مارية بنت منقذ العبدي .. براق إلى النور

الأدب الحسيني

2019-09-11

232 زيارة

لم تفرز ثورة أو حركة عبر التأريخ من الشخصيات التي تكاملت فيها العظمة بمنتهى غايتها كما أفرزتها ثورة الإمام الحسين (ع), فقد تبلورت الأهداف السامية التي نهض من أجلها (ع) في النفوس النقية الطاهرة لتخرجهم من ظلمات الجور الأموي إلى معاني الحرية والكرامة فأشرقت تلك الأرواح الكبيرة حول موكبه العظيم وهي على أتم الاستعداد لرسم معنى الشهادة بأعمق وأكمل صورها.

أحاطت تلك النفوس العظيمة به وهي تقطع الصحراء حاملة القيم الثورية لتجسدها بأبهى صورة في كربلاء ولتخطّ بدمائها فجراً أزلياً مطرزاً بالتضحية والفداء في الوقت الذي تألبت عليه نفوس أذلتها أموال السلطة فبيعت بأثمان بخسة, واختفت نفوس أخرى فضلت الهوان والذل على حياة الخلود والكرامة.

تلك القوى الثورية من الرجال الذين مثلوا الصفوة من المسلمين المؤمنين فتجلى بهم الإسلام بأروع صوره ليقدموا أرواحهم من أجل الحرية والعدالة في كربلاء, كانت تؤازرهم قوى من النساء لا تقل تضحياتها عن قوى الشهادة الرجالية, فأدت دورها العظيم والمهم في رفد الثورة الحسينية بكل ما تستطيع من جهد وتضحية.

وكان على رأس هذه القوى عقيلة الطالبيين وسيدة البيت الهاشمي وسليلة النبوة ووريثة الإمامة السيدة زينب الحوراء (ع) التي تكفلت بوصايا أخيها سيد الشهداء وزلزلت العرش الأموي بخطبها حتى أدهشت العقول بصلابتها وثباتها ورباطة جأشها.

وإضافة إلى هذا الدور العظيم الذي مثلته السيدة الحوراء وسيدات بيت النبوة فقد كانت هناك أدوار نسائية عظيمة معطاء ومواقف مشرقة أخرى في سجل التأريخ في رفد الثورة الحسينية من نساء مثلن في نصرتهنّ للإمام الحسين (ع) قمة الوفاء والتضحية فضحين بكل غالٍ ونفيس وقدمن أبنائهن وأزواجهن وأخوتهن في نصرة الحسين, فكنّ مثلا أعلى للصبر واليقين والإيمان والكمال, وبرزت اسماؤهنّ في التاريخ بأرقى دور وأنقى صفحة.

ومن الأسماء النسائية التي أشرقت في سماء الثورة الحسينية أسم: مارية بنت منقذ العبدي التي قدمت زوجها وأولادها شهداء بين يدي أمير المؤمنين (ع) في معركة الجمل, وقدمت كل ما تملك من أموال في تعبئة قومها ودعمهم للالتحاق بسيد الشهداء في كربلاء.

مارية القبطية من نساء الشيعة الفاضلات ومن كرائم نساء البصرة أسلم أبوها وكان نصرانياً فولدت مسلمة، استشهد زوجها وأولادها في معركة الجمل وهم يقاتلون الناكثين مع سيدهم أمير المؤمنين (ع) فزادها فقدهم إيماناً ويقيناً ورسوخاً بقضية أهل البيت (ع) ودعوتهم الحقة وصممت على المضي على نهج أهل البيت.

حينما أرسل الإمام الحسين (ع) رسائل إلى رؤساء الأخماس في البصرة وأعيانها وأشرافها يدعوهم فيها إلى النهضة معه في ثورته الإصلاحية المباركة لم يجبه منهم إلا القليل وتخلف عن دعوته جل قومها, ولما سمعت بذلك دعت أشراف قومها وجلست تبكي ولما سألوها عن سبب بكائها وهل أغضبها أحدهم ؟ قالت لهم:

ويلكم ما أغضبني أحد، ولكن أنا امرأة ما أصنع؟ سمعت أن الحسين ابن بنت نبيكم استنصركم وأنتم لا تنصرونه ..!

لقد دلت هذه المرأة العظيمة قومها على الرشد وهي حبيسة بيتها ولم تعصِ الله ورسوله بالخروج بنفسها للقتال مع الرجال والتزمت بقوله تعالى: (وقرن في بيوتكن) !!  

وإذا كانت زرقاء اليمامة كانت تريد إنقاذ قومها من الموت فإن هذه المرأة كانت تريد لهم الخلود في الدنيا والآخرة ولكن لا حياة لمن تنادي !!

لما سمع قومها كلامها ظلوا يحدقون ببعضهم وكل منهم ينتظر من صاحبه الجواب المتخاذل ليكون له ذريعة بالانصراف والهروب من هذا التقريع !! ألا شاهت الوجوه..

ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل .....

إي والله لقد رضيتم بحياة الذل بتخاذلكم عن نصرة الحسين واخترتم الموت في زوايا العبودية والخنوع..

لم يجدوا جواباً ووجمت نفوسهم الخانعة, فتذرّع بعضهم بعدم امتلاكه السلاح والراحلة ونفقة السفر إلى الحسين، ولكن السيدة مارية كانت تتوقع هذا التبرير الواهي, كما كانت مستعدة لإزالته في نفس الوقت فقد كانت امرأة غنية فجمعت كل ما تملك من أموال وهيّأته لهذه اللحظة...

فما إن اعتذر قومها بهذا العذر حتى جاءت بكيس مليء بالدنانير الذهبية والدراهم الفضية وأفرغته أمامهم وقالت:

فليأخذ كل منكم ما يحتاجه وينطلق إلى نصرة سيدي ومولاي الحسين !!.

هذا هو الحب.. وهذا هو التفاني في التضحية من أجل الدين وأهله.. إن هذه المرأة قد فقدت زوجها وأولادها وليس لديها من يعيلها أو ما تقتات منه سوى أموالها وها هي تقدمها كلها في خدمة سيد الشهداء.. فأي روح عظيمة هذه ؟ وأي قلب مطمئن بالإيمان تحمله ؟

فلا تقل تضحية وفداء هذه السيدة العظيمة عمّن قدموا دمائهم بين يدي الحسين من الشهداء الأبرار, ولو أن الله قد كتب عليها القتال لما تأخرت عن الالتحاق بهم والموت دون الحسين.

لكنها قدمت للحسين كما قدموا, فاستطاعت أن تجنّد وتعبّئ بعض رجال قومها فكانوا من شهداء الطف فكان موقفها العظيم هذا مصداقاً لحديث النبي (ص):

لئن يهدي الله بك رجلاً أحب إليك مما طلعت عليه الشمس.

فهذا شاهد من عمق التأريخ يعطي ثمرة موقف السيدة مارية في نصرة الإمام الحسين (ع) في رفد ثورته المباركة ويسجل هذا الموقف:

واجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية بنت منقذ وكانت تتشيّع، وكان منزلها لهم مألفاً يتحدّثون فيه، فعزم يزيد بن نبيط على الخروج إلى الحسين (ع)، وهو من عبد القيس، وكان له بنون عشرة، فقال لهم: أيكم يخرج معي ؟ فخرج معه ابنان له: عبد الله وعبيد الله، فساروا فقدموا عليه بمكّة ثمّ ساروا معه فقتلوا معه. (1)

وقد ذكرت هذه التواريخ وغيرها قصة خروج يزيد بن ثبيط بما نصه:

إنها ــ أي مارية ــ لما قالت كلمتها قال يزيد بن ثبيط وهو من عبد القيس لأولاده وهم عشرة: أيكم يخرج معي ؟ فانتدب منهم اثنان عبد الله وعبيد الله.

وقال له أصحابه في بيت تلك المرأة: نخاف عليك أصحاب ابن زياد.

فقال: والله لو استوت إخفاقها بالجدد لهان علي طلب من طلبني.

عندما بلغ يزيد بن ثبيط استنصار الإمام الحسين (ع) من أهل العراق ومكاتبته إياهم اجتمع مع عدة من الشيعة في بيت امرأة شيعية باسم مارية ابنة منقذ العبدية، وكان دارها مألفاً للشيعة يتحدثون فيه، وقد أمر ابن زياد واليه في البصرة أن يضع العيون عليهم، فدعا يزيد بن ثبيط أصحابه ودعاهم إلى الخروج معه، وقال: أيكم يخرج معي متقدماً فانتدب له اثنان عبد الله وعبيد الله فقال لأصحابه في بيت تلك المرأة: إني قد أزمعت على الخروج، وأنا خارج، فمن يخرج معي فقالوا له: إنا نخاف من أصحاب ابن زياد ، فقال: إني والله أن لو قد استوت أخفافها بالجدد لهان علي طلب من طلبني.

وصحبه خادمه عامر وسيف بن مالك والأدهم بن أمية فوافوا الحسين بمكة وضمّوا رحالهم إلى رحله حتى وردوا كربلاء وقتلوا معه.

ولم يقتصر تأثير موقف السيدة مارية على يزيد بن نبيط وولديه ومواليه الثلاثة بخروجهم مع الحسين بل هناك شخصيات أخرى أزال موقف مارية وكلماتها الغشاوة عن أعينها فرأت فيها الهداية والسعادة الأبدية التي لا زوال لها فالتحقت بالحسين وكان لها شرف الشهادة بين يديه.

ومن الأشخاص الذين نالوا شرف الشهادة مع الحسين بفضل موقف السيدة مارية الشهيد عبد الله الفقعسي وأربعة من أولاده وقد ذكرت قصة انضمامهم إلى معسكر الحسين (ع) في ضمن حديث ممن استشهد معه من أهل البصرة بما نصه:

وأما الذين سعدوا ورزقوا الشهادة ــ من أهل البصرة ــ كما ذكرهم أهل المقاتل: عبدالله الفقعسي, وكان شيخاً كبيراً طاعناً في السن, وولده أربعة: والسادس هو سعيد بن مرة التميمي.

أما سبب خروج هذا الشيخ وولده على ما يروى أنه كان امرأة من أهل البصرة تسمى مارية بنت منقذ العبدي, وكانت تتشيّع, وهي من ذوي البيوت والشرف, وقد قتل زوجها وأولادها يوم الجمل مع أمير المؤمنين (ع), وقد بلغها إن الحسين (ع) كاتب أشراف أهل البصرة ودعاهم إلى نصرته, وكان عندها نادٍ يجتمع فيه الناس فجاءت وجلست بباب مجلسها وجعلت تبكي, حتى علا صراخها.

فقام الناس في وجهها وقالوا لها: ما عندك ومن أغضبك ؟ قالت: ويلكم, ما أغضبني أحد, ولكن أنا امرأة ما أصنع, ويلكم سمعت إن الحسين بن بنت نبيّكم استنصركم وأنتم لا تنصروه, فأخذوا يعتذرون منها لعدم السلاح والراحلة, فقالت: أهذا الذي يمنعكم ؟ قالوا: بلى.

فالتفتت إلى جاريتها وقالت لها: انطلقي إلى الحجرة وآتيني بالكيس الفلاني، فانطلقت الجارية وأقبلت بالكيس إلى مولاتها, فأخذت مولاتها الكيس وصبته وإذا هو دنانير ودراهم, وقالت: فليأخذ كل رجل منكم ما يحتاجه وينطلق إلى نصرة سيدي ومولاي الحسين.

فقام عبدالله الفقعسي وهو يبكي ـ وكان عنده أحد عشر ولداً ـ فقاموا في وجهه وقالوا: إلى أين تريد ؟

فقال: إلى نصرة ابن بنت رسول الله.

ثم التفت إلى من حضر وقال: ويلكم هذه امرأة أخذتها الحمية وأنتم جلوس ؟ ما عذركم عند جده رسول الله (ص) يوم القيامة.

ثم خرج من عندها وتبعه من ولده أربعة فأقبلوا يجدون السير, حتى استخبروا بأن الحسين (ع) ورد كربلاء, فجاء الشيخ بأولاده إلى كربلاء ورزقوا الشهادة.

كما تذكر التواريخ أن هناك شهيداً آخر خرج مع الحسين لما رأى خروج الشيخ عبد الله الفقعسي وأولاده لنصرة الحسين, وهذا الشهيد هو: سعيد بن عبد الله الحنفي الذي كان جديد العهد بالزواج فترك زوجته ليلتحق بالحسين، وهو الذي وقف بين يدي الحسين يوم العاشر عندما صلى (ع) بمن بقي من أصحابه فكان يتلقى السهام بصدره فلما سقط قال للحسين:

هل وفيت يا أبا عبد الله ؟ فقال له الحسين: نعم أنت أمامي في الجنة

أدت مارية دورها العظيم في حث قومها على نصرة إمامهم ووفقها الله بأن اهتدى بموقفها أولئك الشهداء الذين خرجوا لينضموا إلى معسكر الحق بفضل حثها إياهم وتعبئتها لهم بما يحتاجونه من نفقة السفر وبقيت تنتظر ما ستؤول إليه الأمور وتترقب أخبار إمامها الحسين حتى وصلها خبر مقتله فلم يفارقها الحزن والبكاء حتى فاضت روحها الطاهرة إلى بارئها راضية مرضية.

محمد طاهر الصفار

.......................................................

1 ــ تاريخ الطبري ج 4 ص 263 / الكامل في التاريخ ج 4 ص 21

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً