ربيبة المحن ولسان الثورة الحسينية..

فنون إسلامية

2019-09-14

815 زيارة

(( ما لي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي وأبي وإخوتي، فو الله إنّ هذا لعهد من الله إلى جدّك وأبيك، ولقد أخذ الله ميثاق اُناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في أهل السماوات أنّهم يجمعون هذه الأعضاء المقطّعة والجسوم المضرّجة، فيوارونها وينصبون بهذا الطفّ علماً لقبر أبيك سيّد الشهداء لا يدرس أثره ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيّام، وليجتهدنّ أئمة الكفر وأتباع الضلال في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلاّ علوّاً )).. تلك هي كلمات السيدة زينب بن علي عليهما السلام التي واست بها الامام زين العابدين حينما اضطرب قلبه واصفرّ وجهه لحظة رؤيته أجساد أبيه وإخوته وعشيرته وأهل بيته على الثرى صرعى مجزّرين كالأضاحي..

وكيف لا تكون هذه مواساتها ؟ وهي الشاهدة الحاضرة في ازمة الطف التي فاقت بفجيعتها كل الازمات المريرة التي احزنت قلب امها الزهراء بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله.. ومحنة ابيها المرتضى عليه السلام.. وﻣﻀﺎﻣﻴﻦ ﺻﻠﺢ ﺃﺧﻴﻬﺎ ﺍﻟﺤﺴﻦ سلام الله عليه مع الطغاة.. لتتكامل معاناتها التراكمية  بقيادة ثورة اخيها الحسين عليه السلام ﺑﻌﺪ ﺍﺳﺘﺸﻬﺎﺩﻩ في ارض كربلاء، بوعي سياسي عميق وفكر رسالي واضح وعقيدة فذة.. فضحت بها ﻣﺆﺍﻣرات الطغاة من اعداء بيت النبوة الاطهار وقلبت ﺍﻟﻤﻌﺎﺩﻟﺔ ضدهم بالحفاظ على معالم الحق و ابراز قيم الاسلام و مبادئه على حقيقتها المنزلة من الله جل جلاله .

لوحة حسينية اخرى عزز فيها الفنان الشاب حسن روح الامين مخيلة الموالين المحبين بصورة اخرى من بطولات سيدة الصبر زينب بنت علي بن ابي طالب عليهما السلام ، وكعادة الفنان قدم التكوين الفني برؤية جديدة.. جسد فيه مقطعاً من واقعة حرق الخيام المقدسات ظهيرة يوم عاشوراء على ايدي الظلمة و لحظة من لحظات العقيلة زينب في ارض الطف وهي تتوسط نيران الخيام وتأخذ  بيد ابن اخيها العليل امامنا السجاد عليه السلام وتهم به بعيداً عن السنة اللهب والنبال والرماح مغروسة في الارض، فبعد فشل محاولة قتل الإمام زين العابدين عليه السلام على يد شمر بن ذي الجوشن.. أوعز كبير جيش الحقد بحرق خيام آل النبيّ صلوات الله عليهم  ليحمل جنود ابن زياد أقبسة من النار ويرتفع صوتهم  بأن  " احرقوا بيوت الظالمين " ، وليخرجوا نساء ال البيت حافيات باكيات يمشين سبايا في أسر قوم نزع الايمان والرحمة من قلوبهم .

نفذت اللوحة بتقنية الزيت على قماش الكانفاس وبضربات سريعة للفرشاة بإضافة لون فوق الاخر وبالوان محددة باللون الاحمر وتدرجاته ليخلق الفنان تباينا صريحا بين درجات اللون الواحد نفسه، واتى هذا المشهد الابداعي كما اعتدنا في اغلب اعمال روح الامين وفقا لإلحاح داخلي يسيطر عليه ويرتقى بفكره واعماله الى التعبير عن حالة داخلية صادقة كان قد تأثر بها دون غيرها، فقد عمد الفنان الى الاستفادة من سحر الواقعية وتقنياتها في التعبير عن مكنونات اللوحة فضلا عن تأثره الواضح بواقعة الطف ومحاولته تصوير كل حدث من تلك المأساة بإبداعات شكلية ولونية مميزة  شغلت اغلب مساحة لوحاته الفنية.

يتجه حسن روح الامين في هذا المشهد الافقي باتجاه عمق اللوحة وبشكل تدريجي انطلاقا من شخصي السيدة زينب والامام زين العابدين عليهما السلام كمركز سيادة وثقل اساسي وسط اللوحة، ليتشكل منهما عمقا منظوريا مميزا ينتهي بالتقاء الافق بالفضاء المميز بمزيج من الوان الاحمر والاصفر الممثل لنيران المخيم التي استخدمها الفنان بذكاء في محاولة موفقة لإظهار الإيقاع المؤلم والحزين في جو اللوحة ومدى هول تلك اللحظات على النساء والاطفال قبيل حرق خيامهم  وسبيهم، وقد عمد الفنان الى توسيع المساحة المكانية افقياً والاقتراب من تجريد بعض أشكالها من روحيتها عبر تشويش ملامحها المميزة لها كما في خلفية اللوحة، وقد تم تنظيم معطيات المكان من خلال البنية اللونية المميزة في اللوحة كي يوحي لها عبر تدرجات اللون الاحمر الطاغي بكيانه الضوئي الناري على باقي الالوان كالبني والاخضر والابيض في بعض مواطن اللوحة الاخرى، اما اللون الاسود فقد استخدمه الفنان بحذر شديد في تشكيل بقايا اعمدة الخيام والنبال المغروسة في الارض وفي بعض اجزاء السماء  اعلى اللوحة بغية اظهار اجواء ارض المعركة وسوداوية هذه الفجيعة.. ولو امعنا النظر اكثر في تفاصيل اللوحة لوجدنا أن الإزاحة الكتلية للأشكال وتعمد تخفيف كثافتها باتجاه عمق اللوحة انطلاقاً من مركزها، قد شكلت نقطة البدء للفصل بين الحق والباطل والظالم والمظلوم  والتي شكلت فحوى الرسمة وفكرتها الاساسية فمن خلال تتبع أحداث يوم عاشوراء ولحظة حرق الخيام حسب المرويات، نجد اننا امام  احداث واقعية كانت قد حدثت في يوم العاشر من شهر محرم الحرام عام 61هـ ، وهنا نلمس التمازج الجمالي والتعبيري المثالي الذي جهد الرسام لينقله الينا من اللوحة ليلج بنا روحياً وعقائدياً الى كتلة زمانية ومكانية شكلت امتدادا تكليفيا يبدأ من رسول الله محمد صلى الله عليه واله وصولاً الى سيدة الصبر والامام زين العابدين عليهما السلام وتبنيهما اهداف ومبادئ ثورة الحسين كامتداد لرسالة جده المصطفى وتثبيت دعائم الدين القويم.

لقد حاول الرسام جاهداً عكس قيمه ومفاهيمه الانسانية والفنية على اسلوبه الفني، ويظهر ذلك جليا في التعبير عن الحالات التي يطرحها في اغلب اعماله العقائدية المتعلقة بقية الامام الحسين ويوم عاشوراء من خلال وضوح الرؤية والفكرة، وايضاً من خلال محاولته الناجحة للدمج بين ذاته كفنان والموضوع المرسوم ، فرؤيته في هذا المنجز التصويري هي مزيج من التعبير والواقع حقق من خلالها توازناً بين ظهور المرئي واللامرئي أي بين ذاته والموضوع، وظهور صدق الموضوع والخيال الذي يلعب دوراً في تحديد اللوحة وإبراز اللاشعور اللامرئي وعلاقاته القرائية الاحتمالية بين الذات والموضوع والآخر المتمثل بالمتلقي، ويبدو انها حالة متفردة للفنان الحسيني بشكل خاص، كونه يتناول حالة واقعية فنية صادقة.. كما هو الحال في تفاصيل هذه اللوحة التي قد تصيبنا بالدهشة المنقولة عن مخيلة الفنان الواسعة ومقدرته على توظيفها لطرح قضية الامام الحسين عليه السلام ونشر مظلومية اهل بيت النبوة  في يوم عاشوراء والتي هزت العالم بأسره .

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً