على خطى الحوراء

دلهم

28-09-2019 257 زيارة

كل هواجس الموت تمر من أمامي، أشياء كنت شاهدتها في حياتي، خطوط مستقيمة وأخرى متعرّجة، ذكريات تتلاشى في الهواء، جعلتني أتعثّر بأنفاسي، عظيم أن يقود المرء قدر، لكن الأعظم أن يكون القدر غربة. صوت الصحراء كأنها امرأة ثكلى تسمع صوت وليدها لكنها لا تقوى على الوقوف أو المضي نحوه. كانت نينوى نقطة كبيرة في حياتي، جعلتني أختار هذه الأرض الخالية لأعيش فيها، ابتعدت عن ترف الدنيا، بالرغم إن الأموال والأملاك التي تركها لي زوجي ثروة كبيرة لا يستهان بها.

لم أفكّر يوماً أن أكون وحيدة، يعصف بي الماضي، وتغور في أعماقي الكثير من الأمنيات، منذ سنين وزوجي زهير منشغل بأمور التجارة، اعتزل أمور الحرب والسياسة، لأنه كان معتقداً أن كل حرب بين المسلمين سوف تؤذي رسول الله.

جمعت ما أحتاجه في السفر، لقد كنا آنذاك في رحلة الحج، العرفان أن تكون قريباً من الله؛ وهذا ما شعرت به في ذلك الوقت، وأنا في زحمة الطواف رأيت كأن الحجاج اختفوا الواحد تلو الآخر، حتى صرت في أرض فلاة، وعلى مبعدة مني خيمة منصوبة، سمعت صوت زهير يتردد على مسامعي:

ــ دلهم.. أنا مدين لك بخلاصي من الدنيا، اذهبي يا حبيبتي، اذهبي يا دلهم.

شعرت بقشعريرة تسري في أنحاء جسدي، يداي ترتجفان، التفت لأرى زوجي زهير يمسك بي كي لا أسقط أرضاً.

انتابني الخوف من الأيام، التفت إليه قائلة:

ــ لا أعرف ما الذي حصل لي يا زهير، فجأة صرت لا أرى الحجيج، لا أرى شيء بالمرة.

ــ لا عليك.. أنك متعبة من الطواف.

ــ دعني أحدثك بما رأيت.

ــ دلهم لا تجهدي نفسك بالأفكار.

امتثلت لما قاله والتزمت الصمت، في عودتنا أردنا ا

 

لذهاب إلى الكوفة، وفي ضواحي مكة رأينا قافلة الإمام الحسين، وكان زهير يحاول الابتعاد عنها قدر الامكان، فتمهلنا حتى تقدّمت قافلة ابن بنت رسول الله، فكنا كلما توقفت قافلته سرنا نحن، وكلما سارت قافلته توقفنا نحن، لكن لا يكون إلا ما شاء الله، شعرت بأن قلبي ينقبض، هاجس القلق آلمني كثيراً وأنا أتذكر قول أمي لي (أتعلمين يا دلهم، إن هذه الملامح الصحراوية دليل على النقاء والقوة والغربة). كنت أتساءل ماذا تعني بالغربة فأنا لم أدرك الفراق بعد، ولست من الأشخاص الذين يعيشون في الدنيا بدواعي القلق.. إرادة القدر جمعت القافلتين في أحد المنازل هناك، فأرسل الإمام الحسين بن علي في طلب زهير كي يحضر للقائه.

كان أجمل ما رأيت في تلك اللحظات سعادته، أظن أن المرء يحتاج إلى أن يولد من جديد كي يدرك إن للسعادة درجات وأقصاها الحقيقة، ملامح وجهه بدت مثل حلم يمر ببطء شديد على شروق الشمس:

ــ دلهم جئت لكي أذهب.

كنت أنظر إليه بدهشة، تركت الأشياء التي كنت أجمعها في قطعة قماش مربعة الشكل، ثم قلتُ باستغراب:

ــ سبحان الله أين ذلك التمنّع، ما هذا الشوق والإصرار يا زهير، ما الذي قاله لك الإمام الحسين بن علي؟!

ــ سأذهب مع ابن بنت رسول الله.

ــ وأموالك ماذا تفعل بها؟ تجارتك سوف تتعطّل.

ــ أموالي كلّها لكِ يا دلهم، أنتِ هي كل دنياي، أهبكِ كل ما أملك من أموال وأملاك، وأطلّقكِ لكي لا ينالك سوء.

شعرت أن كل قواي انهارت في لحظة واحدة، كأن هذه الأرض دارت بي مرات ومرات، جلست قربه وقد أحسس بأن الهواء بدأ ينفد:

ــ هل ستطلقني؟!

تنهد بحسرة والتفت إليّ قائلاً:

ــ الإمام الحسين لن يبايع يزيد، وأنا لدي أخبار موثقة أن أبن زياد قد كلّف بقتل الإمام الحسين ابن علي، وقد جيّش أهل الكوفة بعد أن غرهم بالمال والخداع لحرب الإمام الحسين، والإمام الحسين لا جيش لديه، وأنا أعلم علم اليقين أن الذهاب معه يعني الموت، وبموتي ستكونين كالمطلقة، فالأفضل أن نترك بعضنا، اذهبي يا دلهم، واهتمي بالأولاد والأموال.

نظرت إليه كمن يبحث عن ضالته، صار يريد إقناعي بعد أن كان يمتنع في اللحاق بركب الحسين، اغرورقت عيناي بالدموع:

ــ ماذا أفعل بالأولاد والأموال بعدك؟!

أمسك كلتا يدي مهدئاً:

ــ دلهم.. الموت أمر محتوم، وكل حي هالك، فإن لم أمت اليوم فغداً أو بعد غد، فصبراً على الموت الذي لابد منه.

أسقطت يده من يدي حازمة:

ــ ألم تكن مكرهاً على الذهاب إلى الإمام الحسين ابن علي، وأنا التي أرغمتك عليه، فهل من الإنصاف أن تذهب وحدك؟!

وقف قبالتي وقد تغيرت ملامحه، نظر إليّ بوهن:

ــ أنا مدين لك بخلاصي من الدنيا، أقسم بالله لو كان الجهاد واجبا على النساء لذهبنا معا في ركاب الإمام الحسين.

ــ حرم الإمام الحسين هناك أيضا يا زهير.

ــ ليتهن ما كن فقلقه هو من أجل أطفاله وعياله، فلا تكوني ثقلاً آخر.

كنت أصغي وأقنع نفسي قائلة (دلهم.. إن طلقكِ فأنتِ حرّة مُطلقة العنان؛ مختارة)، تذكّرت قول أمي، شعرت بالدوار، أمسكت رأسي، أردت أن يكون ما أمر به حلماً لكن صوته أيقظني من دوامة أفكاري:

ــ دلهم.. يعلم الله إن هذا الطلاق طلاق العشاق، وأرجو أن لا تتصوري غير ذلك.

أتصدق كل هذا أيها المنتقم الكرار، لقد وقف مقاتلاً إلى جانب الحسين، وخطب بجيش عمر بن سعد وأنذرهم عذاب الله، فلم يستجيبوا له..

هنيئاً لك أيها المختار الآخذ بالثأر شديد السطوة والصولة، هذا ما حدث لي أنا دلهم زوج الشهيد زهير بن القين؟

منذ ما جرى على آل رسول الله في نينوى، وأنا بمعزل عن عالمكم، وحيدة في الخيمة، نصبتها وسط هذه الأرض الخالية، لأفي بعهدي وأتنفس هواء العشق لآل رسول الله، ولابد أن يكون اللقاء، (أليس الصبح بقريب).

هدى الغراوي

قد يعجبك ايضاً