وداع الشمس..

فنون إسلامية

2019-02-09

752 زيارة

في آخر يوم من حياة الزهراء سلام الله عليها ظهر بعض التحسّن على صحتها، وكانت بادية الفرح والسرور،  فقد علمت انه قد حان موعد اللقاء القريب مع أبيها المصطفى الذي غاب عنها وغابت معه عواطفه الفَيَّاضة..

فلَمَّا بدت للزهراء طلائع الرحيل عن هذه الحياة طلبتْ حضورَ سيد الوصيين، لتعهد اليه بِوَصِيَّتِها في أن يُوارِي جثمانها الطاهر في غَلس اللَّيل وأن لا يُشَيِّعُها أحد ممن ظَلمُوهَا، و أن يعفي موضع قبرها.. ثم عمدت إلى ولديها الحسن والحسين فَغَسَلت لهما، وصنعت لهما من الطعام ما يكفيهم يومهم، وأمرتهما بالخروج لزيارة قبر جدّهما، وهي تلقي عليهما نظرة الوداع وقلبها يذوب من اللوعة والوجد، فخرج الحسنان عليهما السلام وقد هاما في هواجسهما التي أغرقتهما بالهموم والأحزان.. وما لبثا حتى رجعا الى الدار فلم يسمعا صوت امهما الزهراء ،  فبادرا بسؤال أسماء عن أمّهما، فما كان منها الا ان تخبرهما وهي غارقة في البكاء قائلة : يا سيدي إن أمّكما قد ماتت، فأخبرا بذلك أباكما .

هرع الحسنان  مسرعين إلى جثمان امهما الطاهر، فوقعا عليه واخذ الحسن يقول : ( يا أُمَّاه ، كلميني قبل أن تفارق روحي بدني ).. وقد ناداها الحسين ايضاً وهو يعج  بالبكاء قائلاً : ( يا أُمَّاه ، أنا ابنك الحسين كلميني قبل أن ينصدع قلبي ).. فهرعا إلى أبيهما في مسجد رسول الله وقالا بأعلى صوتهما : ( أَوَ ليس قد ماتت أُمُّنا فاطمة ).. فاضطرب أمير المؤمنين عليه السلام، وهزَّ النبأ المؤلم كِيانَه وطفق يقول : ( بمن العزاء يا بنت محمد كنتُ بِكِ أتعزَّى، فَفِيمَ العزاء من بعدك ) ؟

وهم عليه السلام  مسرعاً إلى الدار وهو يذرف الدموع، ولما ألقى نظرة على جثمان حبيبة رسول الله أخذ يردد منشداً :  

لِكُلِّ اجتِمَاعٍ مِن خَلِيلَيْنِ فِرقَةٌ وَكُلُّ الَّذي دُونَ الفِرَاقِ قَليلُ

وَإِنَّ افتِقَادِي فَاطماً بَعدَ أَحمَد دَلِيلٌ عَلى أَنْ لا يَدُومَ خَلِيلُ

وهرع الناس من كل صوب نحو بيت علي وفاطمة وهم يذرفون الدموع على وديعة نبيهم  فقد انطوت بموت الزهراء صفحة اخرى من صحفات النبوة، وتذكروا بموتها عطف رسول الله عليهم، وقد اهتزت المدينة من البكاء والاسى.

عهد امير المؤمنين إلى سَلمَان المحمدي أن يقول للناس بأن مواراة بضعة رسول الله تأخّر هذه العشية ، وتفرق المعزين حتى مضى من الليل شَطرُهُ ، فقام امير المؤمنين ومعه أسماء والحسنان ، وقد أخذت اللوعة بمجامع قلوبهم وادرج الزهراء في أكفانها ودعا بأطفالها ليلقوا عليها النظرة الأخيرة ، وقد مادت الأرض والسماء من كثرة صراخهم وعويلهم حتى نودي من السماء بأن ( يا أبا الحسن، ارفعهما عنها، فلقد أبكيا والله ملائكة السماوات، فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب..).

ولما حَلَّ الهزيع الأخير من الليل قام ( عليه السلام ) فصلّى عليها ، وعهد

الى الصفوة من أصحابه الخُلَّص وأهل بيته أن يحملوا الجثمان المقدّس إلى مثواه الأخير-  فلم يشهد تلك المراسم القدسية مع ملائكة الله المقربين وأهل بيتها الطاهرين سوی نفر سلمان والمقداد وأبو ذر وعمار رضوان الله عليهم أجمعين-..

أودع امير المؤمنين الزهراء  في قبرها وأهال عليها التراب، ووقف على حافة القبر الشريف، وهو يروي ثراه بدموع عينيه ، واخذ يشكو للرسول ما ألم بأبنته من الخطوب والنكبات ومن الظُلم والضَيم في تلك الفترة القصيرة الأمد التي قد عاشتها من بعده  قائلاً : ( السَّلام عَليكَ يا رسولَ الله عَنِّي وعنِ ابنَتِك النَّازِلَة في جوارك.. السريعة اللحاق بك.. قَلَّ يا رسولَ الله عن صَفِيَّتِك صَبرِي، وَرَقَّ عنها تَجَلُّدِي، إِلاَّ أنَّ في التأسِّي بِعظِيم فرقَتِك وَفَادحِ مُصِبَيتِك مَوضِعَ تَعَزٍّ ، فَلَقد وَسَّدتُكَ فِي مَلحُودَةِ قَبرِك ، وَفَاضَت بَينَ نَحري وصَدرِي نَفسُكَ .

إِنَّـا لله وإنَّا إليه راجعون ، لقد استُرجِعَتْ الوَديعةُ ، وأُخِذَتْ الرَّهينَة ، أمَّا حُزنِي فَسَرْمَدْ ، وَأمَّا لَيلِي فَمُسَهَّدْ ، إلى أَنْ يختارَ اللهُ لي دارَك التي أنتَ بِها مُقيم ، وَسَتُنَبِّئُكَ ابنتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ على هَضمِها.. فَاحفِهَا السُّؤَالَ  واستَخبِرْهَا الحَالَ ) .

السلام على الحاضرة في ضمائر المؤمنين في كل زمان ومكان.. كما هي حاضرة في ضمائر الأحرار والحرائر من أبناء آدم وبنات حواء..  ذلك لأنها نموذج الحق وقمة الإيمان ورمز لتحدي الظلم ومواجهة الطغيان ..

اعظم الله لنا ولكم الاجر بحلول ذكرى الفاجعة الفاطمية الأليمة والمصيبة العـَظيمة ذكرى شهادة السيدة الصديقة  الشهيدة المظلومة المغصوب حقها والمظلوم بعلها والمكسور ضلعها فاطمة الزهراء بنت رسول الله عليهما الصلاة والسلام .

**اللوحة من ابداع الفنان التشكيلي حسن روح الامين، وهي جزء من سلسلة اعمال فنية رائعة جسد فيها فاجعة استشهاد بضعة رسول الله السيدة الزهراء سلام الله عليها ونقل جثمانها  الطاهر في جوف الليل ليوارى الثرى..

اعداد

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

 

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً