يد تسكب الضوء ..

فنون إسلامية

2018-09-17

643 زيارة

لا شك أن اهم فضائل التأريخ عامة والإسلامي خاصة أنه وفر مفهوماً جمعياً لكل حوادث الماضي، وأحد فضائل الرسوم الشعبية الدينية أنها وثقت تلك الحوادث بصيغة فنية، والجميل فيها أنها تستلهم الموضوع دون تعقيد ، فما أن يستحضر الرسام مكان الحدث حتى يضع فيه مجموعة من الرموز يستدل من خلالها المتلقي على الموضوع مضافا اليها ذات الرسام الذي يتحد وجدانياً مع الحدث فيزيد عليه ويجمله تبعاً لعقيدته.
وقد شكلت واقعة الطف واستشهاد ابي الاحرار الحسين بن علي (عليهما السلام ) مادة غنية لكثير من الفنانين على مختلف اختصاصاتهم، فأنتجوا أعمالاً فنية تشبيهية وصفية لا تخلو من الاستقراء لتداولية الواقعة وموروثها الشعبي فاستوعبوا أبعادها ووظفوها في أعمالهم الفنية، أذ لم تكن عاشوراء مجرد حادثة تاريخية عابرة، وإنما كانت ثورة دينية وسياسية لها أبعادها الانسانية والفلسفية التي تضمنت مفاهيم وقيم وتقاليد عالية اصبحت أساس تخليدها عبر العصور.
التشبيه هو التفنن بإبراز الصورة الفنية للشكل واستقراء دلالتها الحسية ،عن طريق تسخير حرفة المحاكاة في تكوين الاشكال بصور مبتكرة وبالوان وأزياء متنوعة - قد لا تكون موجودة فعلاً ولم تجر بها العادة من قبل -  لا تُميز ألا بملاحظة مجموعة العلاقات الفنية في التشبيه، فعند ضم بعضها للبعض الآخر تبدو محسوسة متعارف عليها وذات قوة وصفية . 
من هنا تدرك القدرة الإبداعية للتشبيه في تكيف الصورة وايضاً من خلال التحديد وقوة الخط في بناء الاشكال .. وقد ذكر ابن الاثير في هذا الصدد ان التشبيه لا يكون تشبيهاً الا حينما يجمع ثلاث صفات هي – المبالغة والبيان والإيجاز- ولغرض استقراء جمال التكوين الفني ومطابقة اشكاله لمضامينها لابد من الرجوع الى ما جاء من أوصاف المُشبه .
فالتشبيه وصف بأن أحد الموصوفين ينوب مناب الآخر بأداة التشبيه ( الرسم او التمثيل ) ناب منابه أو لم ينب، ويصبح تشبيه الشيء بالشيء جملة، وأن شابهه من وجه واحد، وبذلك تتحول الصورة الإبداعية لأي شخصية مشبهة علامة دالة ومفهومة لدى المتلقي ويزداد الفهم لأدراكها بشكل أوسع أذا ما ارتبطت بدلالات وعلامات مرتبطة بها.
اللوحة اعلاه تمثل جزءاً من سلسلة اللوحات الفنية التشبيهية التي جسدت مظلومية اهل البيت "عليهم السلام" بعرض بعض وقائع معركة الطف بأرض كربلاء، نفذها الفنان الايراني المبدع ( حبيب الله صادقي ) مستعرضاً فيها تشخيصا رائعاً للمولى ابي الفضل العباس " عليه السلام " وهو يغترف مياه العلقمي والجود معلق على كتفه، بغية نشر ثقافة عاشوراء وثورة الحسين " عليه السلام " انطلاقا من مبدأ ربط الماضي بالحاضر من خلال طروحاته الفنية الاسلامية المميزة .
شُيد التكوين الجمالي بصيغة مسطحة وفق مستوى شكلي وآخر دلالي ..اما الشكلي فقد ميزه الفنان بأن يكون العمل مفتوحاً حاضناً لكل العلاقات اللونية والخطية والتنظيمية بغية انتاج أشكال تقترب من فكرة الموضوع الأساسية، اما الدلالي فقد كان من خلال إرساله لمجموعة من العلامات المدركة جمعياً في الذهن، والتي يستدل من خلالها إلى شخصية المشبه (ابي الفضل العباس على المشرعة) له بغض النظر عن البحث في عملية التطابق أن صحت أم لم تصح، ولذلك أصبحت الراية والقربة و الماء و النخيل والخيام والعطاشى من اللوازم عند استحضار الشخصية .
أن أدوات التعبير الأساسية لدى الرسام لا يمكن لها أن تبني شكلاً دون الرجوع إلى مرجعياته التاريخية والعقائدية في مثل هذه المواضيع،  ولذلك حاول صادقي أن يتمثل الجمال الطبيعي في أشكال وألوان الفارس والفرس والماء ، فكانت اللوحة جميعها عنصراً رئيساً سيادياً فهي كل الموضوع، وبدأت العملية التنظيمية والتنسيقية في بناء الاشكال بطريقة نحتية دقيقة حولت ريشة الرسام إلى أزميل نحت يصوغ بدقة عالية بناء شكله عبر الاعتناء بخطه ولونه، فالروايات تنقل جمال ابي الفضل وحسن مظهره لتناله اعلى درجات الأناقة الوجدانية والعاطفية.
تم بناء تشبيه قمر بني هاشم عبر استقراء أوصاف الشخصية الكريمة من المرويات ، حيث تم بناء الشكل بعناية ودقة وهو يحمل الراية والقربة والسيف وتسقط المياه من يده حتى تعطي للمشاهد إحساسا بملمس الماء وجريانه، والتي أظهرها الرسام بشكل مؤكد حتى وأن أدى ذلك إلى مخالفة موقعها أو حجمها في تناسق الاشكال في اللوحة، فرسوم الطف رسوم روحية فكرية قبل أن تكون رسوم شكلية مادية، فانسابت هنا الخطوط بالتماعات لونية رائعة تنبعث منها الانوار لتعطي احساساً بقدسية المُشبه وتحقيق مهمة الفن الجميل بأن يحقق اعلى تأثير في المجتمع من خلال فرض سطوته على عواطف ووجدان المتلقين من استأناس او رفض للموضوع .
سامر قحطان القيسي
الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً