الخطبة الدينية للسيد أحمد الصافي من الصحن الحسيني الشريف بتاريخ 15 جمادي الاول 1439 هـ الموافق 02 /02 /2018 م

منبر الجمعة

2018-10-09

253 زيارة

النص الكامل للخطبة الاولى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه ابي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، اللهم لك الحمد على سترك بعد علمك، ومعافاتك بعد خبرك، فكلنا قد اقترف العائبة فلم تشهره، وارتكب الفاحشة فلم تفضحه، وتستر بالمساوئ فلم تدلل عليه، فلك الحمدُ حمد الحامدين.

اخوتي اهل الشهامة والمروءة، ابنائي أمل البلاد وخدمة العباد، آبائي الذخيرة الغالية والشيبة الوقورة، اخواتي ربيبات الحياءِ والنجابة، بناتي الحسنات الباقيات، امهاتي صاحبات الدعوات المجابات السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.

اوصيكم احبتي جميعا بتقوى الله تعالى سراً واعلانا ليلا ونهارا غطاءً ودثارا، اعاننا الله تعالى على انفسنا كما أعان الصالحين على انفسهم، عظم الله لكم الاجر بشهادة سيدتي ومولاتي فاطمة الزهراء البتول الصديقة الراضية المرضية، سائلين الله تبارك وتعالى ان نوفق لزيارتها وان نكون من ضمن من تشفع لهم (سلام الله عليها) وان تقبل شفاعتها فينا.

أحب ان اكون بخدمتكم في ما يتعلق بالزهراء البتول (صلوات الله تعالى عليها) لأكثر من سبب، ولعل من اهم الاسباب هو ان الزهراء (عليها السلام) في وجودها المبارك القصير العمر الطويل الاثر كانت محطةً للاهتمام من قبل ابيها ( صلى الله عليه واله ) ومن زوجها ومن بقية الائمة الاطهار (عليهم السلام) والزهراء تمثل في عقيدتنا- عقيدة اهل البيت (عليهم السلام)- أمراً فارداً بل حملت بعض الآيات الشريفة على التفسير بها (سلام الله عليها)، ولعل سورة الكوثر من السور المباركة التي تذكرها مدرسة اهل البيت (عليهم السلام) لأنها تتعلق بالزهراء (عليها السلام).

في بعض الحالات اللفظ يمكن أن يكون له اكثر من معنى، فمثلا (الكوثر) عندما ينطبق على نهر في الجنة او ينطبق على الزهراء (عليها السلام) لعله من باب الشيء الباقي او الشيء المستمر خصوصا وان مناسبة هذه الآية جاءت رداً على من اتهم النبي (صلى الله عليه واله) بأنه ابتر، بمعنى انه سيموت وستنقطع ذريته، وعندما يصدح القرآن الكريم ويعبر قائلا:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ثم يرجع ويبين {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} وبالفعل هو الابتر الحقيقي فلا ذكر له ولا قيمة ولا مبادئ، واي اثر عملي لا يملك، وهذا بخلاف النبي الاعظم (صلى الله عليه واله) من خلال وجوداته الكثيرة وجود الرسالة ووجود القرآن الكريم ووجود الذرية، والوجود المبارك لتلك المفاهيم القيمة الراقية التي نادت بها الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها).

إن الحديث عن الزهراء حديث طويل الذيل وواسع جدا وكل فقرة في حياتها الشريفة تحتاج الى وقفة منا وتحتاج الى تأمل ولا تفي بذلك محاضرة أو محاضرتان أو ثلاث خطب، ولو اردنا الحديث عن بعض ما افادت (سلام الله عليها) به يكفينا ما نمارسه يومياً من التسبيح الذي يدل على عمق التوحيد وهو تسبيح الزهراء (عليها السلام ) الذي علمه النبي (صلى الله عليه وآله ) إياها، وهذا التسبيح الكريم دائما يذكرنا بالزهراء وهو اشبه بالهدية او التعليم من قبل النبي (صلى الله عليه واله) لها (سلام الله عليها) على نحو الجعالة، أما إمكانية أن يتناسب الاسم مع المسمى، فقد ذكرناه سابقاً أننا نسمي أبناءنا، وآباءنا سمونا بلا مناسبة بين الاسم و المعنى، فيعني عندما نسمي شخصا باسم (جواد) مثلا قد يكون في الواقع من ابخل الناس، فلا توجد مناسبة بالأسماء الشخصية، وقد نسمي فلانا باسم كريم لكن عمليا هو غير نافع، لكن هناك بعض الاسماء تكون المسألة فيها على العكس من ذلك، فهناك مناسبة ومناسبة مهمة جداً لدرجة أن القرآن يتحدث عن بعض الاسماء التي اختارها الله تبارك وتعالى، مثلا في قضية زكريا(سلام الله عليه) {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} فجعل القران الكريم هذه البشارة ليست بالغلام فحسب، وانما هذه بشارة بغلام، الله تعالى بين الاسم وبين انه لم يجعل من قبل ذلك هذا الاسم، فيحيى ليس نبياً فحسب، وإن ذاته ذات نبي مقدسة، لكن الله تعالى يبين ان الاسم ايضاً تدخلت به السماء وهكذا بقية الانبياء، كان الانبياء يعرفون الناس بنبوتهم، ومن ذلك قول النبي (محمد صلى الله عليه وآله وسلم): (كنت نبيا وادم بين الماء والطين) فكانت الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها) من هذا القبيل.

إن الطريقة التي انعقدت بها نطفة الزهراء (عليها السلام ) طريقة تستدعي الالتفات، عندما نتأمل وندقق بطريقة انعقاد هذه النطفة سنرى ان هناك مسألة في غاية الاهمية، ففاطمة (عليها السلام) لم تكن كحال النساء في كل اوصافها ومعانيها وقيمها، فكانت فاطمة لها عناية خاصة من قبل الائمة الاطهار (سلام الله عليهم) وايضا هي طاقة فكرية هائلة، وبينت ذلك خصوصا عندما نقرأ خطبتها المباركة وكيف تحدثت من خلالها عن مراحل التدريج في النبوة والاثر الطيب الذي تعطيه التكاليف الشرعية.

لم يخلُ ما ذكرنا من مطاعن المتربصين وانتم تعلمون ان الانسان عندما يعتقد بمسألة فحري بالآخر ان يحترم هذه العقيدة، ولا بد ان ننتصر لعقيدتنا عندما تُمزق، لا قدر الله، فلا يحق لاحد ان يتجاوز على عقائد الاخرين، وانما عليه ان يحترم عقائد هؤلاء، نحن نرى ان الزهراء (سلام الله عليها) جزءٌ مهم من عقيدتنا، فعندما نعدد الائمة (عليهم السلام) وفق مدرسة اهل البيت (عليهم السلام) لا نعد الزهراء لكن نرى ان الزهراء لولاها لما كان لأمير المؤمنين امتداد الائمة منه لم يكن له بهذا المعنى كفء ولا كان للزهراء (عليها السلام) لولا امير المؤمنين كفء.

هذه عقيدتنا فأي مسٍ نحتاج إلى ان نبين ان هذا مرفوض، فقد حاول الكثير أن يمس عقيدتنا، ومن ذلك ما ذكر الأميني(رضوان الله تعالى عليه) في كتابه الغدير قول بعض المستشرقين الذي اسمه أميل درمنغم صاحب كتاب (حياة محمد) المملوء بالأكاذيب والخرافات الاباطيل المنسوبة للنبي والى اهل بيته، وهذا امر ليس غريبا، فإن النبي (صلى الله عليه واله) عندما جاء لم تكن الارض مفروشة بالورود له، فكان هناك من المعاندين الكثير، حتى من داخل اسرته، إذ ما زال يصرخ القرآن بـ(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) وابو لهب هو عمه (صلى الله عليه واله) ومع ذلك القرآن الكريم يبين أن في حالة من الكفر والضلالة، فهذا المستشرق أميل درمنغم يتحدث بهذا الحديث عن حياة النبي صلى الله عليه واله، ويأتي الى فاطمة يقول- وأعوذ بالله منه ومن قوله- كانت فاطمة عابسة، دون رقيَّة جمالاً ودون زينب ذكاءً، ولم تهتم حينما اخبرها ابوها من وراء الستر ان علي بن ابي طالب ذكر اسمها - كناية عن الخطبة- عدّت علياً ذميماً محدوداً- والعياذ بالله- ، ثم يأتي ويقول: مع عظيم شجاعته ما كان علي اكثر رغبة فيها من رغبتها فيه، مع ذلك- وهو يريد أن يدس سمه- يبين ان امير المؤمنين كان شجاعاً واقعاً، هو لا يقدر ان يدلس على شجاعة الامام علي (عليه السلام) هذا شيء كالشمس لا يمكن ان يقول إن عليا لم يكن شجاعاً فإن فعل سيكذبه الجاهل قبل العالم، يقول كان علياً شجاعاً- لعل بعض العقول الساذجة كما قبلت منه شجاعة علي تقبل منه الحديث عن الزهراء (صلوات الله عليها)- وكان غير بهي الوجه لعينيه الكبيرتين الفاترتين، وانخفاض قصبة انفه وكبر بطنه وصلعه، ومع ذلك كان شجاعاً تقياً صادقاً وفياً مخلصاً،

والكلام في نقل حديثه عن الزهراء (عليها السلام)، فالمحقق الاميني (رضوان الله تعالى عليه) من جملة ما يبينه ان فاطمة (عليها السلام) عندما نتكلم بخصوصياتها (عليها السلام) طبعا هناك اشبه بمطالب وهي ان الانسان يجب ان لا يتكلم عنها من باب من الحياء والادب، اي  ان لا يتكلم بخصوصيات الزهراء (عليها السلام) وشكلها وما تكون عليه، وليس لنا الا ان نعتمد على أهل بيتها ومن عاصرها في معرفة سيرتها، بمعنى ان الروايات التي تعظم الزهراء عليها السلام شأنا ومضمونا وشكلا لابد ان نذعن لها، و اود ان ابين  انه ينسب الى عائشة زوج النبي صلى الله عليه واله كما في الترمذي تقول (ما رأيتُ احداً اشبه سمتا ودلاً وهدياً وحديثاً برسول الله في قيامه وقعوده من فاطمة، كانت اذا دخلت على رسول الله قام اليها فقبلها ورحب بها واخذ بيدها واجلسها في مجلسه، خديجة سلام الله عليها تقول (كانت فاطمة تحدث في بطن امها ولما ولدت وقعت حين وقعت على الارض ساجدة رافعة اصبعا) كما في ذخائر العقبى، لاحظوا هذه الرواية الشريفة، البيهقي في السنن يقول (ما رأيتُ احداً اشبه كلاماً وحديثاً من فاطمة برسول الله صلى الله عليه واله) .

وهنالك خصوصية لبعض الاسماء والشخصيات وتسمية بعض الشخصيات العظيمة الجليلة لم يتكفل به الأهل، وانما هذا المعنى مصاغ صياغة، ويبلغ به النبي ويبلغ به الامام مثلا ان اسم الحسن لم يكن يسبق تبليغ النبي، وان النبي لم يسبق جبرائيل وجبرائيل لم يسبق الله تعالى، وعندما يكون يحيى بهذا المقام ويكون اسمه عن طريق السماء معنى ذلك ان هناك علاقة ما بين هذا الاسم والمعنى، ولذلك فاطمة هذا الاسم المبارك فيه علاقة ما بين الاسم وواقعية فاطمة، الامام الصادق (عليه السلام) يقول اسماء فاطمة ويذكر: فاطمة والصديقة والطاهرة والراضية والمرضية والزهراء، ففي الرواية الشريفة عن الشيخ الصدوق الرواية عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه واله) قال (واما ابنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين من الاولين والاخرين) قال (وهي بضعةٌ مني وهي نور عيني وهي ثمرة فؤادي وهي روحي التي بين جنبي وهي الحوراء الانسية متى قامت في محرابها بين يدي ربها جل جلاله زهرَ نورها لملائكة السماوات كما يزهر نور الكواكب لأهل الارض), وهذا المدلس يقول: كانت عابسة، فهذا مجنون ومن استمع اليه اجن.

انقل لكم رواية عن السكوني انه قال: «دخلتُ على أبي عبد الله عليه السلام وأنا مغمومٌ مكروبٌ، فقال لي: يا سكونيّ ممّ غمّك؟

قلت: وُلدت لي ابنة.

فقال: يا سكونيّ، على الأرض ثِقلُها وعلى الله رزقها، تعيشُ في غير أجَلِك وتأكلُ من غير رزقك.

إننا نحتاج الى نعيد هذا المعنى، وهو اننا من الممكن أن نتربى بتربية ونكبر عليها لكن الكثير منها غير مرتبط بأصولنا بعقيدتنا بتراث اهل البيت، نعتقد ان هذا الامر صحيح لكننا لعدم اطلاعنا نفاجأ بتعاليم ومبادئ وقيم موجودة لدينا، والمشكلة فينا اننا لا نقرأ وهذا الامر غير مستغرب، فالإمام الصادق (عليه السلام) يبين لبعض اصحابه ان فتنا ستكون في اخر الزمان او ستكون هناك فتنة اختلاط ما بين الحق والباطل بشكل دائم، والانسان قد تشتبه عليه الامور فسأل أحدهم الامام عن معرفة الحق، فالإمام اخذ بيده وقال :(انظر الى الشمس قال رأيتها قال ان امرنا ابين من الشمس) فالمشكلة ان العينين لا ترى وهذه طامة كبرى عندما يحسب الانسان انه يرى وهو لا يرى والحق دائما ابلج وواضح.

 

فلذلك جاءت الروايات مبنية ( اعرف الحق تعرف اهله ) الانسان اذا لم يعرف الحق يتوقع الحق يدور مدار الرجال وهذا خطأ لابد للانسان ان يعرف الحق حتى يعرف ان هذا الذي يتكلم هل يتكلم وفق موازين حق او هي مجموعة اباطيل يلبسها لباس الحق؟ ولعل الشبهة سميت شبهة لشباهتها بالحق وهي ليست حقاً.

لا يمكن ان يعيش الانسان بلا ابتلاء، يعيش بلا فتنة، هيهات ثم هيهات، الانسان يمحص في مواقع الفتنة وفي مواقع الابتلاء فعليه ان يعرف الحق، الشاهد ان الرجل دخل على الامام الصادق (عليه السلام ) محزون من امر فقد ولدت له ابنة وكان يتوقع ان يولد له ذكر، لكن رزقه الله تعالى انثى لذا كان مغموما وهذا نفس جاهلي، فقد نبهه الامام الصادق قائلا (على الارض ثقلها وعلى الله رزقها) كما ان الله الرازق لك ولغيرك يرزقها (تعيش في غير اجلك وتأكل من غير رزقك) ثم قال الامام الصادق (ما سميتها فقلت: فاطمة قال: آهِ آه، ثمّ وضع يده على جبهته..(إلى أن قال:) أمّا إذا سمّيتَها فاطمة فلا تسبَّها، ولا تلعنها، ولا تضربها».

الامام الصادق بينه وبين جدته حفنة من السنين وينبه هذا الرجل الى اهمية الاسم لان هذا الاسم يحمل هذه القداسة لسيدة النساء لا لأنها جدة الامام الصادق فقط ، ما اكثر جدات الامام الصادق، فهي ليست جدته المباشرة، هذه الخصوصية لسيدة النساء فاطمة سلام الله عليها.

يأتي هذا المتحامق او الاحمق يذكر هذه الجملة في كتابه بزعمه انه افاد، واقعا انه لم يقصد الافادة، بل يقصد الدس، ويأتي بعض من لا يفهم في هذه الامور بشكل دقيق ويعرج على خصوصيات ليس من الصحيح التطرق لها، هذه من فتن الزمان علينا، الانسان عليه ان يعرف الحق حتى يعرف اهله واكرر هذا المطلب تكراراً ومراراً لان هذه المسألة هي سيالة في التاريخ ففي زمن النبي، الناس اشتبهت وفي زمن امير المؤمنين وفي زمن الأئمة (عليهم السلام) وهكذا الى يومنا هذا، وهذا الى ان يرث الله الارض ومن عليها، لابد من وجود حالة من الابتلاءات والفتن، على الانسان ان يكون قويا في دينه في عقيدته فيفهم الامور بشكل دقيق.

نسأل الله ان يعرفنا الحق حتى نعرف اهله نسأل الله ان يعرف بيننا وبين النبي بيننا وبين الائمة وان يرزقنا كمال المعرفة وكمال العقل وكمال الطاعة بمحمد وآله، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصل الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين .

بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)).
 

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً