الشاعر علي محمد الحائري .. الشاعر الخالد

كربلاء الحسين

2019-04-23

1563 زيارة

 

كـذبَ الـمـوتُ فـالـحـسـيـنُ مُـخَـلّـدْ   ***   كُـلّـمـا أخْـلِـقَ الـزمـانُ تـجـدَّدْ

هذا البيت الخالد الذي أصبح شعار الذكرى ونكهة عاشوراء وصبغة الحزن المستديم المكلل بالخلود والذي خلد صاحبه في سماء الولاء الحسيني, تصدر قصيدة من أروع ما قيل بحق الإمام سيد الشهداء (ع) للشاعر الكربلائي مولداً وروحاً وقلباً وانتماءً الشاعر الكبير علي محمد الحائري رحمه الله

فقد استوحى الحائري من صوت الطف مادة شعره وإلهامه وعاطفته فجسّدها في قصائده الحسينية التي يتجلّى فيها النفس الكربلائي ومؤثرات البيئة وتبلورت في ضميره ووجدانه الأجواء الروحية للمدينة والأسرة التي نشأ بها, فقد ولد في عائلة حسينية لا يفارق ذكر الحسين ويوم عاشوراء ألسنتها حيث توارثت الخطابة في الصحن الحسيني الشريف فعاش الأجواء العاشورائية على مستوى الفكر والواقع وعاشها فكراً وخيالاً ووجداناً .. ودمعاً يقول في قصيدة يجسّد فيها هذا اليوم الذي لا ينسى مهما تعاقبت عليه الدهور والأيام:

ليومِكَ فاجعاً تُـدمى العيـــــــونُ   ***   فلا والله أنستـــــــــــه السنـــونُ

لقد فدحَ المصــابُ بــــــكربلاء   ***   فكلّ مصائبِ الدنيــــــــــا تهـونُ

وقفتَ بحيثُ تحــــــتشدُ الرزايا   ***   لها في مسمعِ الدنيا رنيــــــــــنُ

وحيثُ يخورُ من لم يؤتَ عزماً   ***   وحيث يُذالُ من يخشى المنــونُ

فكانَ لصفـــــــحةِ التاريخِ نوراً   ***   يبيدُ الدهرَ وهو بهِ ضنـــــــــينُ

أبا الثوارِ يا ألقــــــــــــــاً منيراً   ***   ويا أفقا تـــــــــــــــعدّاهُ الدّجـونُ

ويا بطلاً إذا الأبـطالُ جـــــدّت   ***   أياديها وإذ عشيتْ عـــــــــــيونُ

نفرتَ إلى مضــارعةِ المنــــايا   ***   ومثلكَ لا تطاوله الظنــــــــــونُ

ومثلكَ لا يـــــــرى الدنيا غلاباً   ***   على سقطٍ مغالبهِ المهيـــــــــــنُ

لأنكَ من معينٍ ليــــــسَ أصـفى   ***   ومن نفـــــــــــرٍ تـفقّدها القرونُ

شهيدُ الحقِّ ما برحــــتْ دهـورٌ   ***   كما خلّفتها بالأمـــــــــــسِ جونُ

رواءٌ بالمظالمِ وهيَ عــــطشـى   ***   حسانٌ بالمظـــــــاهرِ وهيَ دونُ

وما برحتْ يدُ تسدي انـعتـــــاقاً   ***   تغللها يدٌ طبعتْ قــــــــــــــيـونُ

ومـا ناديتَ إذ نـــــاديـتَ هجراً   ***   وأنتَ بكلِّ ملحمةٍ قمــــــــــــــينُ

أطلابُ المطامعِ وهـــــيَ زيفٌ   ***   لماذا بيننا الحربُ الزبــــــــــونُ

أنا ابنُ نبيِّكمْ ما جئتُ بـــــــدعاً   ***   وغيرَ تراثِ حقّي لا أصــــــونُ

فإنْ كنتمْ بأخراكمْ عبـيــــــــــداً   ***   ففي دنياكُم الأحـــــــــرارَ كونوا

وكانَ جوابُهم نبــــــــــلاً دِراكاً   ***   لصدرِكَ حيث قبّلـه الأمـــــــــينُ

وحيثُ يخرّ معـتـركُ الــــرزايا   ***   وحيثُ لغى الرسـالةِ لا تميــــــنُ

وضاحاً في إبانةِ كـــلِّ خــــافٍ   ***   غضـــــــاباً حين يجترئُ الهجينُ

وما ردَّ المظـــــــــالمَ غيرُ داعٍ   ***   بقولِ الزيـــــــــــنِ منطقُه المبينُ

أبا الثوارِ نهجُكَ لــيـــــسَ يُبلى   ***   ولن تخشى تقحّــــــــــمه القرونُ

ولولا المجــــــــد لم يؤثرْ فداءً   ***   ولولا المجــــــدَ مـا التهبتْ متونُ

ولو الخائضــــونَ غمارَ موتٍ   ***   لما وصلتْ ليابسةٍ سفـيـــــــــــــنُ

طريقُ الثائريـن لظىً فمرحى   ***   لفادٍ ليس تقـــــــــــــــــهرُهُ المنونُ

المولد والنشأة

ولد الشاعر علي بن الشيخ محمد بن الشيخ محمد علي بن زين العابدين الحائري في كربلاء عام 1933 وكان أبوه خطيبا فغرس في نفسه حب الأدب والشعر لارتباطهما بالمنبر الحسيني فرافق الحلقات التعليمية عند (الكتّاب) ودرس على يد الشيخ محمد علي النائيني والشيخ حسن كوسة كما لازم التعليم الرسمي حتى تخرج من كلية الآداب الجامعة المستنصرية قسم اللغة العربية.

بدأ مضماره مع الشعر والأدب عام (1952) فنشر أول قصائده في جريدة القدوة الكربلائية ثم نشر في الصحف والمجلات العراقية والعربية مثل العرفان والورود والتآخي وشعلة الأهالي والأديب اللبنانية ومجلة الكتاب التي تصدر عن الإتحاد العام للشعراء والكتاب العراقيين بعد أن انضم إليه, ولم يقتصر عطاء الحائري على الشعر بل نشر العديد من المقالات الثقافية في هذه الصحف والمجلات

العطاء المخفي

للحائري أربعة دواوين هي:

1 ــ أغاني ليالي شهرزاد

2 ــ قناديل في أروقة الليل

3 ــ الركب الضائع

4 ــ ديوان خاص بمدائح ومراثي أهل البيت (ع) أعطاه للشيخ محمد علي داعي الحق لتحقيقه ولكنه توفي قبل أن يطبع كما لم يصدر ــ للأسف الشديد ــ من دواوينه الثلاثة سوى ديوان أغاني ليالي شهرزاد وبقيت الدواوين الأخرى مخطوطة وله ترجمة لرباعيات الخيام كاملة عن الفارسية وهي مخطوطة أيضا.

شعره  

تتضح الثقافة الواسعة والخزين المعرفي والتأريخي واللغوي للشاعر الحائري من خلال شعره ففي قصيدته في حق أمير المؤمنين يضمن معان فلسفية إضافة إلى طرقه المناحي التاريخية وهذه القصيدة لو أنصفها النقاد لتعرضوا لها بالشرح والدراسة المستفيضة, يقول في دخوله إلى محراب أمير المؤمنين (ع):

في لُهى الشعرِ مـن جلالِكَ عيُّ   ***   ليسَ يَرقى إلى ســـــــــماكَ حَفِيُّ

لزَّ جُنحي كي أعلّـي مـــــطاراً   ***   إن أفقاً أرومًه لقــــــــــــــــــصيُّ

كاهلي مثقلٌ وخطــوي بطــــاءٌ   ***   وطماحي مغلغلٌ هبــــــــــــرزيُّ

بَعُدَ الغايُ والمـــــــؤوَّبُ نضوٌ   ***   غيرَ أنَّ المســـــــــــرى إليهِ عَليُّ

أيها المصقعُ الذي لا يجـــارَى   ***   مقولُ الحقِّ منه ضــــــــــاحٍ سَنِيُّ

والحكيمُ الذي تفــــرَّدَ في النطــــــــــــــس وداءُ النفــــــــــــوسِ داءٌ دويُّ

سألتْ نفسَها (أثيـــــــــنا) أيعلو   ***   فـــــــــــــــوقَ واهي تيّارِها لجِّيُ

وتأتى سقراط يـــــروي لصولــــــــــــــونَ حديثاً أثيـــــــــــــرَ منه النديُّ

قال همساَ في أذنهِ: كيفَ يشأى   ***   نسجَ أنــــــــــــــوالِنا فتىً بَدَويُّ ؟

كيف يبني على تخـــومٍ ترامتْ   ***   في العماياتِ مــــــــدرَهٌ عبقريُّ ؟

كيفَ يمشي على المحـــجَّةِ ضـــــــــــــــحيانَ وافقَ الضــلالَ وادٍ دجيُّ ؟

أرمالُ الصـــــحراءِ أوقدنَ منه   ***   قبساً والرمــــــــــالُ جمرٌ وريُّ ؟

أم رغاءُ النيــــــاقِ أرهفنَ منه   ***   مسمعاً والقفـــــــــــــــارُ ربعٌ خليُّ

طالَ باعاً وجـــــــــالَ في عتمـــــــــــــاتِ الفكرِ يجلى السبيلَ منها السويُّ

وتقضَّى الطباعَ في مهجِ الطيــــــــــــــــرِ فاضتْ وما بـــــــــــــــهنَّ خفيُّ

ديدبانٌ على السمــــاءِ وما تحـــــــــــــــوي فرَتْقُ النجـــــــــــــومِ منه مَليُّ

وبدايـــــــــــاتُـها وكيفَ أربَّت   ***   عن ســـــــــــــديمٍ إعلامُـها اللهويُّ

ثم مارتْ كـــــاليمِّ ثم استقرَّتْ   ***   في مداراتِها وصـــــــــــــــكَّ الغليُّ

صنعةُ اللهِ فوقَ معتسفِ التأويــــــــــــــلِ فاللهُ روحُــــــــــــــــــــها الأبديُّ

كانَ لا عن بـــــداية وهو باقٍ   ***   لا انتهــــــــــاءٍ والكونُ سفرٌ طويُّ

فهو يعبر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بالحكيم الأوحد الذي فاقت حكمته وفلسفته ما أنتجته أثينا منهما ولو عاصره سقراط لذهل من علمه وحكمته ثم يتطرق إلى باقي الجوانب في حياة الإمام (ع) من علم وزهد وشجاعة وسخاء فيقول:

أيُّها الخــــــــــالدُ الذي في ضميـــــــــــــــــرِ الدهرِ منــه محــــدثٌ ونجيُّ

يا مليءَ الجفــــــانِ بالعلمِ والأخــــــــــــــــلاقِ والحــــادبُ الجوادُ السخيُّ

يا عزوفاً أعزُّ الــــــــرقــابِ تتبـــــــــــــــارى في سخامٍ فيها نفوسٌ غويُّ

يا خليَّ الوفــــــاضِ والمــالُ جمٌّ   ***   بين كفيكَ والريــــــــــاشُ الحليُّ

في لهاثِ الهجيرِ تلتحــــفُ الرمـــــــــــــــضاءَ والجمرُ في لظــــاها فريُّ

صونُ نفــــــسٍ أبتْ مطاوعةَ الـــــــــــــــداءِ والصونُ في النفــوسِ حَرِيُّ

أيها الصــــادقُ العزوفُ عن اللـــــــــــــــذاتِ والكبرياءُ شــــــــــبعٌ ورَيُّ

ما تنــــاهتْ إليكَ من فرصِ الدنـــــــــــــــيا كثارٌ يغــــــــــرَى بـهنَّ الدنِيُّ

قيلَ باعُ الإمــــامِ أقصرَ في التســـــــــــــــييسِ والزعـمُ باطـــــــلٌ وخزِيُّ

ما جَبهت الخصومَ بالكـذبِ المحــــــــــــــضِ وحبلُ النفــــــاقِ حـبلٌ وهِيُّ

أنتَ كالشمسِ أضحيـــــــانا وكالـــــــــــــــنبعِ صفــــــــاءً وشانـؤوكَ ركيُّ

قلتَ للسيــــــفِ صُنْ ذمارَ المحقّــــــــــــــينَ وفصلُ الخطابِ ســيفٌ حَمِيُّ

يا أخا المصطفى الأميـــــنِ والامـــــــــــــامَ يصحفُ ميثـــــــــــاقُه الأبديُّ

يا فـــــــــــــــــدياً بنفسهِ نفسَ طه   ***   ليسَ بعد الفدا عطــــــــــاءٌ سَنِيُّ

ومديماً فصلَ الشــــــــــــهادةِ للطــــــــــــــفِّ وكوفـــــــــــانٌ إرثها دمويُّ

(وعلى الأرضِ من دماءِ الشهيديـــــــــــــــن عليُّ ونجـــــــــــــلُه) وسميُّ

ثمنُ المــــــــــــــــجدِ أن يغمدَ بالــــــــــــــدمِ ويتلو الكــــــــــميَّ فيه كميُّ

أيها الوالجُ المجــــــــــــاهيلَ فيها   ***   تتقرَّى والطرفُ منـــــــكَ عشيُّ

رحْ لصرحِ الإيــــمانِ واقبس أذيــــــــــــــالاً كلُّ وهجٍ خلا الـيقيــــنَ طفِيُّ

عالمٌ عَجَّ بالنوامــــــــــــيسِ شتى   ***   فخفيٌّ إطـــــــــــــــراؤها وجَليُّ

ولها من طبائعِ الغابِ فــــــــرسٌ   ***   واكتلابٌ وسعرةٌ ونـــــــــــــزِيُّ

ودنا دونها المجـــرات في التظنيــــــــــــــن منها الكــــــــــــــلي والجزئي

إنما النهجُ للظــــــــــــــماءِ رواءٌ   ***   فترشّفْ وأنتَ أنــــــــتَ الصَّدِيُّ

واقطعِ الشكَّ باليقيــــــنِ فما أوتيــــــــــــــتَ من منطقٍ للهــــــــوى لزَرِيُّ

وللحائري قصائد كثيرة في حق سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء فهي (ع) روح الخلد ونجوى الأجيال:

بيوتٌ أنزلَ الرحــــــــــــمنُ فيها   ***   جلالَ الوحيِّ فاستعلتْ عُلوَّا

على عذباتِها جبريلُ أرســــــــى   ***   جناحاً واستعزَّ بها دِنـــــــوَّا

وفاطمُ من سراجِ الوحيِّ ضـــوءٌ   ***   تزاحُ به الدجنةُ حين ضوّى

وفاطمُ من نسيجِ الخـــــــلدِ روحٌ   ***   تضوعُ بمسكِها الدنــيا زُهوَّا

وفاطمُ من رؤى الإيمانِ طــيـفٌ   ***   وفاطمُ في فمِ الأجيالِ نجوى

وسيدةُ النساءِ بلا منــــــــــــاصٍ   ***   وروضُ عقيدةٍ ومنـارُ تقوى

ورزء فاطمة ثقيل على قلب الشاعر وقد أثرت في وجدانه الآلام والنوب التي أصابتها:

أفاطمُ إنَّ جمرَ الرزءِ يـــكوي   ***   صليبَ النقي من عــظمِ المشاشِ

أفاطمُ قد جُبلتِ على رهـــــانٍ   ***   مع الآلامِ والنــــــــوبِ الغواشي

أمثلكِ بضعةٌ تجـــــــــفى ولمّا   ***   يجفُّ الـروضُ من تلكَ الرشاشِ

إن التمسك بولائها وحبها هو حبل العقيدة الذي ينجي المرء يوم القيامة:

يا بنتَ من نــهجَ الطريـقَ سنيّةُ   ***   ودعا إلى غرسِ الخلاقِ حِراثا

ما كانَ حُبُّـــكِ غيرَ حبلِ عقيدةٍ   ***   شدَّ القلوبَ وقـــــــد لغـبنَ لِهاثا

ولقد صبرتِ على الفوادحِ بَرَّةً   ***   بالعـــــــــــــهدِ إذ ورثتـه ورّاثا

وولائها (ع) كفيل بتفريج الهموم وكشف الغوائل وتنفيس الهموم فيخاطب الشاعر نفسه:

ومهما لذّ كأسُك فالمـــــنايا   ***   رواصدَ ركبُـــها أبداً منيخُ

وإمّي ساحةَ الزهراءِ تكفي   ***   غوائلَ كلِّ مـن فـيها يدوخُ

ولزِّي تربة الـــزهراءِ خدَّا   ***   يعط بهِ التصعُّرُ والشموخُ

فاللائذ بها في مأمن من مهلكات المعاصي:

ومَن أمَّ في نهــــــــجِهِ فاطماً   ***   ونامخ شيطانَه واســــــــتعاذا

حوى قصبَ السَّبقِ مضـمارُه   ***   وبذَّ خيولَ المعـــــاصي بِذاذا

وقالتْ له حلباتُ الفضـــــــيلةِ   ***   من يمتطي المجدَ طهراً كهذا

فهي (ع) ملاك الفضيلة والتقوى وهي التي تضوعت النبوة في رداها:

وإنّكَ إن أفأتَ إلــــــــــــى رشادٍ   ***   سلمتَ على المدى من كلِّ دهسِ

إلى جددٍ بـــــــه الزهراءُ سارتْ   ***   يؤطّرُه الخــــــــــلودُ بكلِّ ورسِ

تضــــــــــوَّعتِ النبـوةُ في رِداها  ***   وعمَّت هضبتي رضـوى وقدسِ

هي الخدرُ المصـونُ هي التجلّي   ***   هي السِّفـــــــرُ المنقي كـلَّ نفسِ

فلا رزية للشاعر سوى رزية فاطمة التي عاشها روحاً وفكراً ووجدواناً وشعراً:

أنهنه من موجِ الظـــنـونِ وألتجي   ***   إلى ساحلٍ ترسو به وكفُ عبرتي

فيالكِ من بلـــــــوى مريرٌ مذاقُها   ***   إذا ما لبـــــــاناتُ النفوسِ استفزتِ

ويالكِ من ذكــــــرى تـحط بكلكلٍ   ***   على جرحِ مســلوبِ الفؤادِ مُشتتِ

فتحتُ لها كـــــــل الكوى فتدفّقت   ***   بأسخن من نـــــــارِ المعاناةِ مُقلتي

ورحتُ أرى الزهراءَ طيَّ عوالمٍ   ***   من الروحِ تستغـــشي دثارَ رزيتي

فالزهراء (ع) شاركت أباها (ص) آلام الأمة وثابرت أن لا تبيت على الطوى حشاشة مسكين ويتيم وأسير:

أولئكَ آلُ المصــــــــــــطفى أهلُ بيتِه   ***   تربّوا على هذا الخلاقِ المبرقعِ

وقد ثابروا أن لا تبيتَ عـــلى الطوى   ***   حشــاشةُ محرومٍ وعانٍ وموجعِ

وأعطوا وإن كانتْ بهم من خصاصةٍ   ***   مســـاغبَ لم تمنع جداهم وتمنعِ

وشاركتِ الزهراءُ آلامَ أمـــــــــــــــةٍ   ***   أبوها تــــــولّاها على كلِّ مهيعِ

وهي الثقل التي أوصى بها أبوها ولكن ...

فهمْ آثروا أن يحــجبوا حُرَّ إرثِها   ***   وأن يلجُــــــــوا أبناءَها كل بلقعِ

وتلكَ التي أوصى الرسولُ بثقلِها   ***   تصارُ إلى هذا الصعيدِ المصدَّعِ

وهي رفيقة المحراب التي لا يفارق التهجد لسانها والركوع والسجود يومها:

وإنّي إذ أرى الزهــــراءَ نهجـاً   ***   على سفنٍ فمنهجيَ الوضــوحُ

فما غاليتُ في حبّي اعــــتسـافاً   ***   وقد يغلو على لسنٍ مديـــــــحُ

وبنتُ المصطفى أزكى نِـجـاراً   ***   وتعرفُ من مهاويها السطوحُ

فمن أسنى محاريباً وأبـــــــكى   ***   تهاجيــــــــــداً وأدمعُها سفوحُ

ومن أكوى بمظــــــــلمةٍ فؤاداً   ***   وقد عزَّ المناصــــرُ والنصيحُ

إذا غلتِ النفوسُ فلا خـــــسارٍ   ***   وما الدنيا سوى وهـــــمٍ يزيحُ

وهي (ع) أم الذرية الطاهرة التي اصطفاها الله على عباده أئمة للدين وأمناء على شريعة سيد المرسلين وبهم باهل النبي النصارى وهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا:

قلتُ للنفسِ هوِّني ثم هِيـــــــــــدي   ***   ولِجي الصبرَ في الملماتِ ولجَا

إنَّ هذا الأتـونَ خـــــــــــابَ إواراً   ***   إنَّ هذا الــــرهانَ بالغلقِ يَفجا

فخُذي خلّةَ البهــــــــــــــاليلِ خَيماً   ***   واسلــكي مـنهجَ الفواطمِ نَهجا

إنَّ دهراً ألوى بـــــــــــهــنَّ لدهرٌ   ***   شيبَ وردُ الأحرارِ فيه ومُــجا

وزماناً ســـــــاوى مع القممِ الوهــــــــــــدَ زماناً ما إن به النصفَ يرجَى

(بنتُ مَن ؟ أمُّ مَن ؟ حليلةُ مَن ؟)   ***   هلْ مُدانٍ لهمْ علوّاً وبـــــــرجا

يا هوانَ الذي تجـــــــــــاهلَ مِنها   ***   شرفاً باذخاً وحـــــــسناً وملجا

هم قلاعُ الإيمـــــــانِ والدوحةُ الفـــــــــــــرعاءَ مُذ الزمــــانُ تأرّج أرجا

بهمُ باهلَ الرســـــــــــــولُ وعنهمْ   ***   أذهبَ الرجسَ طاهرينَ وهجا

وهي ربيبة بيت الرسالة وابنة الوحي وأم أبيها ولم تفارق ملائكة السماء بيتها:

وما الزهراءُ إلا من أبيــــــــــــها   ***   أصالة محتد ودبيبُ نبـــــضِ

هيَ الطهرُ البتولُ ومن تربّــــــتْ   ***   على إيفاءِ نافلةٍ وفـــــــــرضِ

رعتْ بيتَ الرسالةِ وهيَ رضعى   ***   ولمْ يكُ ورد مرضعِها بـبرضِ

وحفّتها الملائكُ تصـــــــــــطفيها   ***   تنزّلُ من سمـــــــاواتٍ لأرضِ

سلاماً يوم مولدِها شـــــــــــــهاباً   ***   وحزناً يوم ما ارتحلتْ كومضِ

وهي آهة الشجن التي لا ينطفئ أواراها والدمعة التي لا يبرد غليلها:

وأشاطرُ الزهـــــــراءَ في آلامِــــها   ***   فيهونُ عنـــدي مؤزمٌ وعويصُ

لما اختزلتُ بها المـسارَ ترقرقــــتْ   ***   في أدمعِ الذكـرى وسحَّ نكوصُ

هيَ آهةُ الشجنِ الــذي لا ينطـــــفئ   ***   منه الأوارُ وجــــمرةُ المقبوصِ

وهي الذؤابةُ من أراكــــــــــةِ هاشمٍ   ***   في حقِّها المأثــورُ والمنصوصُ

درجتْ على خطوِ الرسولِ ولمْ تحدْ   ***   نهجاً وبنيانُ الهــدى مرصوصُ

وزوتْ عن الدنيـــــا ومن بكَ مثلها   ***   ما شابه التنهـــــيز والتفريص !

إن جنَّ ليلٌ فهيَ في محــــــــــرابِها   ***   وكذاكَ نجوى المـخبتينَ قلوصُ

فالذي يوالي الزهراء له جنتان جنة في الآخرة وجنة في الدنيا وهي الذكر الخالد له:

ترى الدنيـــــا مــــوقفةً عُراها   ***   وآلُ البيتِ خيرَ عُرى الوثاقِ

ومَن والى البتــــولَ ولاذَ منها   ***   إلى أفــــــقِ الفضيلةِ والوفاقِ

أثيبَ بجنتيـــــــــنِ على هواها   ***   رضــــاءُ اللهِ والذكرُ البواقي

ويا عين امنحي الزهراءَ دمعاً   ***   فــــــــــواتقه تجلُّ عن الرتاقِ

فما أشنا انحباسك والطـــــوايا   ***   وما أحرى انهمالك في المآقي

ونكتفي بهذا القدر من نماذج قصائده الكثيرة في مدح ورثاء أهل البيت (ع) ففي ما ذكرناه يعطي صورة واضحة على مدى ولاء الشاعر لهم (ع) وتفانيه في حبهم ونختم نماذج شعره بالقصيدة الخالدة في حق الإمام الحسين التي تناقلتها الأفواه واعتلت لافتات الحزن في عاشوراء:

كذبَ الموتُ فالحسيـــــنُ مُخَلّدْ   ***   كُلّما أخْلِــــــــــــــــــــقَ الزمانُ تجدَّدْ

هو حيٌّ ميتاً وياربَّ حـــــــــيٍّ   ***   ماتَ من قبلِ أن يموتَ ويُلــــــــــــحدْ

يا شهيداً إلى السماواتِ موفَـــدْ   ***   ماثلٌ أنتَ في الأداهيـــــــــــــرِ سَرمدْ

ليسَ يردى من في الدّجنّةِ أوقدْ   ***   ضاحياتُ الشموسِ والأفقُ أربـــــــــدْ

ورأى شرعةَ النبــــــــيِّ مُحمّدْ   ***   سامَها الخسفَ عابثٌ يتمـــــــــــــــرَّدْ

ورأى المجدَ ماضياً ليسَ يُغمَدْ   ***   والمنايا عِزاً إذا الـــــــــــــــضَّيمُ عَرَّدْ

سورةُ النفسِ برهةً ثمَّ تـــــــــــــنفدْ   ***   ومِنَ الــــــــــروحِ عنفوانٌ مُـجَدَّدْ

حلمُ الواهميـــــــــــــــــــن أن يتبَدَّدْ   ***   شملُ هذا البناءِ مِن مــــجدِ أحـمدْ

ذاكَ هيهات أن يُرى أمـس في الغَدْ   ***   ألفُ ليلٍ يضــــــــــوءُ شـمعٌ يُبـدَّدْ

وطريقُ الشهيـــــــــــدِ للـحرِّ مُوعَدْ   ***   رغمَ دعــــــــــوى مجـانفٍ يَتعنَّدْ

للبلى النكس والعلا حظ أصــــــــيَدْ   ***   ما رأى العيشَ أن يمـوتَ ويُـهمَـدْ

إن وردَ الشهيــــــــــدِ ليسَ بمُصْرَدْ   ***   سائغٌ شربُه وعذبٌ مُـشــــــــــــهّدْ

يا ابنَ بنتِ الرسولِ يـا خيرَ مقـصَدْ   ***   إن تمادى ليل الـــــــــــخنا وتلبَّــدْ

لستُ كفؤاً بأنْ أقولَ وأقــــــــــــصدْ   ***   أنتَ فوقَ القصـيدِ شــــأواً وأبـعَـدْ

يا دماً سحَّ والسمـــــــــاواتُ تــشهَدْ   ***   تغتلي كربـــــــــلا منـــــهُ وتحرَدْ

فوقَ رمضائِها حدودٌ تــــــــــــخـدَّدْ   ***   ودموعٌ تهمي وآهٌ تصــــــــــــــعّدْ

ونساءٌ تُسبى وغصـــــــــــــنٌ يؤوَّدْ   ***   هوَ من دوحِ حيــــدرٍ قدْ تَنَـــــضَّدْ

توفي الحائري في 22/8/1999 وأقيم له اختفال تأبيني في قاعة الرسول الأعظم في كربلاء شارك فيه عدد من شعراء المحافظة بقصائد رثائية

محمد طاهر الصفار

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً