قباب واروقة..

فنون إسلامية

2019-11-04

226 زيارة

اللوحة أعلاه من المنجزات الابداعية للتشكيلي العراقي سعد الطائي.. وقد استخدم في إنجازها تقنية الزيت على قماش الكانفاس وبمسحة فنية نستطيع ان نصفها بالتعبيرية الواقعية التمثيلية حيث التأثيرات الانطباعية واضحة من ناحية الالوان، والتكعيبية الناعمة او شيئا منهما واضحة من ناحية الاشكال، والتي يبدو انها مزيج من تجربته الانسانية والفنية الثرة بالأساليب الإبداعية والانطباعية والتأملية.. مجسداً من خلالها القيم الانسانية والروح الفنية النبيلة بتأثره وتعلقه ببيئته الاسلامية الرائعة.

جسد الطائي في هذا التكوين الفني العديد من عناصر العمارة الإسلامية بقبابها ومآذنها وأبوابها ونوافذها، حيث نجد في وسط النصف الأسفل من المشهد التصويري شكل أبواب أسلامية مزخرفة الجوانب بأشكال هندســية معينية الاشكال، يتخللها خط لطيف بشكل قوس أبيض، ويعتليها شكل لقبة متمركزة وسط المشهد تقريباً وإلى جانب هذه القبة قبة أخرى بألوان ذهبية مصفرة من جهة اليمين وتوسط القبة الأولى شكل خطي بهيئة معين تداخل مع خطوط المنجز، ومن جهة اليسار نجد شكلاً خطياً لمعين أحتوى على قبتين ولكن بحجم أصغر هذه المرة ، وعلى جانبي القبتين الكبيرتين برزت أشكال ثنائية لبعض المآذن الإسلامية ، فيما كانت الجوانب قد ملئت بأشكال البوابات والنوافذ الإسلامية وبأحجام متفاوتة ومتناسقة في الوقت ذاته ، أما أعلى المشهد فقد أستغله الفنان بأشكال لبوابات مقوسة وبأحجام أكبر من باقي البوابات تمركز أحدها في الحافة العليا وتحديداً فوق القبة المركزية وإلى جهتها اليمنى بوابتان وإلى اليسار واحدة كبيرة وأخرى صغيرة متداخلة بالألوان حتى اندمجت مع لون الخلفية الذي مثل بألوان حارة برتقالية وصفراء.

 

لقد أستخدم سعد الطائي أسلوب التجريد الهندسي القريب من التكعيبي في تحديد مساحات المشهد التصويري الذي مثل بشكل مربع ، فالتكوين العام للمنجز أعتمد على تداخل وتراكب المساحات الهندسية بأسلوب قريب إلى الأساليب المعمارية وبطريقة توهم المشاهد بتعدد نقاط النظر، والشكل العام للمنجز وبرغم تعدد وحداته ومساحاته وتنوع اتجاهاتها.. فهو قد أعطى تماسكاً ووحدةً للتكوين الفني بشكل عام ساعدت على استقراره ورصانته، اضافة الى حنكة الفنان في استخدام الفضاء الذي كاد ان يكون منعدماً لولا وجود شكل البوابة وعمقها المنظوري، الذي يُمثل الفسحة الوحيدة التي يتنفس منها البناء العام للمشهد المزدحم بالأشكال والخطوط.

حاول الطائي إبراز الهيئة العامة للأشكال وإكسابها نوعاً من العاطفة بواسطة الألوان ، فهي قد أضفت على الأشكال شاعرية مؤثرة في المشاهد، وأوحت في نفس الوقت بالحركة من خلال انتقال العين بين وحدات المشهد، فساهمت في تأثيرها على الحواس وتحريك الانفعالات الداخلية ،حيث اعتمد الفنان الألوان الحارة كالأحمر والأصفر والبرتقالي في تكوين غالبية المساحات الممثلة بالقباب والبوابات في حين استخدم الألوان الباردة في مساحات أخرى ممثلة ببعض الالوان الباردة، وقد أُوحت هذه الألوان مجتمعة بالعمق والفضاء الداخلي ايضاً والذي شكلته المساحات، كما ساهمت الألوان باجتماعها بالإيحاء الرمزي في خلق صورة تشكيلية جسدت المفهوم الروحي والديني والإسلامي المحمل بالعاطفة الدينية.

إن توظيف الفنان لبعض الرموز الإسلامية المتمثلة بالبوابات الإسلامية والقباب والمآذن والاقواس والمحاريب، اضافة الى رمزية الألوان كان مقترناً بمجموعة دلالات رمزية ، فالمنجز بشكل عام يحمل مضموناً اجتماعياً ودينياً واضحاً للمشاهد، حيث يمثل الفنان المضمون الاجتماعي للرموز الإسلامية  الواضحة في اللوحة بتمثيلها لواقع المدينة الإسلامية والمساحة التي تشغلها في المجتمع.. كونها تعد البيئة الرئيسة للفرد والمجتمع المسلم بشكل عام وتحظى بأهمية كبيرة عندهم، فهي المكان الذي يمارس فيه الناس طقوسهم وشعائرهم وفعالياتهم اليومية،

أما المضمون الديني فتمثله الأجواء الروحية والقدسية التي تحملها كل من القبة والبوابة والمئذنة ، فالقبة رمز المسجد ورمز السماء وهي تتجه بخطوطها نحو السماء والمآذن المكان الذي يرتفع منها صوت الآذان.. فيما تمثل البوابة رمزاً للفرج حيث مثلت بشكل مركزي يتخللها فضاء إلى عالم الآخرة ثم طريق بشكل قوس.. وقد بدت للمشاهد كأنها المنفذ الوحيد الذي فيه المتنفس عن العالم المزدحم بالأشكال الهندسية ذات النقاط المتباينة الاتجاه في اللوحة والتي تمثل تزاحمات الحياة التي يمر بها المرء في حياته اليومية.

ان البناء العام لأشكال الرموز الإسلامية التي استلهمها الفنان سعد الطائي من التراث الإسلامي.. أفصح من خلالها عن الشكل الجمالي الخالد الذي حمل المضامين المقدسة النقية التي من شانها ان تشعر المشاهد  بالسعادة.. حيث تمكن من صياغة رموزه الإسلامية بشكل مقارب للواقع يفصح عن المضمون بطريقة مرهفة ومعبرة عن العقيدة الإسلامية ويتجه باتجاه الجماليات الخالدة فضلاً عن التأكيد على أصالة الهوية الإسلامية التي ينادي بها في اغلب اعماله الابداعية.

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً