السيدة زينب بنت أمير المؤمنين (ع).. سيدة الصبر

الأدب الحسيني

2019-01-12

283 زيارة

ثالث ريحانة للمصطفى تفوح في بيت علي.

وأول حفيدة للنبي أنجبتها الزهراء.

غمرت بيت الوحي الفرحة بمولدها.

ورافقت حياتها الدمعة حتى فاضت روحها الطاهرة إلى بارئها.

أشرق نورها في السنة الخامسة من هجرة جدها (ص), وغابت شمسها في السنة الثانية والستين, وما بينهما...

كانت زينب... دمعة لم ترقأ .. وأنّة لم تهدأ .. وحسرة لم تخفت .. ولوعة لم تسكن .. وحرقة لم تبرد...

كما كانت.. جذوة لا تطفأ .. وشعلة لا تخمد .. وصرخة لا تُسكت .. وقمّة لا تُطال...

نشأت في أحضان النبوة, وترعرعت في حجر الإمامة, ونهلت من معين الوحي, وتغذّت من علوم وآداب أصحاب الكساء, ولبست كساء الحزن عليهم طوال عمرها الشريف.

وعت منذ طفولتها على فاجعة وفاة جدها (ص), ثم شهدت مأساة أمها, ثم شهادة أبيها, ثم رأت أخاها الحسن (ع) وهو يودّع الدنيا مسموماً شهيداً, وأخيراً ختمت حياتها وهي تشاهد مقتل أخيها سيد الشهداء, ومقتل أخوتها وبني عمومتها وأبنائهم في كربلاء.

شهدت يوم عاشوراء, وعاشته بكل تفاصيله الدامية, فلم تزعزعها كل هذه النكبات, ووقفت كالطود الأشم وهي تجمع بنات الوحي وربائب الرسالة وهنّ يبكينَ وينحنَ ويندبنَ ويلذنَ بها مما دهاهنّ، وتجمّع حولها النساء والأطفال وهم يبكون ويتصارخون وقد أصبحوا الآن ثكالى وأرامل ويتامى.

أما هي ..

فقد كان وجهها يفيض بالطمأنينة واليقين رغم الحزن الشديد, وكأنها لم ترَ كل هذه المآسي والفواجع !!

نهضت وراحت تخطو وسط الجيش إلى حيث جسد الحسين ..! حتى الذي لم يعرفها رأى في مشيتها صفات علي فأخذته الرهبة وتراجع ..!!

أكملت زينب مشيها حتى وقفت على جسد أخيها فجلست ورفعت رأس الحسين بيدها ووضعته في حجرها واستقبلت السماء وقالت:

ــ اللهم تقبل منا هذا القربان ...

ثم رجعت إلى مكانها استعداداً لرحلة السبي إلى الكوفة...

لا يمكن وصف ذلك المشهد المأساوي، فالكلمات تعجز عن إدراك تلك المشاعر الملتهبة, والأنفاس المحترقة باللوعة والأسى.

كان فجراً أسوداً طلع عليها وعلى حرائر الوحي وهنّ على الإبل يطاف بهنّ على قتلاهن ...,

دماء .., وأشلاء مقطعة .. وأيادٍ وأرجل مطروحة على الأرض... ورؤوس مرفوعة على الرماح ... وهن ينظرن إليها ويبكين .. !!

ها هي القافلة التي جاءت معها هي وبنات الحسين وأخواته ونسائه من المدينة إلى كربلاء معززات مكرمات تعود بهن إلى الكوفة وهن أسيرات مسبيات مع النساء والأطفال فقط، وها هم رجال القافلة على الأرض صرعى وها هي رؤوسهم أمامهن فوق الرماح !!

وسارت القافلة وسط صياح القتلة وأسواطهم وهم يصعّدون الأطفال والنساء على الإبل بالعنف والقسوة، ولكن نظرها وأنظار النساء لم تفارق جسد الحسين حتى غاب عنهن فاختنقن بعبرتهن والدموع ملء عيونهن.

وبعد رحلة مضنية وصلت قافلة الحزن إلى الكوفة المدينة التي كانت عاصمة أبيها أمير المؤمنين وها هي تتنكر لهم وتصفهم بالخوارج !!

لقد سلبت السياسة الأموية الناس دينهم كما سلبتهم حريتهم وكرامتهم فتنكروا لآل النبي !!

النبي الذي أخرجهم من الظلمات إلى النور وحررهم من الذل والعبودية إلى حرية الطاعة لله فرجعوا الآن إلى استعباد بعضهم لبعض ليكونوا تحت نير العبودية الأموية !!

خطبت السيدة زينب خطبتها الخالدة التي شابهت كلام أبيها سيد البلغاء والمتكلمين، فقرعت بخطبتها رؤوس أهل الكوفة بالتقريع واللوم على قتلهم سيد شباب أهل الجنة وخذلانه ورجوعهم إلى الجاهلية الأولى بنسختها الأموية, فانطلق صوت زينب ليدحض أكاذيب الأمويين وإعلامهم الضال المضل ويؤكد للرأي العام على أن هذه الثورة هي تجسيد للإسلام المحمدي وامتداد لمنهج النبي (ص) في كل المراحل التي مرت بها (ع) في رحلة الأسر.

وأول صوت لها (ع) كان في الكوفة من خلال خطبتها العظيمة التي بيّنت فيها بشاعة الجريمة النكراء التي ارتكبها الأمويون بقتلهم سبط رسول الله وغدر أهل الكوفة به وفيها من التقريع لهم ما أجج في النفوس مشاعر السخط والغضب على يزيد وكان مما قالته في ذلك اليوم:

ــ يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر !!

أتبكون ؟ فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنة.

إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم.

ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف ؟ والصدر الشنف ؟ وملق الإماء ؟ وغمز الأعداء ؟

أو كمرعى على دمنة ؟ أو كفضة على ملحودة ؟

ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.

أتبكون ؟ وتنتحبون ؟

إي والله، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً.

فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً.

وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة ؟ ومعدن الرسالة، وسيّد شباب أهل الجنّة، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجّتكم، ومدرة سنّتكم ؟؟

كان لهذه الكلمات دوي, وضجيج, واستفاقة, ووجوم, وغضب, وسخط على السلطة, وتأنيب للضمير, وتقريع للنفس, وجلد للذات: فارتفعت أصوات الناس من كل ناحية ويقول بعضهم لبعض هلكتم وما تعلمون !!

ورغم الحالة المأساوية التي كانت عليها فقد استأنفت خطبتها.

كما وقفت بتلك الشجاعة والصلابة أمام الطاغية ابن زياد وهي أسيرة فنظرت إليه وهو ينكث بالقضيب ثنايا أخيها تشفياً وانتقاماً فلم تمنعها شدة الحزن من التصدّي له والوقوف بوجهه, فعندما يسألها ابن زياد:

ــ كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك ؟؟

تجيبه بكل شجاعة:

ــ ما رأيت إلا جميلاً .. هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم, وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ..

ثكلتك أمك يا بن مرجانة !

كما وجهت رسالة شديدة اللهجة واستنكار للجريمة الفظيعة التي ارتكبها أهل الكوفة:

ــ ألا ساء ما تزرون، وبعداً لكم وسحقاً، فلقد خاب السعي، وتبت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلّة والمسكنة.

وَيلكم يا أهل الكوفة !

أتدرون أيّ كبدٍ لرسول الله فريتم ؟!

وأيّ كريمة له أبرزتم ؟!

وأيّ دم له سفكتم ؟!

وأيّ حرمة له هتكتم ؟!

لقد جئتم بها صلعاء عنقاء سوداء فقماء، خرقاء شوهاء، كطلاع الأرض وملء السماء.

أفعجبتم أن مطرت السماء دماً، ولعذاب الآخرة أخزى، وأنتم لا تُنصرون.  ؟!

ولم يمنعها أسرها وطول الرحلة الشاقة من أن تقف في مجلس يزيد وتصدع بالحق وتفضح الظالمين بتلك الخطبة المدوية التي زلزلت عروش الأمويين وبقيت اصداؤها تجوب في البلاد وأحدثت انقلاباً فكرياً في أذهان الناس ضد يزيد, وألبت الرأي العام ضده وقد استنكر جريمته البشعة حتى رواد مجلسه وأتباعه.

فعندما رأت يزيد وهو يضرب بعصاه ثنايا الحسين قالت:

ــ أظننت يا يزيد حيث أخذتَ علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تُساق الأُسارى، أن بنا على الله هواناً وبك عليه كرامة ؟! وأن ذلك لعظم خطرك عنده !

فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور متَسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا. فمهلاً مهلا ! أنسيت قول الله تعالى: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لَهم خير لأنفسهم، إنما نملي لَهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين ؟!

كان صوت الحق والحقيقة الصوت الذي انبثق من صوت السماء ودعوة النبوة, إنه صوت بنت علي والزهراء ومحمد, وها هي شمس الحقيقة تسطع وسط الظلام, ها هو لسان الثورة الحسينية الهادر, وربيبة النبوة, وسليلة الإمامة, وعقيلة بني هاشم, تخطب في مجلس عدو الإسلام وعدو نبيه, فأحالت سرور يزيد بقتل الحسين إلى حالة من الهلع والخوف, وأطارت فعل الخمر من رأسه, وأحدثت انقلاباً في الرأي العام ضده حتى اضطر يزيد إلى التنصّل من جريمته وإلقاء تبعتها كلها على المجرم ابن زياد ولكن ذلك لم ينفعه ..

هكذا جرّدت عقيلة الطالبيين السلطة الأموية الجائرة من الصبغة الشرعية التي أوهموا الناس بها وخدعوا بها الرأي العام, وفضحت جريمتهم النكراء بحق آل الرسول في كربلاء, وأوضحت وبيّنت أعمالهم الوحشية بقتل الحسين وأهل بيته وأصحابه وهم ظِماء, وأسرهم وسبيهم بنات الرسول والطواف بهن من بلد إلى بلد.

كما لقنت الطاغية يزيد درسا في الشموخ والتحدي:

ــ ولئن جرّت عليَّ الدواهي مخاطبتك, فإني لأستصغر قدرك, وأستعظم تقريعك, وأستكبر توبيخك .. !

لقد كانت صفعة قوية توجهها بنت علي لهذا الطاغية الأحمق الذي ظنّ بأنه يخاطب امرأة عادية ثكلى مسبية أذلها الأسر, وأذهلها الثكل، وفجأة أحسّ كأن صاعقة نزلت على رأسه من وقع هذه الكلمات, بل إن الصاعقة كانت أهون عليه منها, وأدرك أنه قد نسج نعش دولته بيده بقتله الحسين.

كانت زينب لسان الثورة الحسينية وصرخة وآهة في مسمع الدهر لن يخفت صداها فكان لخطبها وكلماتها أثرهما العميق ودلالتهما الواضحة بأن كربلاء باقية مع تعاقب الأزمان، وأن النهضة الحسينية المباركة ستبقى خالدة في الأجيال، فقد عكس دورها مبادئ الثورة الحسينية وفضح جرائم الأمويين فكانت خطبها هي وسيلة إعلام الثورة الحسينية الضخمة التي قادتها وأدارتها ومثلتها بأعظم دور في نشر الهدف الرسالي المقدّس الذي سعى إلى تحقيقه الأمام الحسين (ع) في كربلاء.

تقول الدكتورة بنت الشاطئ: كانت زينب عقيلة بني هاشم في تاريخ الإسلام وتاريخ الإنسانية بطلة، استطاعت أن تثأر لأخيها الشهيد، وأن تسلط معاول الهدم على دولة بني أمية، وأن تغير مجرى التاريخ. (1).

نعم لقد استطاعت هذه السيدة العظيمة التي كانت (تفرغ عن لسان أبيها سيد البلغاء) أن تزلزل عروش الأمويين بخطبها ورثائها لسيد الشهداء.

لقد أدت زينب (ع) دورها العظيم على أتم وجه, وأثبتت للأمويين إنهم استطاعوا قتل الحسين ولكنهم لا يستطيعون قتل صوته الذي لم ولن يموت..

لقد قطعوا رأسه لكن هذا الرأس المقطوع روّى شريعة الإسلام التي ستبقى مشعة ومضيئة بتضحياته ودمه..,

لقد سلبوه ثوبه ورداءه لكنه كسا الدنيا ثوب الحرية والكرامة ..

لقد داسوا على صدره بحوافر الخيول لكنه زرع في الصدور معنى الإباء ورفض الظلم والتجبّر والاستبداد, وسيبقى صرخة مدوّية إلى الأبد بوجه الظلم والجبروت.

بعد رحلة شاقة مليئة بالمشاق والدموع وصلت زينب مع قافلة السبايا إلى المدينة.

لقد غمرت الدنيا حياتها بالأحزان والمآسي والمصائب, فغمرتها بالصبر والعطاء والبذل والخير.

وجابهتها الدنيا بظلمها وظلامها, فشعّت عليها بإيمانها ويقينها ونورها النبوي.

وواجهتها بزعازعها, فوجدتها جبلاً شامخاً راسخاً لا تزعزعه الأعاصير ولا تثنه الأهوال.

لقد رافقتها المآسي والمصائب وهي تشارك سيد الشهداء نهضته، وشاركته في ثورته العظيمة خطوة بخطوة حتى استشهاده في كربلاء فأوقدت مشعل المبادئ التي سعى الإمام الحسين إلى تحقيقها، وأدت دورها العظيم في ترسيخ تلك المبادئ وفضحت السياسة الأموية الظالمة وسلطت صواعق التقريع على رؤوس عبدة الدينار والدرهم.

 

محمد طاهر الصفار

 ..................................................................................

1 ـــ موسوعة آل النبي في كربلاء ص 765

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً