الخطبة الدينية للشيخ عبد المهدي الكربلائي من الصحن الحسيني الشريف بتاريخ 29 محرم 1439 هـ الموافق 20 /10 /2017 م

منبر الجمعة

2018-09-17

261 زيارة

النص الكامل للخطبة الاولى

الحمد لله الذي وسعت رحمته من عرفه، ومن جحده، وعمت مِنَنُه من صد عنه ومن قصده، وطوقت نعماؤه حتى من انكره كفراً وإلحاداً، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمداً عبده ورسوله وخير بريته صلى الله عليه وآله وسلم.

اوصيكم عباد الله واوصي نفسي بتقوى الله تعالى واغتنام ايام حياتكم هذه وما بقي من اعماركم، وشمروا عن ساق الجهاد في ليلكم ونهاركم واقطعوا بالتوبة الخالصة علائق أوزاركم ولازموا طاعة الله الذي يعلم بواطن اسراركم وقدموا لأنفسكم خيراً تجدوه يوم بعثكم وانتشاركم وأخرجوا من قلوبكم حب الدنيا، فإنها دار غرور وقنطرة عبور تبعث اليكم الهموم والشرور وتسلب منكم الافراح والسرور.

ايها الاخوة والاخوات عظم الله اجورنا واجوركم بمصاب سيد الشهداء (عليه السلام) ونحن ما زلنا نعيش مصاب سيد الشهداء في هذه الايام التي تقام فيها مراسم العزاء في هذه المناسبة.

سبق وأن استعرضنا بعض الصفات والشمائل والخصال لأصحاب الامام الحسين(عليه السلام) وذكرنا ثلاثاً من تلك الصفات وهي:-

الصفة الأولى: الوعي والبصيرة بحقائق الدين والقيادة الدينية الحقة.

الصفة الثانية: الشجاعة والجرأة في اتخاذ الموقف الحق والثبات عليه.

الصفة الثالثة: شدة الحب لله تعالى والاستئناس بلقائه.

ها نحن نذكر صفات اخرى لأصحاب الامام (عليه السلام) وقد يسأل سائلٌ: ما هو السر في تركيزكم على ذكر صفات اصحاب الامام (عليه السلام)؟ نجيبه بذكر امرين مهمين يكمنان وراء ذكرنا صفاتهم، وهما:

أولاً: وفاءً ولو بجزءٍ يسيرٍ من حقوقهم علينا، فلهؤلاء العظماء انصار الله وانصار رسول الله حقوق علينا يجب الوفاء بها لهم، ومن أفضل صور الوفاء لهم تخليد ذكراهم بذكر صفاتهم وشمائلهم.

ثانيا: تحفيز المؤمنين للاقتداء بهم وبسيرتهم وبصفاتهم، إذا إن كثيرا من المؤمنين حينما تُذكر عنده سيرة المعصومين يُحفز للاقتداء بهم، إلا أن البعض قد يقول: إنهم معصومون من الله تعالى، وليس بمقدور أحد أن يأتي بشيء يسير من صفاتهم ومراتبهم، فالفرق معروف بين المعصوم وغير المعصوم، نقول هنا إن هؤلاء الاصحاب ليسوا بمعصومين، ولكن امتازوا عنا بتفانيهم في طاعة الله حتى استشهدوا، وجاهدوا انفسهم واهواءهم حتى بلغوا هذه المرتبة العظيمة عند الله تعالى، فبإمكان أي أحد من البشر أن يصل الى هذه المرتبة التي نالوها، فنحن حينما نذكر صفاتهم لتحفيز الاخرين وتشجيعهم على الاقتداء بسيرتهم، لكي ينالوا المراتب السامية التي نالوها.

ومن الصفات الاخرى التي امتازوا بها:-

أولا: الاخلاص للقيادة الدينية الحقة، إذ كان هؤلاء الاصحاب مع الإمام الحسين منذ اليوم الاول من مسيره وخروجه من مكة الى لحظة استشهادهم، وكانوا في جميع المحطات التي مروا بها مطيعين للإمام الحسين (عليه السلام) منقادين لأوامره في كل صغيرة وكبيرة، ولا يناقشون الامام فيها، ومثال على ذلك ما أمرهم به (عليه السلام) تجاه جيش الحر عندما جعجع بهم، من سقيهم وسقي خيولهم، فقد لبّوا ذلك بكل طاعة دون أي اعتراض، ومثال آخر حينما كان يريد أحدهم منازلة الاعداء، يأتي الامام ويستأذن منه ثم بعد ذلك يذهب لقتالهم.

كما أن مسألة القلة والكثرة تلعب دورا كبيرا في التأثير على النفس البشرية فتوسوس النفس وبإمكانها أن تقلبهم الى الجانب المعادي، فكان أعداؤهم هم الكثرة وكانوا هم القلة، ولكن هؤلاء بوعيهم وبصيرتهم واخلاصهم لله سبحانه وتعالى وصبرهم على الموقف الحق تمكنوا من الثبات على الوقوف بجانب الامام الحسين (عليه السلام)، وهناك مسائل أخرى تؤثر على الانسان وتجعله ينحاز الى الجانب الآخر كالإعلام المضلل والجو الاجتماعي والعشيرة والاسرة.

