النص الكامل للخطبة الثانية لصلاة الجمعة بإمامة السيد احمد الصافي في 15 ذي القعدة 1437هـ الموافق 19 آب 2016 م

منبر الجمعة

2016-08-19

3297 زيارة

أخوتي اخواتي ... أعرض على مسامعكم الكريمة بعض ما بينه القران الكريم من بعض الأمور الاجتماعية التي عادة ما نحتاج الى البصيرة فيها والتركيز على هذه المضامين التي قد يبتلى بها ، وفعلا ً قد ابتلينا بها ..

قال الله تبارك وتعالى في سورة الأنعام : (( وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )) (الأنعام ـــ 152) .

طبعاً هذه الآية الشريفة وما سبقتها من آيات ، هناك ترابط ما بين بعض الظواهر التي بينتها لنا هذه الشريعة السماوية ، هناك حالة شخصية على الانسان عليه ان يبتعد عن بضع الاشياء التي حرمها الله تعالى، وهناك حالة ترتبط بالشخص لكن في الوقت نفسه لها بعض الارتباطات الاجتماعية .. الآية الشريفة ذكرت مجموعة أشياء نستعرضها :

المضمون الأول في الآية الكريمة : (( وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ )) .

المضمون الثاني في الآية الكريمة : (( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا )) .

المضمون الثالث في الآية الكريمة : (( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون )) .

هذه ثلاث أشياء ذكرتها الآية الشريفة ...

الموضوع الأول في الآية الكريمة : (( وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ ... )) .

هذا النهي عن أصل القرب من الفعل يدل على ان ذلك الفعل فيه مشاكل كبيرة وخطيرة .. لا تقرب لا في ذهنك ولا في فعلك .. خصوصاً اذا كان الامر يتعلق بأموال الضعفاء .. من هذا الضعيف ؟ هو اليتيم .. اليُتم ابتلاء المجتمع به وليس ابتلاء الشخص نفسه ، واليتم ليس عيباً وانما اليُتم هو حالة من ابتلائنا اتجاه اليتيم ولذلك الخطاب ليس لليتيم باعتباره صغير والخطاب لنا .. والمخاطب لابد ان يكون عاقلا ً رشيداً حتى يتوجه له الخطاب .. مال اليتيم لا تقربه الا بالتي هي احسن لأنك امين على مال اليتيم .. واليتيم واضح هو من فقد الاب والجد من جهة الاب .. وهذا اليتيم امانة عندكم لا تقربوا هذا المال وانما هذا المال له ومن حقه الى ان يبلغ اشدّه وان يكون بالغاً رشيداً عاقلا ً وفي تلك الحال المال ماله وهو احرى ان يتصرف به وهو حاله حال بقية العقلاء .. لكن انتم لا تقربوا مال اليتيم .

هذه الكلمة نقولها لكل ما يبتلي بهذه المسألة ؛ احذر ان تتصرف بأموال اليتيم تصرفات بخلاف مصلحته او فيها مفسدة والعياذ بالله .. لا تأخذ المال لك ؛ انت أمين وهذه فيها مشاكل اجتماعية خطيرة ؛ كم عم او خال او قريب لعب بأموال اليتيم وهو يتبجح اني قد اكلت الاموال وبالنتيجة ينتظر عاقبة هذا الامور .

أخواني ... المال الذي يكون للآخرين لا يحق لأحد ان يتصرف به ، وان هذه المسألة اشمل من ان نتكلم عنها في حدود معينة انما تحتاج الى سعة ولكن الآية الشريفة تحدث عن هذا الامر مال اليتيم لا تقربوه .

بالعكس أخواني ؛ نحن مأمورون ان نهتم ونرأف باليتيم ونضع خدماتنا تحت تصرف هذا اليتيم ، خصوصا الأيتام الذين فقدوا ابائهم في مشاريع وطنية ودينية .. الآن نبتلى بذلك .. لابد ان نرعاهم ونشعرهم انهم ليسوا ايتاماً وانما موجود من يتكفل بهم ويحنوا عليهم .

ثم بيت الآية الشريفة : (( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا )) .

هذه المسألة الابتلائية الاجتماعية وذكرنا في الخطب السابقة حول مسألة الربا .. الايفاء بالكيل والوزن ايضاً مسألة اجتماعية .. كيف تكون المعاملات فيما بينهم ويدخل الشيطان والنفس المريضة الى ان يسرق من الكيل والميزان .

القران الكريم يبين (( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ )) هناك وفاء هذا المال في مقابله كيلو من المادة الفلانية مثلاً وفاء هذا الكيلو بمقدار من المال .. لا تخدع ولا تسرق .. لماذا لأنها ستكون آثار وخيمة عليك ..

كثير من الناس الذين كانوا يمارسون هذا الفعل ثم التفتوا لاحظوا الاثار التي كانوا يمرون عليها .. الشيطان يعدكم الفقر .. الإنسان يعمل الشيطان يسوّل للإنسان ويجعله يسرق بطريقة مخفية حتى تتجنب الفقر فاذا كان مدخولك اليومي مثلاً 100 دينار فان مدخولك مع الخيانة سيصبح 300 دينار .

راقبوا هؤلاء الأشخاص ستجد ان هذه المئتين الاضافية جرتّه الى وبال كثير وجاره الذي ربح مئة قد وفقه الله .. وهذا صاحب المئتين دينار الزائدة قبل ابتلي بابتلاءات كثيرة لأن هذا مال حرام لا يملكه فترى هذا المال الحرام كالأرضة ينخر فيه الى ان يهلك .

نحن قد لا نعرف مصلحتنا والله تعالى يرأف بنا ويقول اعملوا عمل واوفوا بالكيل والميزان .. لعلك تقول على نحو الدقة لا استطيع .. ولذلك بعض المفسرين يقول هذه الآية : (( لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا )) إشارة لدفع هذا .. أي على نحو الدقة لا استطيع .. فاعمل بمقدار ما تستطيع .. اما انت تخالف وتتعمد ان تسرق فهذا الشيء المبغوض .

ثم قال جل وعلا : (( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون )).

حقيقة هذه المؤسسة إبتلائية يبتلى بها السياسي او الاجتماعي صاحب المؤسسة او ... والإنسان اذا أراد ان يقول أي قول لابد ان يجرّد الحقيقة من كل شيء وتبقى الحقيقة بما هي الحقيقة، اما اذا كان ذا قربى يحاول ان يسوّق الكلام ويحرفه الى جانبه او يحرفه عنه ان كان يتضرر بالحقيقية، القران الكريم يقول لا توجد محسوبيات في هذه الأوامر اذا قلتم اعدلوا .. لابد ان عندما تتصدون لأي شيء لابد ان تعدلوا وتضعون الأمور في موازينها ومواقعها الصحيحة ، اما اذا كان ذا قربى يتبدل الكلام له او ضد عدوه فلا، وهذه مسألة يُبتلى بها الناس لأن طبع الانسان يميل الى القريب ويحاول ان يجر الى هذه الاواصر .. القران الكريم يقول في موازين العدالة هذه غير مقبولة .. نعم لابد ان نتواصل مع الارحام وقطيعة الرحم من الكبائر ولكن ليس بهذه الطريقة .. نعم لابد ان نتواصل مع الأرحام وقطيعة الرحم من الكبائر ولكن هذه في الالتزامات الشخصية التي ليس لها اثر على الأخر اما في مقام اخر بالمرافعات والاقارير والخصومات فلا تميلوا ولا تذهب بك المذاهب الى حيث القريب لا تمل ولا تلتفت الا الى الحق وهذه المسألة في غاية الأهمية لأنها تعطي استقامة ولابد  الإنسان ان يكون مستقيما لا يقدم أخاه او قريبه على الأخر لمجرد انه قريب فهذه المسألة مذمومة والقران الكريم لا يقبل وطبعاً كلما تصدى الإنسان لمسؤولية وكلما كثر وزنه كلما صدحت وصرخت فيه هذه الأية اعدل ولا تأتي بقريبك لا تمل اليه وإنما مل الى الحق .. قد يكون عنده حق و لكن انت لا تمل الى القريب وانما مل الى الحق .. وهذه الآية واضحة ( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى )..

الإنسان واقعاً تسوّل له نفسه اشياء واشياء وهو يبتعد عن الحق وكلما تصور انه يقترب يبتعد .. تصورات عند بعض الناس تصورات وهمية لا تحل المشكلة .. هذا النهج هو الذي يحل المشكلة .. واقعاً اذا عملنا بهذه الوصايا والتعاليم تكون عندنا مشكلة واذا كل انسان عرف قدر نفسه وعرف ما له وما عليه هل ستكون هناك مشكلة ؟ لكن عندما تغيب الرؤية تختلف هذه المفاهيم عندنا ونحاول ان نقع في مشاكل لا تبدأ ولا تنتهي .

نسأل الله سبحانه وتعالى ان نكون اوفياء بعهد الله تبارك وتعالى وان نلتزم بما وصانا به وعلا والحمد لله رب العالمين .

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً