الخطبة الدينية للشيخ عبد المهدي الكربلائي من الصحن الحسيني الشريف بتاريخ10 ربيع الثاني 1439 هـ الموافق 29 /12 /2017 م

منبر الجمعة

2018-09-30

423 زيارة

 النص الكامل للخطبة الاولى

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي لا يتناهى حمده، ولا يوفى حقه، ولا تفنى نعمه، ولا تنقضي محامده، ولا تضمحل شواهده، عرّفنا حقه، والهمنا حمده، ورضي بقليل حمدنا وفاء للكثير الجليل من نعمه، فزاد بذلك نعماءه العظيمة نعماً، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان (محمداً صلى الله عليه واله وسلم) عبده ورسوله خير من نصح للأمة ودعا الى سبيل ربه بالحكمة، صلى الله عليه وعلى آله الشموس الساطعة والبراهين القاطعة.

أوصيكم عباد الله تعالى وقبل ذلك اوصي نفسي بتقوى الله تعالى الذي ضاعف عليكم مننه واوضح لكم سنته، وبادروا الذنوب بالتوبة وسابقوا الاجل بالعمل، وتفكروا بالعضات التي تتلى عليكم والاحكام التي تبين لكم والمعارف والمناهج التي تمر بمسامعكم، فإن في ذلك جلاء القلوب من صدئها وانارة البصائر من عميها وري النفوس من ظماها.

ايها الاخوة والاخوات مازلنا في احدى خطب امير المؤمنين (عليه السلام) التي ذكر فيها حسب الوضع الاجتماعي اربع فئات من المجتمع وان هذه الفئات الاربع ان بقيت على حالها كانت سببا للفساد والانحراف، وفي نفس الوقت ذكر ست فئات من المجتمع المكلفة بالتغيير والاصلاح لأحوال الناس، ثم يتأسف امير المؤمنين (عليه السلام) على رحيل هذه الفئات وعدم القيام بمنهج الاصلاح والتغيير ونحن بحاجة إلى ان يعرض كل واحد منا نفسه على هذه الفئات ويحاول ان يستكشف من اي الفئات هو؟ ما هو تكليفه ازاء هذه الظاهرة؟

سبق ان ذكرنا الفئات الاربع التي تعرض لها الامام امير المؤمنين (عليه السلام) في المجتمع فقال اضرب بطرفك – اي انظر ببصرك-

(اِضْرِبْ بِطَرْفِكَ– اي انظر ببصرك- حَيْثُ شِئْتَ مِنَ اَلنَّاسِ فَهَلْ تُبْصِرُ إِلاَّ فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اَللَّهِ كُفْراً أَوْ بَخِيلاً اِتَّخَذَ اَلْبُخْلَ بِحَقِّ اَللَّهِ وَفْراً أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ اَلْمَوَاعِظِ وَقْراً).

يقول امير المؤمنين (عليه السلام) اضرب بطرفك حيث شئت من الناس أي في اي مكان تنظر من فئات المجتمع لا تجد الا هذه الفئات الاربع اولاً الفقير، والفقير على صنفين: الفقير الذي يتحمل مرارة الفقر ويقاسي الفقر ولكنه يصبر ويتحمل ولا يقع في الانحراف والجريمة والمعاصي، بل يرضى بقضاء الله تعالى وقدره ويحافظ على استقامته، والفقير الذي لا يتحمل الفقر، فمن اجل ان يسد جوعه ويرفع معاناته من الفقر قد ينحرف سلوكيا واخلاقيا ويقع في الجريمة، والمقصود من كلام الامام (عليه السلام) الصنف الثاني الذي لا يصبر لذلك قال (فقيرا يكابد فقرا) اي يتحمل معاناة الفقر و لأجل ان يسد فقره يلجأ الى الجريمة والانحراف، وهذا فرد واحد، فكيف بطبقة محرومة منتشرة في المجتمع وهناك طبقات اخرى.

يؤشر الامام عليه السلام الى مسألة التمايز الطبقي في المجتمع من حيث الإمكانية المالية والمعيشية، ويؤشر الى هذا الفرق في طبقات المجتمع، الفرق الفاحش بين طبقات المجتمع في الامكانية في المعيشة، فيقول: (او غنيا بدل نعمة الله كفرا) الغني المتمكن الذي لا يشكر الله، بأن يستعمل هذا الغنى والمال الذي لديه في طاعة الله تعالى، وفي مساعدة المحتاجين، وان يصرف منه على نفسه واهله بقدر الحاجة، وإن أغلب الاغنياء المترفين يستعملون اموالهم في شؤونهم الدنيوية وفي ترفهم ملذاتهم وشهواتهم ولا ينفقون شيئاً من المال في طاعة الله تعالى وفي سد احتياجات المجتمع.

ثم يقول (عليه السلام): (أَوْ بَخِيلاً اِتَّخَذَ اَلْبُخْلَ بِحَقِّ اَللَّهِ وَفْرًا) فهناك بخيل ربما يكون غنيا وربما يكون غير غني، يمنع حق الله تعالى من الخمس والزكاة وبقية الحقوق الواجبة في ماله، واتخذ هذا البخل والمنع من الحقوق الالهية في ماله طريقا لكي يستزيد من المال والثروة المالية اليه وهذا الصنف الثالث.

أما الصنف الرابع الذي يكون سببا بالانحراف العقائدي، وهو المتمرد الذي يسمع الحق ولكنه معاند او غلب عليه الجهل او الامور الدنيوية وغير ذلك من الاهواء (كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ اَلْمَوَاعِظِ وَقْراً) والوقر: الثقل في السمع فلا يسمع من الاخرين، بسبب هذا الامر، هذا هو بحاسته يسمع بوضوح لكنه من عناده وتجاهله للحق يتمرد على الحق والفكر الصحيح بالتالي يحصل انحراف عقائدي في المجتمع.

فالإمام يعين اربع فئات في المجتمع، ثم يتوجه امير المؤمنين (عليه السلام) بالخطاب الى الصالحين والاخيار واصحاب العقائد الصحيحة السمحاء، هؤلاء يتوجه اليهم بالخطاب ويستنهض هممهم في سبيل الاصلاح والتغيير في المجتمع، فهناك ست فئات في مقابل هؤلاء الاربعة الذين هم سبب للانحراف والفساد في المجتمع.

اولاً: الصلحاء، الامام يبدي تأسفه وتأثره على فراق هؤلاء الذين خلا المجتمع منهم، وهم الذين يسعون الى الاصلاح وتغيير الاحوال في المجتمع وسعيهم من اجل معالجة اسباب الانحراف والفساد، فحينئذ الامام (عليه السلام) يبدي تأثره بالمصيبة على احوال المجتمع .

لذلك يقول الامام (عليه السلام) (اين اخياركم وصلحاؤكم واين احراركم وسمحاؤكم واين المتورعون في مكاسبهم والمتنزهون في مذاهبهم)،فهو يبين اسس الصلاح والخير في المجتمع، يقول (اين اخياركم) يرى الامام ان هذه الفئات قليلة والفئات الاخرى التي هي سبب الانحراف والفساد هي الكثيرة وهي الغالبة على هذه الفئات الصالحة، (اين احراركم ) ليس الحر مقابل العبد، الحر الذي انفك من قيد واسر الشهوات والهوى والعبودية للدنيا، (سمحاؤكم) جمع سميح رؤوف رحيم الذي لديه العطاء او الشخص الذي يبذل النعمة والمال في حال الضيق والشدة او اليسر ايضاً.

(واين المتورعون في مكاسبهم) احد اسباب صلاح المجتمع هو ان يتورع الانسان في مكاسبه بحيث لا يقترب من الحرام، سواء كان هذا الحرام يأتي عن طريق التطفيف في المكيال او الغش او الكذب او القسم بالباطل او الدخول في الربا والمعاملات المحرمة، الإمام ينادي أين هؤلاء المتورعون في مكاسبهم والمتنزهون في مذاهبهم، هؤلاء الذين يتباعدون عن العقائد الفاسدة والافكار الضالة والمنحرفة، فالانسان قد يتصور نفسه سائرا على الايمان ولكن في واقع الحال يحمل افكارا فاسدة ومنحرفة بعيدا عن الخط الذي رسمه اهل البيت (عليهم السلام)، الامام يبين ست فئات هي التي تمثل صمام الامان للمجتمع وهم (الاخيار، والصلحاء والاحرار، والسمحاء، والمتورعون في مكاسبهم، والمتنزهون في مذاهبهم).

يتأسف الامام على هؤلاء لانهم رحلوا ولم يبقَ الا القليل منهم  (أليس قد ظعنوا جميعا عن هذه الدنيا الدنية والعاجلة المنغصة) ظعنوا تعني رحلوا، ويقول الامام عليه السلام ان هذه الدنيا لا قيمة لها،  والانسان الصالح لا يعتد بها، ثم يقول (انا لله وانا اليه راجعون)، هذه العبارة تقال في مقام المصيبة؛ لان رحيل هؤلاء الصلحاء والاحرار مصيبة وحزن ولكن المصيبة الادهى والاكبر ان يكون هؤلاء الصلحاء والاخيار قلة في المجتمع والكثرة هم الاشرار والفاسدون ويقول (ظهر الفساد فلا منكر مغير ولا زاجر مزدجر)، اي ان الفساد انتشر بسبب انتشار هذه الطبقات، الطبقات الست اما قليلة او ضعيفة  وهذه الطبقات تريد ان تصلح ولكن تواجهها بحرب والكثير من المعرقلات والكثير من الامور التي تمنعها من القيام بالاصلاح،  لذلك يقول الامام (ظهر الفساد فلا منكر مغير ولا زاجر مزدجر)، ثم يقول الامام (أفبهذا تريدون ان تجاوروا الله في دار قدسه وتكونوا اعز اوليائه عنده هيهات لا يخدع الله عن جنته ولا تنال مرضاته الا بطاعته) ثم يبين الامام (عليه السلام ) فيقول وانتم بهذه الحال من انتشار هذه الفئات وكثرتها وظهور الفساد وليس هناك محاولة للتغيير والاصلاح، فحينئذ لا يخدع الله.

هؤلاء الذين يتظاهرون بالإصلاح والدعوة الى الاصلاح ولكن في باطنهم يغطون على الفاسدين ويتسترون على الفساد، ويدعون انهم من اهل الاصلاح لا يمكنهم خداع الله في ذلك.

يوضح عليه السلام (أفبهذا  تريدون ان تجاوروا الله في دار قدسه وتكونوا أعز أوليائه عنده هيهات لا يخدع الله عن جنته و لا تنال مرضاته الا بطاعته لعن الله الامرين بالمعروف التاركين له والناهين عن المنكر العاملين به )

يؤشر الامام ان البعض من الناس يدعون الاتيان بالمعروف ولكن بأنفسهم لا يأتون بهذا المعروف وينهون عن المنكر ويأتون بهذا المنكر وينهون عن الفساد ولكنهم هم فاسدون، هؤلاء ملعونون عن الله تعالى لان باطنهم خلاف ظاهرهم اوانهم يستهزئون بالله تعالى، حينما يكون هناك امر معروف عند الله تعالى وهم يأمرون به ولكن لا يأتون به، وهو ينهون عن المنكر ويعملون به هؤلاء هم مورد اللعنة ولا يمكن ان ينالوا مرضاة الله تعالى.

الامام يستنهض همم الاخيار والصلحاء ويدعوهم  الى ان يبادروا وان يأتوا بما فيه صلاح للمجتمع وما فيه تغيير للوضع الذي يكون عليه المجتمع  من وجود طبقات أربع منتشرة، رضا الله تعالى ونيل جنانه بعيداً عن امثال هؤلاء الاشخاص الذين يدعون الاصلاح وهم مفسدون.

بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً