ن والقلم

فنون إسلامية

2018-04-16

1898 زيارة

اللوحة اعلاه من ابداعات الفنان التشكيلي العراقي الموصلي وليد شيت طه وقد نفذت عام 1998م بأسلوب فن التلصيق (الكولاج) بابعاد 50سم×70سم ، والكولاج فن متميز عن غيره من الفنون ، إذ يعتمد على قص ولصق عدة خامات مختلفة معا في لوحة واحدة ، وقد لعب هذا الفن دورا بارزا في القرن العشرين باعتباره نوع من أنواع الفن التجريدي ، وترجع نشأته الاولى لبلاد الصين واختراع الورق في القرن الثاني الميلادي و استخدامه المحدود وصولا الى القرن العاشر الميلادي حيث استخدم الخطاطون اليابانيون القصاصات الورقية لكتابة الشعر عليها ومنه الى سائر البلدان الاخرى .

يمثل الموضوع تكويناً تجريدياً لبعض من الآية الكريمة (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) ، وقد شكلها الفنان بخبرته واحساسه على هيئة رموز صريحة تتمثل بحرف (ن)  الذي ساد المشهد وتمركز فيه ، حيث وظفه الفنان رمزاً إسلامياً مقتبساً من القرآن الكريم وما يحمله من مناخ مشحون برمزية عالية ونورانية وقدسية ، فضلاً عن جمالية شكل الحرف وانحناءته اللطيفة  واحتضانه للنقطة ، ووظيفته اللغوية الايصالية التي تُعدّ ذات دلالة اجتماعية ، في حين مثل الحرف ( و )   عنصر ربط و حملَ نفس القدسية والدلالة  لوروده في الآية  الكريمة كحرف عطف ، أما الرمز الآخر فهو شكل القلم  الذي تعارف عليه بأنه رمز العلم ، ومثله الفنان بصورته الفوتوغرافية ليضمنه مضموناً رمزياً للعلم والثقافة الإسلامية  وتحولت صورته من شكل اللفظ الى الشكل الواقعي ليفصح شكله عن مضمونه بكونه رمزاً للعلم والثقافة  ، واوجد الفنان نوعاً من العلاقة بين شكل الحرف وشكل القلم  بكون القلم أساس الكتابة  ، وليمنح المشهد قيمة تشكيلية باعتمادها على التضامن بين الحرف وصورته الواقعية المحملة بالمضامين الرمزية للقدسية المستمدة من آيات القرآن الكريم التي امتازت بجلال المعنى وجمال المبنى .

عمد شيت في اللوحة  الى استخدام جزء من صحيفة على شكل مستطيل عمودي ، لون الجزء الأعلى منها بهيئة تكوين زخرفي معتمداً على مثلثين متجاورين أسفلهما دائرة  ضبابية سوداء ، وقسم كل منهما إلى أربعة مثلثات اثنان بلون ازرق  والآخرَان التصقا ليشكلا معيناً بلون اسود ، وفي وسط المثلثين الرئيسين مثلث تقع قاعدته على نفس خط قواعد المثلثات الأخرى ، ولون أسفل هذا التكوين بلون بني فاتح وشفاف متدرج الى وسط المنجز لتظهر من خلاله كتابات الصحيفة  كما استخدم اللون  الاصفر  بمساحة صغيرة  وبشكل عشوائي  ، أما النصف الأسفل من الصحيفة فلصق عليه شكل حرف ( ن ) ملوناً بالأبيض ثم الأصفر في نصفه الأيمن والأزرق يليه الأسود في النصف الأيسر، ونقطته بلون وردي، ولصق أسفله من جهة اليمين حرف ( و ) برأس أسود وقمة زرقاء وذنبه بلون احمر ، في حين وضع في الجهة اليسرى  وبنفس المستوى تقريباً صورة  صغيرة لقلم  ملون وردي، لتشكل هذه المفردات بشكل مثلث تاركة ظلالها على  مساحة من الصحيفة.

  إن التكوين البنائي الممثل بأسلوب التلصيق (الكولاج) يتضمن مساحتين رئيسيتين احتواهما المشهد العام ،النصف الأعلى ضم المساحة الأولى التي وقع فيها التكوين الزخرفي المكون ، حيث وازنه الفنان بالمساحة الأخرى التي حملت التكوين الهرمي لأشكال حرفي ( ن) ، ( و )  وصورة القلم  ليستقر ويتوازن بذلك شكل المشهد العام ، ويعتمد الفنان على الخطوط الصريحة في الإحاطة بأشكاله الزخرفية في ملء المساحة الوسطى والعليا للمنجز بخطوط عشوائية وباتجاهات متعددة ضمن فضاء الصحيفة ليكمل من توازن المشهد وليمنح المشهد ايقاعاً حركياً.

   أما شكل التكوين الثلاثي  وتحديداً حرف ( ن ) فقد شكل نقطة جذب لعين المشاهد ليكون مركز الاهتمام البصري  والعنصر السيادي  ، أما الفضاء العام للمشهد فيمكن الإحساس به حول أشكال الحروف والتكوين الزخرفي بالرغم من مساحة الصحيفة المليئة بالكتابة ، فضلاً عن إن الفنان اوجد نوعاً من الإيهام البصري بتركه ظلالاً للحروف   التي بدت وكأنها لصقت على سطح زجاجي يعتلي الصحيفة ، ليمنحها قيمة جمالية ،كما استخدم الفنان مجموعة من الألوان الصريحة كالأبيض والأصفر والأسود والأزرق  والأحمر والبني  والوردي في تشكيل مفرداته فتلونت حروفه وتكوينه وملئت مساحات المشهد بالألوان والخطوط على وفق تشكيل منسجم ومتجانس محققاً شكلاً جمالياً يضاف إلى جمالية التكوين  ، كما يمكن ملاحظة الإنارة والظلال في صورة القلم الفوتوغرافية .

و من خلال تأمل المشاهد لتفاصيل اللوحة بدقة عالية سيلمس ان علاقة الحروف الملصقة بالإشكال الأخرى المكونة للمشهد وتعبيرها عن الآية الكريمة قد احال الحروف إلى رموز إسلامية خالصة لورودها ضمن النسق العام الممثل بالرموز الأخرى ، أما ما تبقى من الآية الكريمة وهي كلمة (وَمَا يَسْطُرُونَ) فيبدو ان الفنان قد اشار اليها بالصحيفة التي تعد رمزاً للنشاط الفكري والكتابة ، كما وظف الفنان الزخرفة الهندسية بأشكال المثلثات وضمنها مضامين رمزية تمثلت بدلالات الخصب في الحضارة الرافدينية ، في وقت استخدمت لتكسب المشهد قيمة جمالية خلال موازنتها للتكوين الهرمي فضلاً عن القيم التشكيلية والتعبيرية والفنية الاخرى .

 

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً