على خطى الحوراء

مفترقُ الإنسانية

24-10-2018 536 زيارة

بعض الخيارات توقفك في منتصفِ التيه وتحكم عليكَ بالتضحية، وتلك التضحية إما أن تكون على حسابك وإما على حساب شخص آخر، وقد تجبر نفسك لتتحمل دوامة اللوم والعتاب في التقدم بطريقٍ دون آخر لكن ما دامت الإنسانية تنسج خيوطها في روحك فأنت ومن معك في أمان من ال(لو). 

 تقارعُ صبوةَ أنفاسِها وتستميح عذرا من روحها المثقلة بتفاصيل الماضي، تترك سرير اوجاعها وتودعه بنظرة لطفلتيها، اللتان تداعبان طيف براءتهما، لم يتبقَّ من الوقت إلا نصف ساعة_ اريد القرار الأخير_ كانت تتردد تلك الكلمات على أسماعها الخائفة وهي تسير الى تلك الغرفة  أي قرار ذاك الذي تسلكه، وأي ظلم تجنيه، وفي كلا الحالتين سيكون ظلما، تنظر لتلك الروح البريئة الاخرى التي خانتها ذاكرتها وغدرتْ بها تلافيف عقلها في لحظة موجعة قطّعتْ نياط ألآمها فلم تعد تشعر به، ولم يسعفها صبرها وباتتْ ضحية لتلك الجثة المقطعة بين كفيها لصغير اخوانها ومن ربته بين دفتي عطفها حينما اغتاله الارهاب يوما، تقتربُ منها بعطف مع دمعة أباح لها الهدوء بالظهور واخفاها الليل بظلامه تمسح على خدّ تلك النائمة ثم إتجهتْ نحو منفذ أحزانها، صورة رُسِمَتْ في زاوية بؤسها حزن فقدان الحضن الدافئ جلستْ على أريكة واخذتْ تلك اللوحة لتعانقها  موجهة بنظرها للساعة المعلقة على جدار عانقه ظلام الليل فلم تتضح لها بسبب غزو الدموع ثم حاولت ان ترى جيدا فأشارتْ الساعة لها ببقاء دقائق قليلة على ذلك الاتصال البغيض الذي يجب أن تختار فيه، وجّهتْ نظرها من جديد نحو تلك الصورة مستنطقة ذلك الحوار الذي مرّتْ عليه بضع سنين ( بنتي لا تبقي مرهونة بمرض أختك كوّني عائلة فانتِ ستحتاجينها حين ينشغل الجميع بحياتهم وابنائهم ولا يعطف عليك سوى زوجك واولادكِ، واعتني بإيمان اختك فقد تحصلين على رجل يخاف الله فيها ويتقبل وجودها ) مسحت قطرة حارة تسللت من بين رمشيها وهي تتذكر كلام زوجها( أما انا في المنزل او هي، لا اتحمل وجود مجنونة هنا، صحيح هو بيتكِ انتِ، لكن انا رجل المنزل.

- اخفض صوتك يا رجل... كيف أرمي أختي وهي بهذه الحالة ولا يوجد أحد من أهلي جديرا بعنايتها.  

- لا اعلم إرميها في أي مكان.. مستشفى.. دار، المهم لا تكون أمام ناظري عندما اعود.  

- كيف ذلك هي اختي جزء مني هل تستطيع رمي احد افراد عائلتك؟  

- مثلما رميت امي ارميها انتِ..  

- انا لست مثلك... من يرمي امه لا يصلح ان يكون ابا لاحد. 

رفعتْ عينها نحو فضاء سقفها عله يفيض عليها من حكمته الصامتة.  

 سارت بها ساعتها الى أيام زواجها حيث لم يقبل بها أحد، بسبب كبر سنها واختها، ثم تقدم لها مشترطا عليها أن يتزوجها، لكن هي من تتكفل بشراء وتجهيز كل شيء من راتبها، وان تتحمل مصاريف المنزل، كونه لديه عائلته الخاصة التي ينفق عليها، وكيف وافقت مجبرة بسبب كلام الناس حولها، كونها مطلقة سابقا من غير ابناء واختها معها لوحدهما من دون رجل بعد أن رفضهن كل من يمت لهن بصلة قرابة، فعاشت لوحدها مع اختها، وكانت الأم الكبيرة معهن حتى فارقت الحياة، لتنتقض الاخيرة عليهن وتفتك بهن بين كلام الناس وصعوبتها..، بعد زواجها منه كانت ثمرته  إبنتين صغيرتين، لا يعرفن معنى وجود أبٍ في حياتهما، لا يرينه سوى في مناسبات متباعدة، وإمهن تعمل صباحا ومساءً، لتوفر حياة كريمة لهن، لكنها تحتاج لوجود اب لبنتيها، حتى لا تصارعهن الحياة وتتغلب عليهن في أول مواجهة، لكنها بعد القرار الاخير لا تعلم هل يمكنها أن تحقق لهن ذلك ام تختار اختها، وهل سيفهمن يوما سبب تركها لوالدهن او يلومنّها على تفضيل اختها وقد يكون العكس، قد تخرج من عينهنَّ حينما تترك اختها للمجهول. 

دقت الساعة لتنبهها بأن الوقت قد حان لإعلان القرار الاخير... أغمضتْ عينها ثم قبّلت الصورة التي بين يدها ثم همست سامحيني يا أُماه. 

اتجهتْ نحو الهاتف لتتصل به وما إن اجابها الصوت قائلا : ما قرارك؟ 

حتى أجابتْه بهدوء: رزقني الله ابنتين وخوفي على أن تترك إحداهما الأخرى، وهذا ما سأتخذه الان كوني مؤمنة بدوران عجلة الدنيا، وعدالة الباري، سأضع القرار الاخير.. الا وهو إذهبْ الى حيث شئت فأنا لن أترك اختي، وسأوصي بناتي حين يكبرن بأن يفتحن بابهن لك حين يطردك الدهر أو يرميك أحدهم في الشارع.. لا لأجلك وإنما لأجل ما اراده الله منهن، ألا وهو صلة الرحم. 

ختمتْ تلك المكالمة، وإتجهتْ الى محرابها لتسجد سجدة شكر وامتنان لله على نعمة الإنسانية وصلة الرحم.

ضمياء حسن العوادي  

قد يعجبك ايضاً