على خطى الحوراء

إلهام المنية

10-03-2019 165 زيارة

كثيرة هي الوجوه الشاخصة نظرها نحو السماء باحثة عن سنا أثر لأولئك الراحلين المنعتقين من دنيا الفناء، جلست أم أمير أمامنا جلدة القلب وقورة المحيا و في ملامحها شيء من صبر القدوة زينب سلام الله عليها، هي أم وَلدَت شهيد فكيف لا تكون بهيبة السماء وجنة هبطت على الأرض لتكون حِجرَاً ينمو فيه حتى يحين موعد قطافه، تروي لنا يوم ولوجه للحياة عندما جاءها المخاض و أشتد عليها الطلق كانت حينها وحيدة حالت بينها وبين أهلها المسافات فلم تجد من تتكأ عليه ويهون عليها غير طفلها القادم، ذهبت بعين الله تتخطى لا تبالي بألم ولا خطورة  حتى وضعت أميرها بسلام وعادت بمفردها تحملهُ الى بيتها بحنان.

 كانت تتأمل وجهه بكل حب تناغيه بالحان تشتمل على الشجاعة والبطولة، تتأمل فيه مستقبلاً مشرقاً يغدقها فخراً بولد مثله، كبر وكانت كل حركاته وسكناته مغلفة بالرحمة، لبس رداء الجدية والهمة منذ صغره وهو رجل المواقف تتباهى بهيبته ورزانة عقله وطيب معاشرته، تشتاق لمرح طبعهِ  وطيب نكاتهِ كما يفتقده اخوته وأخواته لطالما كان ملح الحضور بينهم ففقده بلا شك أوجد ثغرةً لا يسدها الا عودته! لكنه رحل الى حيث لا عودة! و تركهم يرتشفون رحيق ذكراه بين آن وأخر.

أمير الاستثنائي من يوم مولده الى يوم استشهاده ترك بصمات راسخة بين أهله وأحبته و في قلوب إخوته المجاهدين كان لها أبلغ الأثر، يمازح هذا ويحدّث ذاك، بل كانوا يدعوه بالمصلح لما مارسه من دور بينهم في إصلاح ذات البين كان كالمغناطيس يجتذب الأرواح ويقربها لبعضها أكثر، مسترفداً ذلك من نبع الخلق الرفيع والرسول الكريم صلى الله عليه وآله.. حين قال "صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام"

عبد الله بكل طرق العبادة، وزهد في حياته أيما زهادة لم تغره الدنيا بزخارف ملونة ولم يغرقه الشباب في بحر الشهوات وهذا ما يتصف به شخص بمنزلة شهيد.

عانقت يده كُلّ يد مستغيث أشعرهم بالأمان في دنيا اللامان فأغاث اكباداً حرى وأعان أُناساً مسهم سهم الفقر والبلوى، وتدفق نهر عطائه حتى وصل النازحين فروى جفاف عطشهم وبث فيهم روح الأمل بالعودة إلى ديارهم سالمين، فإن لله رجالاً نذروا أنفسهم لتحريرها وأقسموا أن يعيدوها بأي ثمن كان.

هو من الأوائل الذين هبوا لتلبية نداء العصر الذي أنبثق من مثوى أبي الأحرار في ضحية الثالث عشر من حزيران لعام ٢٠١٤، جاء أمه مسروراً جذلاً يهتف؛

- (أماه سأدافع عن الأرض والعرض ،أماه سأصون المقدسات) ما أجمله من يوم فُتِح لنا باب الجنة، باركي لي سأرفع رأسك وأبيض وجهك يوم تنكس رؤوس و تسود وجوه هناك عند أم الشهداء فاطمة عليها السلام .

- حدقت به أمه بوزن جبل ثم قالت بثبات: وماذا عساني أن أقول لك؟ وهل أستطيع منعك عن الجهاد في سبيل الله، أذهب بُني فأن لم تذهب أنت وغيرك  فمن سيصوننا من وصول خطر إرهاب داعش المستحوذ على بعض أراضي العراق إلينا.

زاده ردها سروراً وأسرع يُحضّر حقيبة السفر المعنوي، فساحات ملئت بملبي الفتوى كانت متاريس لأرفع معاني العبادة وأجل أنواع الخدمة الإنسانية، يتسابق الفتية كلما حان وقت هجوم يتأنقون وألسنتهم تردد أوراداً كثيرة عسى أن تقبلهم  حبيبتهم الشهادة .

كل صحبه كانوا يتعجبون من شجاعته، يقيهم وابل مطر الرصاص، إذ إن ساحات محفوفة بالمخاطر ومحشوة بالألغام كفيلة بجعل الإنسان متوتراً..

ولا يفكر سوى في الموت الاختياري، لكن ابتسامة أمير كانت مشرقة بما يكفي لأناره سبعة كواكب ومدها بروح السكينة والطمأنينة، يمازح رفاقه وينفض غبار التعب عن أبدانهم المنهكة بطرائف النكاتْ ويضخ لقلوبهم الفرح دفعات..

شارك في أول أيام عمليات التحرير في محافظة ديالى في كل من مناطق البطاط الأولى والثانية وسد العظيم والهارونية وتذوق حلاوة النصر عقب معارك استرجاع الأراضي، راق له الطعم كثيراً و نفسهُ تحدثهُ أن يستأنف الجهاد في الأراضي الاخرى، بلا شك إنه إلهام المنية أنقاد له أمير خطوة خطوة يستتبع شعاعاً من النور بعدها حل في محافظة صلاح الدين وآمرلي وجبال حمرين بقي هناك أحد عشر شهراً ومهمته مسك الأرض بعد تحريرها، تلاشى الشعاع !

حزن أمير وكأنه فارق عزيزاً، كان الصبر يُنضِج روحهَ ويربي قلبه، عامان من مجابهة العدو كفيلة بجعل روحه تتسامى شيئاً فشيئاً، حتى بدت بشفافية لا تتناسب والبقاء ضمن إطار هذه الحياة وقتذاك قرر المضي في طريق العروج الأخير (الفلوجة) ومعارك تحريرها الضارية وتراب أرضها المنقوع بدماء خيرة شبابنا، كان القتال فيها طويلاً والتضحيات فيها كثيرة، عضّ عليها العدو بجملة فكوك سامة، لكن ما أن وطأتها أقدام حشدنا المقدس حتى تهالكت تلك الفكوك وتلاشت سُميتها، ونزل غيث السماء ليبارك تطهيرها من أرجاس البشر.

يَقدم أمير الى بيتهِ القدوم الأخير، يودع كل من يهمه أمره، تحاول أمه أن تستبقيه لكنه بدا هذه المرة أشد عزماً من ذي قبل فقد لاح له الشعاع من جديد وآسر روحه، فقال: كلا سأذهب يا أماه، لكن لا تخشين سأعودكِ  قريباً..

واضعاً لذلك مدة معلومة وهي( أربعة أيام) ولم يُكتَشف سر تلك الأيام، ربما أدرك موعدها معه و من غيرها الجميلة التي يتمناها جلّ العاشقين. بينما في لقائه الأخير بأصدقائه اخذ يودعهم الوداع الأخير وجرت على لسانه كلمات اهتزت لها قلوبهم وبهتت ألوانهم ولم تألفها آذانهم، كانوا يرصدون حركاته وأقواله بعدسة جوال أحدهم والحيرة تملأ قلوبهم.

 قال بيقين حاد: ((سأحظى بها هذه المرة))، فخشوا أن لا يروه مرة أخرى

فقالوا له : نحن نرجو النصر أولاً يا أمير . فأجابهم _سأستشهد إن شاء الله !..

في تلك الليلة رجع الى البيت حاملاً كيساً من الحلوى كان قد أشتراه بنفسه و أوصى والدته لا تحزني أن جاءوك بي شهيداً، أفرحي وأنثري هذه الحلوى فوق نعشي وأعتبريه يوم زفافي وأنا أظنك تفرحين لفرحي يا أمي، تخفي ألمها الذي بان على وجهها دمعات تترقرق مدارية عدم انسيابها على وجنتيها كي لا تثبط عزيمته.

- لكن قلبي لا يطيق نار الفراق يا بُني ، أعادك الله إليّ سالماً يا أمير..

رتب أغراضه، طبع قبلة على جبين والدته ممتناً لها بكل ما قدمته من أجلهم  مودعاً إياها الوادع الأخير وذهب وحيداً يحث الخطى في مسيره نحو السماء .

 كانت قد تعرضت مجاميعهم لهجوم مباغت من قبل الشرذمة الباغية ، قذائف هاون ورصاص يتطاير فاندفعوا يصدون التعرض ويحبطون محاولات الزمر الداعشية فنجحت سرايا الحشد في إرسال أرواحهم القذرة الى جهنم بينما توسم بعض مجاهدينا ببعض الجراح مما أضطر بأمير وصحبه أن ينتشلوا الجرحى من السرية الاخرى

رغم أن المهمة لا تخلو من خطورة ألا أن رجالنا لم يدعوا للخطورة معنى في قاموس جهادهم، يرتشفون الشظايا وكل أجسادهم أفواه تجوس ساحات المعارك بحثاً عن رصاصة او شظية ترتقي بهم سلم الشهادة، رمى أمير سلاحهَ وهرول باتجاه الجرحى حمل الجريح الأول وعاد ليحمل الثاني فنجح في انقاذ أرواحهم بينما كان البقية يؤمنون الطريق و يحيونه على بطولته وشجاعته وهو لا ينفك عن الابتهاج ورجع ليحمل جثمان شهيد فاذا بلعين كان مختبئاً فوق البناية يدنو منه ويطلق عليه رصاصة اخترقت جسده وضغطت على زر الحياة فيه لحظة عند ذلك بدأت الحياة الحقيقية وحلق في فضائها أمير يعلو ويدخل في منازل الصالحين والشهداء.

ذهب أمير وذهب معه الكثير، راحت الأمنيات تتهاوى في ذهن والدته عندما عادوا به إليها شهيداً حل فراغ في قلبها لا تعرف بما تسده تبحث عن أثر ضحكة أو خيال يعود له بين دهاليز أيامها المظلمة بعده، لا تعرف كيف تسكت حنينها الجارف له، رحل.. رحل كأنه لم يكن موجوداً يوماً، فلم تجد لفقد قلبها دواء إلا ذلك الامام الرؤوف والاب الحنون صاحب النهج الذي قتل هو من أجله الامام علي (عليه السلام)، ما أن تصله حتى تتلاشى آلامها بحضرته ويعوض حضوره فقد الجميع نعم هو كل الاهل كل الصحب بل كل الروح، كان ولازال البلسم الشافي لكل الجروح يمسح على قلب كل فاقد وفاقدة كل يتيم ويتيمة فتغدو قلوبهم كزبر الحديد والآن قد عرفنا سر جلادة قلبها وصبرها العظيم .

انتهتْ مراسم عزائه لتضع بصمة فراغه على جدران ذلك المنزل وحضوره بين جدران روحها، جاء أحدهم وكان ذا إعاقة يرتدي السواد ويهيم عليه الحزن الشديد أباح بسرِ حمله عنقه كأمانة وذكرى لأميره استنطق من بين حزنه  قائلاً بعد سيل رعايته لي في أحد الأيام أتاني أمير يحمل كيساً أخرج منه قميصين أحدها أحمر اللون والآخر أسود ناولني الأحمر وقال:

- هذا لك ارتديه عندما يحل علينا العيد أما هذا الأسود فسيكون يوم تعلم بشهادتي!

فعلمتْ انه اليوم الأخير للقائي به..

القصة الحائزة على المركز الثالث في مسابقة صفحات مشرقة التي أقامها مركز الحوراء زينب (عليها السلام).

صباح قاسم البدري

قد يعجبك ايضاً