قارورة حبر

كيفَ تكتبُ القصة القصيرة؟

11-10-2019 209 زيارة

(الحلقة الحادية عشرة)

 الحدثُ

لا ريبَ إن الحدث يمثّل نقطة بدء القصة القصيرة الفعلي من الناحية المعنوية وليس المادية؛ أي لابد أن يكون هنالك حدث ما، سواءً أكان مثل هذا الحدث المشار اليه حياتياً أو نفسياً، ظاهراً أو باطناً، صريحاً أو مستتراً.. أقول لابد من حدث قد أثار القاص بدءاً، وفجر في دواخله المشاعر، ومدّه بالطاقة والاندفاع الكافي ليمسك باليراع ليكتب قصته أو ينزفها سردياً، أي قدح في ذاته شرارة الاستفزاز الأولى، ومن ثم أوصله الى حالة الاتقادّ الإبداعي، هذا على مستوى القاص نفسه، أما على مستوى القصة ذاتها؛ فلابد من وجود  صراع  يسبق الحدث في الفعل والتأثير قبل الوصول الى نقطة انبثاقه وظهوره على السطح فيما يسمّى لحظة انفجار الحدث.

الحدث روح السردية

هناك في الحياة بشكل عام وليس في القصة فقط، أفعال وردود أفعال، مترتبة على مثل هذه الأفعال، والحدث وفق هذا المفهوم الفني سيمثل الفعل إذن؛ أي الحركة والتطور من أجل الوصول الى الأهداف والنتائج والغايات.

ناهيك عن كون الحدث إنما يمثل في حقيقته محرّك الدراما الأساسي في السرد.. بل وروح السردية النابض، إذ إنه ليس بالضرورة ان تبدأ القصة القصيرة بحدث، بيد إنه من ضرورات القص أن يمدّ الحدث المتن السردي بطاقته الحركية في النمو والتأزم والتطور، ومن ثم وصولاً الى الهدوء والانفراج في خاتمة المطاف.

المهم هنا أن يكون هناك حدثاً، وإن لم يأتِ مثل هذا الحدث في مقدمة متن القصة السردي مثلما أسلفنا القول؛ لأن هذا عائد بالأساس الى تكنيك القاص نفسه في قصته تلك تحديداً، وبالتالي ستحكم الأمر برمته طريقته في بناء الحدث والصراع بالحبكة، وحياكة نسيجهما حول الشخصية والزمان والمكان.. الخ.

وربما يبقي القاص الحدث مخفياً أحياناً على طول سير سرده للقصة كنوع من الإثارة والتشويق، ثم يكشفه في النهاية، من خلال استخدامها كضربة نهائية مفاجئة (قفلة).

موقعية الحدث

بمعنى إن موضوع القصة (الثيمة)، لابد أن يكون حدث ما، يقبع في محورها الرئيسي (بؤرتها)، بل ويكون نقطة انطلاقتها وارتكازها الأساسية، سواء جاء مثل هذا الحدث على المستوى الخارجي/ الحياتي، كأن يكون حدثاً اجتماعياً.. سياسياً.. اقتصادياً.. عسكرياً وغيره،  أو على المستوى الداخلي/ النفسي، صدمة.. تحوّل .. انقلاب .. نكوص.. تغيّر، كون الحدث في القصة يعد المولّد الأساسي لبقية الوحدات، والأهم هو من يعطيها حيويتها للدوران والتمحور حول نقطة بعينها من أجل إغناء التفاصيل بالإثارة، حول هدف معين فيما يطلق عليه تسمية وحدة الموضوع، وبالتالي أضاء الدهشة في بعض مفاصل القصة، من خلال شد طرفي الصراع، والميلان تارة الى هذه الجهة وتارة الى تلك بين متضادات الخير والشر، أو الحق والباطل، أو اليأس والأمل وما اليها من متعاكسات في غالبية التجارب القصصية.

تلك الثنائية المتضادة والمتعاكسة والمتناقضة من أجل إثارة اهتمام القارئ، واستنهاض فضوله الإنساني، ومن ثم تغذية تعطشه المعرفي، من أجل الاستمرارية في المتابعة والاسترسال والتوغل مع السرد للوصول الى الحل وهو الهدف.

ولو تفحصنا بشيء من التمعن والدقة متن أغلب القصص؛ سنرى بأنها فعلاً بدأت من حدث بعينه من أحداث الحياة، ثم تعددت وتشعبت وابتعدت كثيراً، ولا أعني هنا بداية السرد بقدر تنويهي الى بداية الموضوع.. موضوع القصة المثير للاهتمام.

الحدث يساوي الفعل

طبعاً أقصد بالحدث هنا، هو ذلك الفعل الحياتي المؤثر الذي استفز القاص شعورياً، نتيجة تفاعله في ذاته.. ربما لتوافقه، ربما لتضاربه مع ذكرى أو احساس نائم في دهاليز نفسه..  ليحدو به نحو فعل الكتابة من أجل التخلص من عبئه العاطفي، وقبل ذلك عصف بوجدانه عصفاً، وأجّج في كوامن نفسه ما أجّج من مشاعر وأحاسيس وتداعيات وأفكار وخيالات وذكريات، ليسوقها سردياً على لسان بطل عليم/ كلي العلم، أو مشارك/ جزئي العلم، أو مجرد (رائي) شاهد عيان/ لا علم له، أو على لسان القاص نفسه من خلال السرد بضمير أنا المتكلم، أو (هو) الغائب، لينقل القاص مثل هذا الانفعال العاطفي أو الهاجس الحسّي، ويسرّبه رويداً رويدا كما الشحنات الى المتلقي من خلال كهربة اللغة بالشعور.. ليحيا الآخر ذات الإحساس بمحنة الشخصية وأزمتها،

بيد إني أحبّ الإشارة هنا بأن لا قصة طبعاً دون فعل أو حدث، لأن ذلك غالباً ما يبعدها عن سردية القصة، ويدنيها أكثر من انثيالات الخاطرة فحسب.

وأما بقية الأحداث فإنها ستكون في الغالب تابعة للحدث الرئيسي أو متأثرة به على الأقل، من خلال استحكامات مفهوم (العلية) أي علة ومعلول، أو موازية أو مساندة له بموجب تطبيقات قانون السببية والأثر المترتب عليه، وأحداث الحياة برمتها إنما هي في حقيقتها العميقة عبارة عن أسباب وآثار تؤدي الى نتائج.

طالب عباس الظاهر

قد يعجبك ايضاً