حصن الأخيضر.. تاريخ يستنطق الحجر

كربلاء الحسين

2018-06-20

1546 زيارة

على بعد (50) كم عن مدينة كربلاء و(19) كم عن مدينة عين التمر التاريخية يقع حصن الأخيضر, السرّ الغامض الذي لم تستطع بوصلات المؤرخين تحديد تاريخ وسبب بنائه وأصل تسميته, فأغلب الأقوال التي قيلت في ذلك لا تتعدّى حدود الافتراضات التي لا تستند إلى الدليل.., يشخص هذا الحصن العظيم على طريق كربلاء ــ عين التمر ويستطيع من يراه أن يخمّن من الوهلة الأولى إلى أنه قد بُنيَ على طراز الحصون الدفاعية العظيمة.

تاريخ بنائه

تعدّدت الأقوال في تاريخ بناء الحصن بين العصر الساساني والجاهلي وصدر الإسلام والأموي والعباسي, فيرى بعضهم أن الذي شيَّده هو أكيدر بن عبد الملك الكندي وهو أحد أمراء قبيلة كندة القدامى, وأحد نصارى العرب الذين صالحهم النبي (صلى الله عليه وآله) على الجزية وقد قتله خالد بن الوليد, وترى المس (جرترود بل) إن بناء الحصن كان في العصر الأموي, فيما يرى كروسيل إن تاريخ الحصن يعود إلى العصر العباسي الأول وإن الذي بناه هو: عيسى بن موسى ابن عم الخليفة المنصور، وممن تبنّى قول بنائه في العصر الإسلامي أيضاً هرتسفيل واوسكار ورويتر، الذين اتفقوا على أن الحصن بُني في العهد الإسلامي لكنهم اختلفوا في تحديد العصر الذي بني فيه, غير أن موسل يشط كثيراً فينسب بناء الحصن إلى القرامطة وتحديداً إلى عام (277هـ/890م).

المسجد الكنيسة

إن بعض مَن نسب الحصن إلى عصر صدر الإسلام والأموي والعباسي كالمس بيل وغيرها استدلوا على وجود مسجد إسلامي للصلاة فيه لا غير, رغم إنه يحتوي على فن معماري من طراز فريد وخصائص فنية ومعمارية نادرة تشير بوضوح إلى الفن الإيراني القديم لما فيه من تناسق وعظمة في البناء ودقة في الزخرفة، ثم إنه بعيد كل البعد عن مراكز الحكومتين الأموية والعباسية اللتين برزت آثارهما في عاصمتيهما كالمسجد الأموي في دمشق والمدرسة المستنصرية في بغداد وغيرها من الآثار التي هي أقل بكثير من عظمة هذا الحصن, كما يستبعد كونه قد بُني في العصر الإسلامي, فالعصر الإسلامي وخاصة الأموي والعباسي قد دُوِّن فيهما كل ما قام به الخلفاء من أعمال وعمران وأحداث ولم يفت المؤرخون حتى جلسات السمر التي كان يقيمها الخلفاء, لذا فمن المستحيل أن يكون هذا الحصن العظيم قد بُني في العصر الإسلامي دون أن يشير إليه أي مؤرخ وهم قد أشاروا وأشادوا بما هو أقل من هذا الحصن بكثير مما أنجز في عهد الخلفاء, أما سرّ وجود المسجد داخل الحصن فقد كشف الغموض عنه مصطفى جواد وأوضح ما التبس في أمره فقال: إن هذا المسجد هو في الأصل كنيسة وقد صيّره المسلمون مسجداً بعد فتحهم للحصن كما هو معروف في كل الفتوحات. (1)

وجوده قبل الفتح الإسلامي

إن مما ينفي بناء هذا الحصن في عصر صدر الإسلام والأموي والعباسي وجود دلائل وقرائن تاريخية تثبت وجوده أثناء الفتح العربي لكربلاء عام (12هـ/633م), فقد ذكر الطبري أن جندياً من جيش خالد بن الوليد الذي غزا كربلاء قد أشار في شعر له إلى (العين) وهي التي تسمى الآن بـ (عين التمر) وهي التي كانت محاطة بأسوار الحصن, وقد ذكر ذلك أيضاً ياقوت الحموي في معجم البلدان, كما أشار المقدسي البشاري (336-380) في كتابه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) إلى أن عين التمر كانت (محصنة) في عصره, وقد وضع كتابه هذا سنة (375هـ), وقال البلاذري (إن خالد بن الوليد عندما جاء إلى عين التمر ألصق (بحصنها) وكان فيه مسلحة للأعاجم عظيمة فخرج أهل (الحصن) فحاصرهم خالد والمسلمون حتى سألوا الأمان, فأبى أن يؤمنهم وافتتح (الحصن) عنوة وقتل وسبى, ووجد في كنيسة الحصن جماعة سباهم فكان من ذلك السبي حمدان بن أبان, وسيرين أم محمد بن سيرين المفسر المشهور, ونصير أبو موسى بن نصير القائد الإسلامي, ويسار جد محمد بن إسحاق كاتب السيرة (المغازي). ..

يقول مصطفى جواد معقباً على رواية البلاذري بأن الحصن هو (حصن الأخيضر وإن الكنيسة التي أخرجوا منها الأسرى هي التي جعلها المسلمون مسجداً كما جعلوا غيرها من البلاد المفتوحة).

وفي رواية الطبري ما يؤكد ذلك حيث يقول: (إن خالد قصد لعين التمر وبها يومئذ (مهران بن بهرام جوبين) في جمع عظيم من العجم, وعقة بن أبي عقة في جمع عظيم من العرب النصارى, فخرج عقة لقتال خالد وبقي مهران في (الحصن) فهزم خالد جيش عقة وأخذه أسيراً فلما سمع مهران بذلك هرب مع جنده وتركوا (الحصن) الذي وجده خالد لقمة سائغة بعد أن تركه الجند فأسر جميع من فيه فسألوه الأمان فأبى, بل قتل أمامهم قائدهم عقة ليوئس الأسراء من الحياة وقتل جميع من في (الحصن) وسبى كل ما حوى حصنهم من النساء والأطفال وغنم ما فيه ووجد في بيعتهم أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل عليهم باب مغلق فكسره عنهم وقسمهم في أهل البلاد...).

ويعلق الدكتور مصطفى جواد على هذه الحادثة بالقول: إن البيعة في الحصن هي في مسجد الأخيضر الحالي ــ يعني التي كانت كنيسة أيام الفتح ــ

في عهد الساسانيين

إذن فإن وجود حصن الأخيضر أثناء الفتح العربي عام (633م) أمر لا جدال فيه, ولكن تاريخ الحصن لا يقف عند هذا الحد ويبقى السؤال: متى بُني الحصن؟ وتتضح خيوط تاريخية أقدم تدل على وجود هذا الحصن أبعد من هذا التاريخ بكثير عند أبي الفرج الأصفهاني الذي أشار من بعيد في كتابه (الأغاني) إلى أن الحصن كان موجوداً قبل مجيء الإسلام بأمد بعيد حيث يقول: (إن سابور ابن أردشير الذي حكم للفترة بين (240–270م) والملقب بسابور الجنود حاصر مدينة الحضر بين دجلة والفرات على الأنبار وافتتحها وسبى النضيرة ابنة ملكها وأخرب المدينة واحتمل النضيرة فأعرس بها بعين التمر)، وقد أشار مصطفى جواد إلى أن (إن هذا العرس قد أقيم داخل حصن الأخيضر) وعقب على قول الأصفهاني بالقول: (واختياره ــ أي سابور ــ لعين التمر دليل على أن فيها بنياناً ملوكياً يصلح لأن يكون موضعاً للعرس وما أحرى حصن الأخيضر بذلك فإنه حصن ملوكي حقاً وهذا يرفع تاريخ حصن الأخيضر إلى القرن الثالث للميلاد وقد خربت عين التمر وبقي حصنها).

فلم يقف جواد عند حدود الاحتمال بل أكد على أنه هو: (حصن عين التمر) الذي أقيم فيه زواج سابور و:(إن عمارته تشهد بأنه ساساني، وإن اعتباره من الأبنية الإسلامية هو تحميل للتاريخ والفن ما لا يطيقان)، كما أجزم (أن عمارته لم تعرفها العرب وليس لها شبيه في آثارهم), وقد تبنّى هذا الرأي الذي تبنّاه جواد بقوة ودافع عنه, المستشرق الفرنسي لويس ماسينون الذي نسبه إلى العصر الساساني وقال: أنه هو (قصر السدير) المشهور في كتب التاريخ.   

أصل تسميته

يرى محمود شكري الآلوسي بأن كلمة الأخيضر محرّفة من (الأكيدر) وهو الأمير الذي ذكرناه, ومنهم من يرى أنها جاءت لاخضرار أرضه وما حولها بالنخيل والأشجار, وهناك من يرجع كلمة الاخيضر إلى لقب شخصية تاريخية هو إسماعيل بن يوسف الأخيضر (841ــ863م) حاكم اليمامة على الكوفة من قبل القرامطة, وقيل إنها جاءت من مصغر اللون الأخضر، لكن كل هذه التسميات هي مجرّد تكهّنات واحتمالات لا تستند إلى دليل, فمن الممكن أنه قد سمِّي باسم الأكيدر أو الأخيضر في الفترة التي سكنا فيه فعُرف بهما ولكن ذلك لا يعني أنه بُني في زمن أي منهما قطعاً.

الأردوان

إن التأكيد على أن زواج سابور كان في حصن الأخيضر ووجود دلائل قوية تثبت ذلك يقودنا لتتبع خيط التأريخ لنعود قليلاُ وتحديداً إلى سيرة أبيه أردشير بن بابك مؤسس السلالة الساسانية (224ــ241) الذي خرج لقتال الأردوان آخر ملوك الطوائف الأشغانيين الفرس (أرتابانوس الخامس (216–224) ــ باليوناني ــ فاستعان (الأردوان) بالعرب للقتال معه (وبنى (حيراً) فأنزل به من أعانه من العرب....) كما يقول الطبري (2)

ومن المحتمل جداً بل من المؤكد أن هذا الحير هو حصن الأخيضر لتطابق المواصفات كلها عليه من ناحية بنائه الدفاعية العظيمة التي يستطيع بها ردّ هجمات الجيش الساساني العظيم, ولسعة حجمه الذي يسع القوات العربية التي تدعم الأردوان في حربه, ولمكانه الذي يعد استراتيجياً لمواجهة العدو من كل الجهات والدفاع عن المدينة, ولموقعه الذي كانت تتمركز فيه القوات الفارسية, ولطرازه الفارسي الواضح, ومما يقطع الشك باليقين بأن هذا (الحير) هو حصن الأخيضر أن الحير من أسماء كربلاء القديمة التي كان موقعها في عين التمر وقد أكد ذلك الدكتور عبد الجواد الكليدار بقوله: (وقد نعتت كربلاء منذ الصدر الأول في التاريخ بأسماء عديدة مختلفة منها:....الحير) (3) ونقل كذلك عن الطبري أنها سميت باسم (الحير) (4) ...

جذيمة الأبرش

ومما يؤكد ذلك أيضاً إن أردشير بعد أن شتت ملوك الطوائف الأردوانيين وهزمهم أتفق رؤساء العرب في البحرين وعمان وغيرها على المجيء إلى العراق وكان أغلبهم من قبيلة (تنوخ) فكانت منازلهم بين الأنبار والحيرة وكانوا يسمّون بعرب الضاحية, فتوَّجوا مالك بن فهم ملكا عليهم, فلما مات خلفه ابنه جذيمة الأبرش (233-268).وهو أقوى ملوك العرب حكم الحيرة والبحرين واليمامة.

وقد استثمر جذيمة الحصن وسكنه واتخذه مقراً لحكمه وقواته وهو أول من رمى (بالمنجنيق) وخاض حروباً عدة, حيث تحالف مع الإمبراطور الروماني أورليانوس (212 - 275) للقضاء على تدمر فقتل ملكها عمرو بن الضرب بن حسان فانتزع جذيمة بهذا النصر من تدمر ما كان يملكه على الفرات مثل مدينتي الحيرة وعانة وقد اكتشف المستشرق الألماني أ. لتمان في بدايات القرن الماضي في جنوب دمشق حجراً سُمِّي بـ (نقش أم الجمال) وقد قدر تأريخ النقش من قبل مكتشفه بين عامي (250 و270) للميلاد وجاء فيه ما نصه بالعربية: (هذا شاهد قبر فهر بن سالي قائد أو مربي جذيمة ملك تنوخ)!!

وتدلنا أحداث قصة حروب جذيمة مع الزباء بنت عمرو بن الضرب ملك الشام على أنه كان يسكن في قصر كبير مطابق تماماً لقصر الأخيضر ومن المستحيل أن يفكر العرب ببناء قصر بهذه الضخامة في ذلك الوقت الذي كانوا فيه يسكنون المظال وبيوت الشعر.

الحصن

شيّد الحصن بالحجر والجص والآجر، ويحيط به سور عظيم مستطيل الشكل طوله من الشمال إلى الجنوب (175.80م), وعرضه من الشرق إلى الغرب (163.60م), ويبلغ ارتفاعه حوالي (21م), وتحد زواياه أبراج نصف دائرية ويحتوي الحصن على كثير من البيوت والأبنية والأفنية والأقبية والغرف والمخازن والمحاريب والصالات والأواوين والاسطوانات والأروقة والسلالم والدهاليز منها دهليز عميق اصطفت على جانبيه مجموعة من البيوت وأماكن أخرى يطول شرحها وتفاصيلها وقياساتها وأغراضها وقد رسمت المس غيرترودبيل خارطة دقيقة له قالت عنها: (إن الخارطة الدقيقة التي رسمتها للأخيضر وموقعه تعتبر أول خارطة له) كما توسع كروسيل في وصف أماكنه وقياساتها وأحجامها.

محمد طاهر الصفار

..............................................................................

1ــ موسوعة العتبات المقدسة ــ قسم كربلاء (ص30)

2ــ حوادث سنة (12هـ)

3ــ تأريخ كربلاء (ص25)

4ــ تاريخ الطبري (ج15ص118) 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً