تمثلات الطف في الثقافة العراقية..

فنون إسلامية

2019-10-20

560 زيارة

أن الصيغة الإنسانية البحتة التي تمثلت في واقعة الطف من حيث كونها قامت بمشيئة الهية، بكل أسبابها ومقدماتها ونتائجها، شكلت دافعا ومنطلقاً أساسياً لتمثلاتها في مختلف مجالات النشاط الإنساني.. وعلى امتداد رقعته الأرضية باختلاف أماكنها واستمرارية زمانها، وأن أي نشاط يعتمدها في بنائه لابد وأن يؤدي الى جمال وبنية جمالية لاتُحد من حيث التأويل، ذلك لأن أي مبدع حينما يلجأ أليها فهو يخاطب ويستنهض فطرته التي جُبل عليها، وبالتالي فهو يحيل شكواه الى الخالق ليستمد منه العون في التغلب على ما يقوض ملذاته الحياتية، فيكون الحل الأمثل أن يحتذي بمجريات الطف وقضية الحسين عليه السلام ويغلف بها مقاصده الباطنية حتى وأن بدت في ظاهرها مسايرة للأوضاع العامة السائدة، وبذلك يتحول نتاجه الى وثيقة أخلاقية تعكس مبادئ وقيم عليا ساعدت بشكل وآخر على نشر ما نادت به الرسالة الإسلامية الخالدة.

تمثلات الطف في فنون النخبة..

 لم تكن احداث عاشوراء وثورة الامام الحسين عليه السلام مجرد حادثة تاريخية عابرة، بل كانت ثورة دينية وسياسية لها أبعادها الفلسفية والفكرية التي تضمنت مفاهيم وقيم وتقاليد إنسانية عالية كانت ومازالت اساساً لتخليدها عبر العصور وفي مختلف البقاع.. وقد شكلت واقعة الطف مادة غنية للكثير من الفنانين والمثقفين على مختلف اتجاهاتهم واختصاصاتهم، فأنتجوا أعمالاً أدبية وأخرى فنية لا تخلو من الاستقراء لتداولية الواقعة وموروثها الشعبي، فاستوعبوا أبعادها ووظفوها في أعمالهم الفنية، فعمد البعض الى نظم القصائد الولائية والقطع النثرية والآخر اتجه صوب تمثيل بعض مشاهد الواقعة بحرية على خشبة المسرح ومضى اخرون الى توثيق مشاهد الطف بلوحاتهم الفنية الناطقة بفاجعة الطف ومصائبها التي حلت على ال بيت النبوة الاطهار سلام الله عليهم ..

ففي مجال الشعر قد نظم كثير من شعراء العراق القصائد التي نقلت المتلقي الى طفوف كربلاء واستشعار تلك المأساة ، ونذكر منهم الشاعر محمد مهدي الجواهري الذي عمد على نظم ابيات بحق الامام الحسين عليه السلام.. نقل من خلالها المتلقي الى الضريح المقدس في كربلاء ليدفع به الى الامتزاج الروحي مع سيد الشهداء وما يبثه المكان من روحية الاسلام بزخارفه  الخلابة وجمالياتها المنفردة التي تدفع  النفس الى الخشوع لله وهي لائذة بالحسين.. راكعة ساجدة لخالقها، ففي هذا المكان الطاهر يتنفس الأنسان كرامته وحريته، حيث قال في بعض عينيته الرائعة التي نقشت في يوم ما على الضريح المقدس في كربلاء:

تلـوذ الـدهور فمن سجد علـى جانبيه ومن ركـع

شممت ثـراك فهب النسيم نسيم الكرامة من بلقــع

وعفرت خدي بحيث استراح خد تفرى ولم يضــرع

وحيث سنابك خـيل الطغاة جالت عليه ولـم يخشـع

وخلت وقد طارت الذكريات بروحي الى عالم ارفع

وطفت بقبرك طواف الخيال بصومعة الملهم المبـدع

كأن يداً من وراء الضريح حمـراء مبتورة الأصبـع

تمد الى عـالم بالخنـوع والضـيم ذي شرف مترع

اما في مجال القصة فالقاص جبار ياسين - كأقرب مثال على ذلك - أستهل قصته التي كتبها باللغة الفرنسية بعنوان ( سماء معتمة النجوم ) بهواجس مظلمة مؤلمة عن تاريخ العراق بدأت بشهادة الامام الحسين عليه السلام والحزن المستديم على ذلك، وقد تناول فيها قصة عهود طويلة من الجور والطغيان الذي حل بارض العراق والممتد من معركة الطف الى العام 1991م ولكن بألم واحد،  فمنذ ما يزيد عن اربعة عشر قرناً بدأت مذبحة كربلاء وانتهت في المكان نفسه بالانتفاضة الشعبانية عام 1991م حيث لم يزل الدم نفسه يسقي رمال صحراءها ، وحيث يعيد الأحفاد والتاريخ نفسه ويتجدد الانتقام للشهداء الذين تركوا في الرمال دون رؤوس او غطاء.. وهي قصة  قد التقى فيها الماضي بالحاضر وتلاحمت فيها الإرادة والشهادة وبقي العراق جريحاً.

أما في مجال المسرح فقد كان لأحداث عاشوراء حضوراً كبيراً في هذا المضمار، حيث نُقلت قضية الحسين عبر عروض مسرحية منظمة وعشوائية واُحيلت الى إشكاليات معاصرة تحاكي المجتمع بأطيافه، حيث تنوعت الطروحات المسرحية لتنتقل الى خشبة المسرح وتكون على شكل مهرجانات دولية بعد ان كانت تلك العروض مقتصرة على التشابيه التي ترافق المواكب الحسينية  او بعض العروض المسرحية المقيدة من قبل الحكومة.

اما في مجال الفنون التشكيلية فقد تحول الرأس المقطوع والكف والفرس والراية والسيف والخنجر والهلال الى رموز بارزة في اغلب الأعمال التشكيلية، والتي أستُمدت اشكالها وهيئآتها من واقعة الطف وتم ربطها بقضايا الأنسان المعاصر، لتشكل حزمة من المنطلقات الجمالية المهمة في مسيرة  التشكيل العراقي المعاصر منذ ستينيات القرن الماضي، حيث كانت ملحمة الطف موضوعا للكثير من الفنانين العراقيين من جيل الرواد والمحدثين ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، كاظم حيدر- شاكر حسن ال سعيد -  فيصل لعيبي - صالح الجميعي - رافع الناصري - ضياء العزاوي- مكي عمران والفنان احمد عباس سعيد، وقد كان الفنان كاظم حيدر من الرواد في هذا الموضوع، حيث أقام معرضاً خاصاً بواقعة الطف تحت عنوان ملحمة الشهيد وقد تضمنت اللوحات بعض الأبيات الشعرية المستمدة من موضوعة عاشوراء.. وقد أستلهم الفنان اشكال تلك اللوحات ورموزها من المرويات والمصورات الشعبية الخاصة بطفوف كربلاء واخرجها بشكل تعبيري فسجلت تأريخاً مصوراً عن الواقعة،  كما نقل الراحل شاكر حسن آل سعيد صورة المعركة عبر تصويره لفرس الأمام الحسين عليه السلام مطعوناً بعدد كبير من السهام المغروزة في جسده، في أشارة الى وحشية القتلة الذين شمل فعلهم كل شيء.

التمثلات الشعبية لواقعة الطف..

ولو توغلنا في نطاق التمثلات الشعبية لواقعة الطف في العراق لوجدنا انها قد تنوعت ضمن نشاطات فكرية انسانية متعددة، تمثلت بفيض من قصائد الشعر الشعبي ومسرحيات التشابيه والفنون تشكيلية المتجسدة بالرسوم الشعبية و المشغولات اليدوية، وتم ذلك عبر مشاركة وجدانية فاعلة تنتقل الذات من خلالها لتتمثل في شخوصها الحرية والنبل والعظمة ومحاولة الخلاص من الظلم والجورالتي تمارسه السلطات على الشيعة ، وان جماليات هذه التمثلات لا يتحقق الا بصدقها وعفوية طرحها، لأن معركة الطف وشعائرها الموروثة هي الممارسة الوحيدة التي يجتمع فيها كل الناس بمختلف تنوعاتهم وبتجرد كامل عن كل ما يلتصق بهم من ممارسات يومية قريبة أو بعيدة عن الدين، وأحياناً كثيرة تذوب كل المستويات الثقافية والعلمية لتشارك عامة الناس في أحياء ذكرى عاشوراء كما نراه اليوم في الزيارات المليونية او مواكب العزاء المتزامنة مع ذكرى عاشوراء من كل عام.

 ولهذا فأن كل ما يحمله الموروث الشعبي من عادات وتقاليد تخص عاشوراء لا يمكن تغييرها أو تبديلها بأخرى.. وأن تبدلت الأجيال وتغيرت طباعها ومستوى تقدمها العلمي أو الثقافي، لأن هذا الموروث ينتقل عبر الأجيال محفوظاً في الشعور واللاشعور، وكل محاولات التطوير التي قد تطرأ عليها تبقى ضمن النكهة الشعبية الخالصة، فأحد اسس قيامها هو ترسيخ العقيدة وقيمها.. وهي بالتالي تؤدي وظائف تعليمية وتعلمية ونفعية تعمل على تثبيت العادات والتقاليد والقيم الأخلاقية التي تتمسك بها الجماعة، فمن الناحية السوسيولوجية تعد الفنون الشعبية هي فنون محافظة تعبر عن طرائق عمل وتفكير وسلوك تقليدي من شأنه أن يحافظ على ما تركه الأجداد ويسعى لأحيائه، ولهذه الفنون المتنوعة أدوات ورموز وأغراض فكرية وعملية نفعية وفنون محافظة، يعني أنها فنون تراثية تحاكي ما قام به الآباء والأجداد وتحافظ عليه من التلف والضياع، وتنقله نقلا مباشرا وقد يكون جامدا أحيانا ويتميز بمقبولية عالية ، من دون تغيير أو تطوير واضح باستثناء ما تمليه حداثة المجتمع من وسائل حديثة للتعبير الفني.

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً