تلقائية التعبير في رسوم الاطفال

فنون إسلامية

2019-06-26

700 زيارة

احتلت فنون الاطفال ونتاجاتهم العفوية موقعاً بارزاً في تشيّد الخطاب الثقافي والانساني للمجتمعات،  حيث يعد هذا اللون من الفنون وتجذراته احد الركائز الاساسية التي يستدل من خلالها على تبلور الوعي الثقافي في المجتمعات بما يخدم التطور الانساني، فهو يتيح لنا ولكل الدارسين في هذا المجال الوقوف على حاجات الاطفال ورغباتهم النفسية والاجتماعية، ومن ثم التمهيد لتهيئة الاسس والاساليب المثلى في الاتصال والتواصل معهم لتحقيق الاهداف التربوية والاجتماعية المبتغاة بقدر عالٍ من النجاح .

تعد فنون الأطفال بأنماطها المختلفة احد الاجزاء الاساسية في صرح الفنون الانسانية ومعطياتها.. فهي من الأنشطة الذاتية التلقائية الحرة التي تشكل رافداً مهماً في توجيه استعداداتهم وترصين ميولهم الفكرية والفنية ضمن الخطاب التربوي في المجتمعات.. فقد وجد الاطفال في الفنون مرتعاً خصباً ووسيلة للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم وأحاسيسهم وعواطفهم وانفعالاتهم حول الأشياء الخفية والظاهرة في بيئتهم.. ولعل المرونة التي تتمتع بها الفنون التشكيلية جعلتها تكاد ان تكون المنفذ الاهم لتفريغ صور مخيلة الاطفال التي لطالما كانت حية، فهي مجس تتكشف من خلاله قدراتهم الابتكارية والابداعية ومن شأنها تحويل ما يجول في خواطرهم و نطاق تفكيرهم الى صور جمالية عبر الاساليب الفنية المتعددة،  لذا أوجدوا في الفن متنفساً للتعبير عن ذاتهم وعما هو مكبوت بدواخلهم على شكل عناصر تعبيرية وذاتية .

 يسعى الاطفال من خلال ممارستهم أي نوع من انواع الفنون إلى خلق انماط جديدة من الانشطة غير المألوفة سلفاً بالنسبة لديهم،  فهي تمنحهم الفرصة للتعبير عن خصوصيتهم التي لا يحرزها أي شخص غير الشخص المبتكر الفريد في تعبيراته..  وفي هذه الحالة تكون الخصوصية المتبادلة بين الطفل والفن ذات قيمة ايجابية لذاته ومن ثم للمجتمع وللإنسانية جمعاء.. لذلك يدخل الفن في مضمار الوسيلة التربوية شأنه شأن الوسائل التعبيرية الأخرى مثل اللغة والكتابة وغيرها... من حيث تعدد عناصره التعبيرية، وعليه اصبح الفن جزءاً من مشروع العملية التربوية المتعلقة بالتطور الإنساني لما يمتلك من خصائص تميزه عن باقي الانشطة الانسانية الاخرى، فضلاً عن امتلاكه لوظائف نفسية وفسيولوجية اخرى، فالفن هو التوازن الضروري لعقلية الطفل وعواطفه وقد يصبح الصديق الذي يلجأ اليه بطريقة لاشعورية.. مسعفاً اياه ان اقتضت الضرورة بإدوات مثالية لتذليل الصعاب وحل المعضلات التي يواجهها  في حياته اليومية، وبالخصوص ان له شخصيته المتميزة وقوانينه الخاصة به .

لو حاولنا رصد انفعالات الاطفال منذ الولادة لوجدنا انهم يبدؤون التعبير عن انفسهم منذ لحظات ولادته الاولى،  حيث يبدأ ببث رغباته الغريزية والفطرية نحو العالم الجديد الذي حل به فيبدأ بعالمه الذي يكاد يكون تاماً والمتمثل بآلام.. فيبدأ اولى صيحاته وبداية حركاته التي تكون بحد ذاتها اللغة البدائية (لغة الاشارة) في محاولة منه للاتصال بالآخرين، ويزداد هذا التعبير وتتنوع اشكاله كلما تنمو قدراته بنموه الجسمي والفكري ونلاحظ ذلك بعد شهور عدة او سنين قليلة من عمره وهو يستعد لاستخدام بعض الجمل والكلمات والإجابة عن الأسئلة.. لذلك نجده يقوم بمحاولات لترتيب الكلمات والاشياء وتشكيلها بصورة واضحة معللاً تركيبتها على النحو الذي تظهر عليه .

ومن هذا المنطلق يندرج كل ما يتناول ظاهرة سلوكية الاطفال في مجال الفن تحت مفهوم التعبير الفني التشكيلي،  فكل تخطيطاتهم الحرة التي يعبرون بها فوق أي سطح منذ بداية اعمارهم حتى نهاية فترة الطفولة المتأخرة تدخل ضمن هذا التعبير فكل ما يصدر من الطفل من انفعالات باستخدام أي مادة ما هي الا فرصة سانحة لتعبيره الفني .

  لقد تعددت وتنوعت الدراسات التي بحثت في فنون الأطفال لأهميتها البالغة في بناء المجتمعات، فمنها ما بحث فيا كمظهر من مظاهر حياتهم ومنها ما بحث العلاقة بين ذكاء الأطفال وقدرتهم على التعبير الفني وأخرى بحثت أثر قدرة الطفل العضلية في التعبير الفني، فضلاً عن بعض الدراسات التي ركزت على الطفل من خلال اتجاهاته التعبيرية تبعاً  لكل مرحلة من مراحل نموه،  ومن هذا المنطلق تعاظمت جدوى الفن في حياة الطفل فعن طريق ممارسته تتبلور وتتطور قدراته الإبداعية وتتكامل شخصيته ويتغير نمط سلوكه.. وبهذا يقود التعبير الفني الى رصد شخصية الطفل،  فان كانت شخصيته حرة سعيدة غير مكبوتة فان تعبيره سيكون حراً مرناً.. فترقية التعبير الفني الحر لدى الطفل ما هو إلا تمتع الطفل بطفولة سعيدة حرة، وهناك بعض المواطن استخدم فيها الفن كعلاجٍ للحالات النفسية والشاذة لدى الأطفال من منطلق ان كل طفل هو فنان بطبيعته إذا تمتع بالبراءة والتلقائية والتحرر والخيال والحساسية الانفعالية والتفكير غير التقليدي.

وعلى سبيل المثال لو ترصدنا المنجز الفني للفنان القديم وحاولنا مقارنته بنتاجات الطفولة، سنجد إن كليهما لا يتقيد بنظرته إلى المرئيات حرفياً كما هي في في الوجود، بل إن نظرتيهما للطبيعة نظرة ذاتية بحتة يعبران من خلالها عن أفكارهما وأحاسيسهما ولكل واحد منهما وجهة نظر خاصة في التعبير دون معرفتهم بأبجديات الفن التشكيلي.. ويبدو ذلك في بعض المظاهر الفنية المتمثلة في رسومهما التي تعطي قيماً فنية لمن يدركها ويتحسسها بعيداً عن واقعيتها.. وبهذه الطريقة علينا ان نرى رسوم الاطفال ونفسرها  بأنها عملية تفكير إبداعية مصحوبة بنمو عقلي مدعوم بالتعبير عن مشاعره وانفعالاته الذاتية كشكل من أشكال النشاط العقلي الخلاق.. وقد اثبتت نتائج العديد من الدراسات والأبحاث في هذا الميدان إن الرسم بالنسبة للطفل يعد عملية ذهنية خيالية تتضمن أنماطاً فنية لا يستطيع البصريون معرفتها، وهذه الأنماط تنمو وتتبلور منذ الطفولة.. فالطفل عندما يرسم ينظر إلى الأشياء بعقله وليس ببصره وكلما توغلنا في رسوم الطفل اكتشفنا إسرار تخبر عن شخصيته ولكن عندما يكبر ينظر إلى الأشياء بفكره .

ومن الجدير بالذكر ان الرسم ينمو مع الطفل بنمو معرفته وملاحظته للأشياء، وهذا النمو يزيد من قدرة الطفل على التفاعل مع صور العالم الخارجي والتقاطها ومن ثم التعبير عنها بصورة تكاد تكون فريدة، ويختلف الأطفال ايضاً في تعبيراتهم الفنية باختلاف ما ينطبع في أذهانهم من خلال رؤيتهم للعالم الخارجي.. فهناك عدد كبير من الصور الذهنية التي يتلقاها الطفل مثلاً من خلال نظرته للعالم المحيط به يختزنها في عقله أي إنها كامنة في اللاشعور، ولربما تعبر هذه الصور عن عالمه الخارجي وما يدور في عالمه الباطني من خلال اشكال واقعية أو رمزية أو تجريدية أو تعبيرية.

اعداد: سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً