الشخصية ولغة الفن ..

فنون إسلامية

2019-03-26

928 زيارة

كان الفن وما زال يعد وسيلة الحوار الحسي بين المجتمعات وهو الوسيلة الامثل للتعبير عن شتى المشاعر الانسانية، فهو بمثابة المرآة التي تعكس نشاطات الافراد والجماعات واللغة البصرية لبني آدم والذي يشكل أساساً في قيام كل حضارة،  كما أنه يمثل مجالاً إبداعيا له شأنه في حمل شتى الأفكار والتطلعات الإنسانية، مما يجعله متمتعاً بقوة داخلية موجهة الى العالم – فردية او جماعية -  ليكون ثمرة الحضارة واللغة التي تجمع بني البشر تحت ظلالها على اختلاف أجناسهم وقومياتهم ودياناتهم.  

إن الاعتقاد بان كل فرد يضفي على تعبيراته الفنية شيئاً من سمات شخصيته وخصائصها اعتقاد قديم جداً.. وقد دعمته كثير من الأبحاث الحديثة في ميدان علم النفس والفنون الجميلة، وقد وجدت الباحثة في مجال الشخصية  كارين ماكوفر - عندما كانت تقوم بتطبيق اختبار في مجال الرسم  لقياس ذكاء بعض الرسامين الذين حصلوا على نسب ذكاء متساوية- إنهم يعبرون في رسومهم عن اتجاهات مختلفة تماماً وقد عززت هذه الملاحظات بمتابعة أفكار وتعليقات الرسامين الآنية أثناء وبعد رسمهم في هذا الاختبار ليصبح في الاخير أداة لقياس الشخصية في هذا المجال .                              

تستند العديد من أدوات قياس الشخصية من خلال الرسم على إطار نظري مفاده، أن الفرد عند ما يطلب منه رسم شخص او شكل ما فسوف يعتمد على مصادر ذهنية لحل هذه المشكلة، ومعنى هذا انه سيختار من معلوماته الذهنية وقيمه النفسية شعورياً ولا شعورياً.. وبما إن النفس هي المنظار الذي نرى من خلاله كل أمور حياتنا، وإننا خلال مرحلة نمونا نتعلم أن نربط بين أحاسيس وادراكات وانفعالات خاصة وبين أعضاء معينة في أجسامنا، فان هذه الارتباطات والأحداث جميعها لابد وان تجعل الفرد يتأثر بصورة ذاته عند القيام برسم صورة ما، وعليه فرسم الفرد لأي شكل ما هي إلا إسقاط لتصوره عن نفسه وجسمه ومعتقداته بشكل مباشر أو بشكل رمزي مقنع للمتلقين على اختلاف ثقافاتهم واذواقهم.

ونلاحظ أن العديد من الدراسات التي تعتمد الرسم أسلوباً لفهم الشخصية قد استعانت بمفاهيم مختلفة  كمفهوم الحتمية السيكولوجية ، ومفهوم رمزية الدوافع اللاشعورية، بغية التأكيد على مبدأ أن لكل سلوك او اسلوب فني يقوم به الرسام كفرد مهما كان مستغرباً له دلالاته ودوافعه السيكولوجية الشعورية واللاشعورية..  فليس بالضرورة ان  يفهم الإسقاط في الرسوم بوضوح وببساطة للمتلقي، ففي بعض الحالات يقوم الرسام بإظهار خلجاته النفسية او بعض من معتقداته الدينية أو صفة من صفات الشخصية عن طريق التعويض على سبيل المثال، فقد نلاحظ في رسوم فنان ما انه يعاني من الهزال الجسدي الشديد فيكون تركيزه على رسم الاجسام الضخمة تعبيراً منه عن رغبات عميقة الجذور في حياته الشخصية.

كما تفيدنا نتائج العديد من الدراسات في مجال الشخصية والرسم.. إن الإسقاطات النفسية في مجال الرسم تعكس أيضاً تأثر الأفراد بعوامل أخرى كاتجاهاتهم نحو أشخاص مهمين في حياتهم مثل الوالدين أو متأثرين بتجارب حياتية فردية او مجتمعية او حوادث مؤلمة أثارت فيهم أحاسيس انفعالية معينة اثرت باتجاهاتهم الفنية ورؤاهم نحو المجتمع والحياة من ناحية عامة .

ومع اختلاف طرق تحليل الرسوم واختلافاتها الفرعية يمكن أن نلحظ ذلك  في ثلاث نقاط مهمة تبدأ  بتحليل الرسوم من ناحية الشكل، ثم دراستها دراسة تخطيطية ثم بعدها تتم دراسة محتواها في ضوء بعض الطروحات البحثية النفسية،  بالإضافة إلى السيكولوجيا الشخصية للمتلقي الذي هو الأساس في الدراسة والفهم .

وعلى ذلك علينا قبل كل شيء أن نتعرف على الفنان من خلال عمله، لا من خلال اعترافاته أو تصريحاته مهما كان نوع الظروف أو الملابسات التي أحاطت بإبداعه الفني،  فان الخبرة الفنية الجمالية هي التي تعرفنا بحقيقة الفنان ومن شأن الموضوع الجمالي أن يحيلنا باستمرار إلى صاحبه فهو يتحدث باسمه  ويفصح عن علاقاته الإنسانية..  وان العمل الفني واللوحة تكشف لنا عن شخصية الفنان على نحو أفضل مما تفعله الاعترافات ومدى صدقها،  فإننا حين نقرأ عن سيرة فنان أو اعترافاته مثلاً، نقوم في الوقت نفسه بالمواجهة والمقارنة بين ما يقوله لنا وما نعرفه عنه، وليست هذه المعرفة سوى النتيجة التي توصلنا إليها من اطلاعنا السابق على بعض من أعماله من خلال القراءة الواعية لما بين السطور بلغة الصور الجمالية والشحنات الوجدانية التي تحملها اعماله الفنية،  والتي تحمل أبعاداً نفسية لها دلالاتها التي تترجم للمشاهد خطوط الطريق إلى معرفة سمات هذه الشخصية المبدعة، وبالتالي فهم المغزى من ابداعه الفني في اللوحة، فقد يكون في وسعنا أن نتذوق هذا العمل الفني أو ذاك دون أن نكون على معرفة بصاحبه، ولكن ستكون الحقيقة ناقصة.. فمن المؤكد إننا لن نستطيع الحكم على أي عمل ابداعي دون أن تكون لدينا أدنى معرفة بالفرد الذي حققه، فكما يقال ( على نحو ما تكون الشجرة .. تكون ثمارها )، وهنا نستطيع القول ان خبرة الفنان المعاشة وما مر به من احداث لها الاثر الاكبر في تحديد شكل فنه ومضمونه  الذي قد يكون بعيداً عن التفسيرات النفسية كل البعد.

اعداد : سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً