الخطبة الثانية لصلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 27/ربيع الآخر/1440هـ الموافق 4 /1 /2019م :

منبر الجمعة

2019-01-04

408 زيارة

ايها الاخوة والاخوات ما زلنا في سلسلة حلقات هذا الموضوع العام (ظواهر مجتمعية تهدد المنظومة الاخلاقية للمجتمع والتعايش الاجتماعي)، وسبق ان ذكرنا في هذه السلسلة الحلقة الاولى ظاهرة العنف ثم ذكرنا ظاهرة تقديم المصالح الخاصة على المصالح العامة وها نحن ذا في هذه الخطبة الثانية نتعرض الى ظاهرة مجتمعية اخرى وهي (التسقيط الاجتماعي للشخصية الاجتماعية للآخرين) عنوان هذه الظاهرة (التسقيط الاجتماعي للشخصية الاعتبارية للآخرين) :

ونعني بالشخصية الاعتبارية هي المكانة والمنزلة الاجتماعية التي تكون للشخص او المكون الاجتماعي الناشئة من مقومات بناءه الديني والاجتماعي والثقافي والاخلاقي والاقتصادي والسياسي أو لكونه انساناً مع قطع النظر عن وجود هذه المقومات..

الان كل شخص له مقومات مثلا ً بناء ديني او فكري او ثقافي او اخلاقي اواجتماعي ينشأ لهذا الشخص من هذه المقومات منزلة اجتماعية ومكانة اجتماعية نسمي هذه المنزلة و المكانة بالشخصية الاعتبارية وان لم يحمل تلك المقومات.. لكنه انسان لكونه انسان له منزلة ومكانة اجتماعية، تارة تمارس هذه الظاهرة التسقيط الاجتماعي لشخص وتارة لمكوّن وهي الاخطر، تارة عندنا اسرة بسيطة عادية وتارة اسرة لها مكانة دينية او اجتماعية  وتارة عندنا كيان ديني وكيان مذهبي وكيان اجتماعي وهكذا نسميه مكوّن، تارة هذا المكوّن يُستهدف بالتسقيط الاجتماعي وهو الأخطر..

الآن نبيّن ما أهمية الشخصية الاعتبارية، الآن هذا الانسان مخلوق اكرمه الله تعالى وشرّفه وفضلّهُ على بقية المخلوقين، هذا الانسان بما له من كرامة انسانية مع قطع النظر له دين او فكر او كذا هو انسان اكرمه الله تعالى وفضلّه وشرّفهُ على بقية المخلوقين بل سخّر له الكون بلِحاظ انسانيته وكرامته الانسانية لابد ان يكون له منزلة اجتماعية الانسان بصورة عامة لديه حاجة فطرية ويحتاج الى هذه المنزلة كضرورة اجتماعية حياتية فهذا امر ضروري في حياتنا من حيث انسانيتنا ومن حيث احتياجنا الحياتي المعيشي المادي والمعنوي هذا الانسان هو يحتاج بما انه انسان لابد ان تُحفظ كرامته ولابد ان تُحفظ انسانيته التسقيط الاجتماعي يتنافى مع فطرة الانسان بصورة عامة والاخلاق الانسانية بصورة عامة يتنافى مع ضرورة حفظ كرامته وانسانيته، وتارة عندنا انسان يضاف الى انسانيته وكرامته لديه مقوّم فكري واخلاقي وديني ولديه احتياج الى ان يكون مقبول ومحترم ومقدّر عند الاخرين حتى يتعاون معه الاخرون ويتعاونون معه ويقضون حاجاته.. هل يوجد أحد منّا لا يحتاج الى الاخرين ؟!! لا يحتاج الى الاتصال مع الاخرين لا يحتاج ان يزوّجه الآخرون لا يحتاج ان يكون الآخرون معهُ متعاونون اقتصاديا واجتماعياً ومالياً وهكذا في بقية شؤون الحياة كلُ واحد منّا يحتاج الى ان يتعاون معه الاخرون ويتعاضد معه الاخرون من اجل قضاء الحاجات الحياتية المعنوية والمادية حتى في ثقافتنا وحتى في علومنا غير الاحتياجات المادية هذا يتوقف، اذا أنا كُنت مقبول و محترم ومُقدّر حُفظِت شخصيتي الاعتبارية حينئذ ستوفّر لي مقومات الاحتياج المادي والمعنوي أما لو هُدرت كرامة هذا الشخص واُسقط اجتماعياً سيبتعد ويَنُفر الناس عنه، أولا ً سيعاني من الاضطراب النفسي نتيجة هذا التسقيط، ثانياً سيعاني بأن المجتمع سوف لا يتعاون معه لقضاء حاجاته المادية والمعنوية، الخطورة أين تكمن اخواني؟؟

تارة طبعاً هذا يؤشر وجود خلل ديني اخلاقي ثقافي، تارة يمارس على مستوى افراد قلائل لأن المجتمع يُنكر ويتشدد في الانكار على هذه الظاهرة فيبقى قلّة يمارسون مثل هذا الامر المنافي للدين والاخلاق والعرف الانساني والفطرة الانسانية، تارة يُمارس على مستوى عدد كبير والمجتمع لا يُنكر ولا يكترث بهذه الظاهرة التي تؤدي الى الكثير من المخاطر على مستوى الفرد والمجتمع وقد تؤدي الى نزاعات وصراعات في داخل المجتمع أقلّها هو مسألة الاضطراب النفسي الذي يعيشه الفرد، لاحظ الان أي واحد منّا اذا سُقّط اجتماعياً وابتعد الناس عنه ونفر الناس عنه ولم يقضوا حاجاته ولم يتعاونوا معه.. كم يعاني من الاضطراب النفسي وعدم الاستقرار النفسي؟!

اذا مكوّن اجتماعي أي مكون الآن ديني اجتماعي ثقافي اقتصادي اُسقط اجتماعياً في نظر الآخرين كيف تكون العلاقات الاجتماعية بين هذا المكوّن وبقية المكونات مثلاً مكوّن ديني قومي مذهبي وهكذا اٌسقط اجتماعياً خصوصاً هذه الظاهرة تشتد آثارها مع وجود وسائل التواصل الكثيرة التي وصلت الى كل فرد وهذه الوسائل لها القدرة من التأثير العجيب على الآخرين بحيث تفعل فعلا ً سلبياً كبيراً وشنيعاً لدى الاخرين، هذا الفعل الان اذا تحول خطره الى ظاهرة مجتمعية هذا هو مقصودنا..اذا كان على مستوى افراد قلائل أمر سهل، اذا كان على افراد كثيرين واذا كان على مستوى المكونات مكوّن يسقط مكوّن آخر وكيان يُسقط كيان آخر اجتماعياً وسأبين انواع التسقيط فالخطورة هنا تأتي ستكون هذه الآثار مدمرة للمجتمع وتؤشر وجود خلل ديني وثقافي واخلاقي واجتماعي على مستوى واسع يحتاج الى وضع الحلول له..

هذا التسقيط الاجتماعي لو نأتي الى الروايات وفي لسان التأليف الاسلامي هل يوجد مثل هذا المصطلح؟ لا يوجد مثل هكذا مصطلح هذا مصطلح حديث يقرّب المعنى الى الذهن، في لسان الروايات تعبير آخر عنهُ وهو هتك حرمة المؤمن او انتهاك كرامته او هدم مروءة الشخص..

هذا التسقيط الاجتماعي بكل انواعه ما هي حرمته هل حرمته بسيطة ام عظيمة؟!

ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعِرضه).

لا نتصور اخواني ان البعض يفهم معنى العِرض هذا المعنى العرفي، (لا) معنى العرض هنا المنزلة والمكانة الاجتماعية للانسان الناشئة من المقومات التي ذكرناها، تسقيطه اجتماعياً بدون أي نحو من انحاء التسقيط يعتبر هنا هتك للعرض.

لاحظوا اخواني كم هي المنزلة العظيمة لحرمة الكعبة وهي بيت الله الحرام فكم نحن نحرص على ان لا ننتهك حرمة البيت الحرام لا بكلام لا بقول لا بمقالة لا بفعل لا بتصرف نحن حريصين على ذلك لأنها لها حرمة عند الله تعالى..، الاحاديث تقول ان حرمة المؤمن اعظم حرمة عند الله من حرمة الكعبة..

لاحظوا والتفتوا هؤلاء الذين يكتبون على صفحات التواصل لا يهتم ولا يكترث انسان يسقط انسان كيان يسقط كيان نهائياً مكوّن يسقّط مكوّن نهائياً..

لاحظوا اخواني قد نتصور هذا الامر بسيط واذا يوم القيامة تظهر لنا من اعظم الحرمات وكم من العقاب ينتظرنا ونحن نكتب ونصوّر ونشوه ونفتري ونطعن براحتنا وبكل سهولة وبساطة ويُسر ونتصور هذا الامر بسيط..

فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه توجه الى الكعبة وهو يطوف بها قائلا ً ما اطيبك واطيب ريحكِ، ما اعظمكِ واعظم حرمتكِ! والذي نفسُ محمد بيده، لحُرمَةُ المؤمن اعظم عند الله حُرمَةٌ منكِ، ماله ودمه، وان نظنَّ به الا خيرا.

وروي عن الامام الرضا (عليه السلام) فيما أوصي به السيد عبد العظيم بن عبدالله الحسني بقوله : (يا عبد العظيم أبلغ عني اوليائي السلام وقل لهم لا يجعلوا للشيطان على أنفسهم سبيلا ومُرْهُم: بالصدق في الحديث، واداء الامانة ومُرْهُم بالسكوت وترك الجدال فيما لا يعنيهم وإقبال بعضهم على بعض والمُزاورةِ فان ذلك قربةٌ اليّ ولا يشغلوا انفسهم بتمزيق بعضهم بعضاً فإني آليتُ على نفسي انه من فعل ذلك وأسخط ولياً من اوليائي دعوتُ الله ليعذبه في الدنيا أشد العذاب وكان في الاخرة من الخاسرين).

لذلك اخواني يلتفت الواحد منّا حينما يتكلم او يكتب احياناً ونصور بعض الاشياء وقد تجد عدد المشاهدات يصل الى عشرات الالاف.. انت حطمت هذا الشخص او الكيان ومزقته شر ممزق عند مئة الف او مئتي الف او اكثر.. يوم القيامة ماذا ستفعل؟! هل تستطيع ان تصحح سمعة هذا الشخص او العائلة او العشيرة او الكيان او المكوّن امام هذا العدد الكبير (سنكتب ما قدموا وآثارهم) لذلك لابد ان يلتفت الانسان الى هذه المسألة..

انواع التسقيط سنذكرها ان شاء الله تعالى في الخطبة القادمة لأن الموضوع طويل ويستحق من العناية والاهتمام لأنه من الظواهر المجتمعية الخطيرة التي تهدّد منظومتنا الاخلاقية والتعايش الاجتماعي السلمي.. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين..

حيدر عدنان

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة 

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً