصوصاً حينما نتعمق في مفهوم حق المعلم ونطابق المنزلة التي أولاها الإمام للمعلم في زمانه مع المعلم في عصرنا الحالي.. هل نجد القيمة والمكانة ذاتها؟

وهل تتطابق مقومات الشخصية, ومجموعة المبادئ, وقوة التأثير!!

هنا علينا أن نضع الأمور في نصابها ولا نبخس حق المعلم بشكل عام, ولكن لابد من الإشارة إلى ضياع هوية بعض المعلمين التقديرية والعلمية في مهب الفوضى التكنولوجية التي ساهمت من جهة في تقدم العلم, وأدت من الجهة الثانية دوراً سلبياً.. فاليوم بدأنا نلاحظ عدداً من المعلمين والتدريسين المتواجدين على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل ربما يجعل الطالب ينسى أو يتناسى الفارق العمري والمعرفي والأهم فارق الدور والمنزلة؛ لذا قد يتسبب المعلم ذاته بتنحية نفسه من الدور الحقيقي الذي يفترض أن يؤديه بشروطه, ويختار الاندماج مع الوسط الطلابي بدواعي الصداقة والتواضع, ولكن تؤكد الدراسات النفسية في مجال علم النفس التربوي على ضرورة إبقاء مساحة كافية بين المعلم والطالب وحدود فعلية تؤمن للمعلم كامل صلاحياته التربوية قبل العلمية الواجب توفيرها للطالب سبيلاً لإداء دوره الرسالي قبل أي شيء آخر.

الأسرة التربوية

في بداية انتقال الطفل من بيئة الأسرة التي تتيح له حرية أقرب إلى المطلقة إلى مناخ المدرسة المشفوع بالانضباط والمنهجية, يصادف شخصاً قادراً على التأثير فيه بشكل كبير ألا وهو المعلم الذي يؤدي غالباً دوره التربوي قبل الدور العلمي, لعلمه بضرورة الوصول إلى طمأنة الطفل وجعله قادراً على التفاعل في جو المدرسة والاندماج المبكر لكي يكون قادراً على تلقي المادة العلمية بشكل طبيعي, ومن هنا يأتي الدور الأسري الذي يتفوق في كثيراً من الأحيان على الدور الأسري في البيت, وهذا يكون عن طريق تكاتف الهيئة التدريسية واستثمار قدراتهم التربوية والعاطفية في التأثير على نفسية الطالب وتقويم بعض السلوكيات التي تحتاج إلى تأهيل تربوي, ففي بداية المرحلة الابتدائية تبدأ الشخصية بالتكوين بنسبة تفوق مراحل الاكتمال في عمر المراهقة.. وهنا نحن لا نؤكد على وضع الطالب في مجمل مراحله العمرية دون التأكيد على وضع المعلم سواء كان معلم للمرحلة الابتدائية, أو مدرساً في الثانوية, وحتى وهو أستاذا جامعياً؛ بل الغاية الأسمى هي التأكيد على حق المعلم علينا بالتبجيل والطاعة والاحترام كونه ينقل لنا المعلومات والسلوكيات التي تساهم في بنائنا المعرفي والأخلاقي وكأنه بمثابة الرسول المكلف بإداء رسالته.

إيمان كاظم

قد يعجبك ايضاً