قارورة حبر

خلف جذع نخلة!

27-07-2019 432 زيارة

ليس أملا بالحياة, ولا رغبة بالبقاء, ولم تتوقع عودة الزمن إلى الوراء, هي أصغر بكثير من أن تفسر هواجسها التي من السهل أن أختصرها بالخوف...

كنت أقف بمحاذاتها بمسافة لا تسمح لي بسماع صوت ارتعادها, رغم ذلك سمعت!

رغبة عنيفة على مواجهة العالم كانت تمور داخلي, صرخت ملء صمتي (كفى).. نعم كفى.. بأي ذنبٍ قُتلت؟ ليتها قُتلت مع عائلتها لتكون سابعتهم..

هل أبدو قاسياً لأني اتمنى الموت لطفلة تحمل من البراءة ما يكفي لرفع القبح عن كاهل الموقف الذي كنت عاجزاً أمامه!!

لا أعلم إيهما أكثر قساوة الموت في كفة؛ والأخرى كفة تكاد تسقط لفرط ما ينتظرها من ثقل: الضياع, الغربة, الجهل, الاهمال, المرض, الحرمان... أعلم إني لو أكملت سأنتخب الموت لا محالة لأنه أرحم بكثير مما ينتظرها.. آه نسيت هل ذكرت لكم اليتم؟

كيف أنسى أسوء شعور على الأطلاق إنه شبح اليتم, إنه القهر الذي لا قهر يوازيه

طفلة تُشاهد أهلها يُقتلون واحداً تلو الآخر تحت عنوان: لا.. لا يوجد عنوان يبوب بشاعة هذا الجُرم, هي الآن بين أكوام النازحين تجهل اللحظة المقبلة بما ستحمله لها.. وأنا أيضاً أجهل نوازعي الثائرة واندفاعي لإنقاذها من مصيرٍ سيء في أحسن أحواله!

بتول من بلد.. غريب إني أحفظ تفاصيلها كما احفظ اسمي, إلى هذه اللحظة أتذكر كلماتها الشاكية بل الباكية وهي تخبرني بأنها تسكن مع أحد عشرة شخصاً غريباً عنها تجمعهم ذاكرة القتل والتهجير في غرفة لا تتسع لأربعة اشخاص في الوضع الطبيعي, الوضع الذي أعيشه على أقل تقدير فأنا لستُ مترفاً ولا فقيراً ولدي من الطموح ما يكفي للوصول إلى حياة أكثر تطوراً.. هذا كان قبل أن التقيها فطموحي لا يعني شيئاً أمام 2400 شخصاً يدسون أنفسهم في مخيم واحد على أمل العودة إلى ديارهم أو تحسين وضعهم.. لكن بتول ماذا تنتظر؟

وغيرها من الأطفال الذين أضاعوا هويتهم, انتماءهم, ضحكاتهم, شغب الطفولة, أحضان أباءهم, وكف أمهاتهم حينما تعد لهم وجبة طعام أو حينما تلمس جسدهم لتزيل عنه آثار التعب وربما حينما تحممهم بماءٍ دافئ... هل أخبرتكم أن بتول لم تغتسل منذ شهرين, فمن يلتفت لنظافة طفلة وسط هذا العدد المخيف من البشر بحمامٍ واحد لكل أفراد المخيم؟!!

لكنها لم تبدو متسخة كثيراً.. ربما كانت دموعها تزيح عن وجهها تراكم الأتربة وآثار النوم, متأكد إنها تندب وجع الفقد كل صباح حينما ترى طفلة أخرى تتذمر بين أحضان والدتها, أو صرخة طفلاً لأن أباه يوقظه دون جدوى.. لا أعلم ما هو أكثر ما يثير شجونها فنحن البشر نتعاطف لكننا ننسى وربما نتناسى, بسببها أدركت استحالة اقتباس المشاعر وإننا في مهب غفلة دائمة...

هكذا علمتني لحظة افلاتها يداي حين علِمت برحيلي من المخيم بعد أن مكثتُ قرابة ثلاث ساعات كانت لها بمثابة ساعات من الأمل, من الاهتمام, من الانشغال عن تذكر ما جرى... وقفت خلف النخلة تشكوها ظلمي بدموع لاهبة, حتى أنا ظلمتها ربما لأني كبست على جراحها لتلتقط لها عدستي صورة!

أحداث القصة من الواقع

إيمان كاظم

قد يعجبك ايضاً