ثانيا: صدق النية لله تعالى، فكانوا لا يبتغون وجها إلا وجه الله تعالى، فقد كان يقول عابس (رضوان الله تعالى عليه) للإمام: (فإنّي لا أُخبرك عن الناس، ولا أعلَم ما في أنفسهم. واللهِ أحدّثك عمّا أنا مُوطّنٌ نفسي عليه، واللهِ لأجيبنّكم إذا دَعَوتم، ولأُقاتلنّ معكم عَدُوَّكم، ولأضرِبَنّ بسيفي دونكم، حتّى ألقى اللهَ.. لا أريد بذلك إلاّ ما عند الله)، فالمؤمن الذي يريد أن يقتدي بهم عليه أن يقوم بخدمة الامام الحسين لوجه الله ولا يبتغي في ذلك جاها لا مدحا لا ثناء، فطلب جاه من الناس أو مال أو منصب ينافي صدق النية لله تعالى.

ثالثا: مسألة الطاعة للإمام المعصوم، فقد كانوا يظهرون طاعة مطلقة للإمام الحسين (عليه السلام) حتى وإن كانت أوامره مخالفة لآرائهم.

اذا أراد المؤمنون اليوم اختبار طاعتهم للإمام المعصوم –والامام الحجة المنتظر غائب حاليا- عليهم بطاعة نائبه والانقياد لأوامره في كل صغيرة وكبيرة ، ونائبه هو المرجع الديني الجامع للشرائط، فهو من يقوم مقامه

فالإمام الحجة المنتظر(عجل الله فرجه الشريف) يقول: العالم حجتي عليكم وأنا حجة الله.

متى ما تجسدت الطاعة والانقياد لنائب الامام المعصوم في السلم والحرب في الرخاء والشدة حظيت الامة بطاعة الامام المنتظر(عجل الله فرجه الشريف).

لذلك علينا ان نضع انفسنا في هذا الامتحان والاختبار حتى نكون من المقتدين بالإمام الحسين (عليه السلام) وبأصحابه، والمنقادين اليه مادام أصحاب الحسين قد تمكنوا من تجسيد ذلك.

رابعا: الوفاء التام للإمام الحسين (عليه السلام)، ومن الشواهد على وفاء اصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) وطاعتهم إياه، ما ذكر وقت صلاة الظهر من أن أحدهم يقف أمام الامام ليقيه السهام المتراشقة نحوه حتى يثخن بالجراح، فيقول للإمام: هل وفيت لك؟ عاكسا ما في داخل من وفاء عظيم، فحتى في اللحظات الاخيرة من حياته تراه صامدا في ولائه وطاعته للإمام، فيجيبه الامام: نعم وفيت انت امامي في الجنة فاقرأ رسول الله عني السلام واعلمه اني في الاثر.

ومن الشواهد على صور الوفاء والطاعة هذه ما قام به جون مولى ابي ذر الذي كان في الرخاء يتنعم بنعمة وجوده قرب الامام (عليه السلام) الى أن جاء وقت الشدة فوقف معه مضحيا بنفسه دونه، حتى وإن طلب الامام منه ومن بقية الأصحاب التراجع وتركه وحده، فلم يجعل ذلك مبررا لترك قائده الديني، فقد كان في وقته مَن آثر الراحة من الناس وترك القائد الديني الحق وزين له الشيطان فعله.

فقد كان جون يتوسل الإمام (عليه السلام) ويطلب منه ان يقاتل حتى يقتل بين يديه، فالإمام دعا له بقوله: (اللهم بيِّض وجهه وطيب ريحه واحشره مع محمد وآله وعرِّف بينه وبين آل محمد)، فكانت هذه مكافأته في الدنيا قبل الآخرة، فكما تسمعون وتقرؤون كان من يمر بالأرض يشم من جون رائحة طيبة كأنها المسك.

ومن مواقف وفائهم التام للإمام ما نقل عن أحدهم وهو محمد بن بشير الحضرمي الذي بلغه في يوم عاشوراء خبر ان ابنه قد أُسِر في معركة بالري، وكان يحب ابنه حبا كبيرا، بدأ الصراع النفسي الذي يتبين فيه صدق الايمان والولاء وعمق المحبة والوفاء التام للإمام المعصوم، فقال: عند الله احتسبه ونفسي، ما كنت احب ان يأسر وانا ابقى بعده، فسمع قوله الامام (عليه السلام) فقال له: رحمك الله انت في حلٍّ من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك، فهنا يبدأ الصراع إما ان ينجح الانسان أو يخفق، وكموقف الحر الرياحي إما أن يتخذ موقفا ويخلد به وينال السعادة في الآخرة أو يتخذ موقفا ينال به نار جهنم، فيجيب الحضرمي الامام: اكلتني السباع حيا ان انا فارقتك، ابني في سبيلك فداء.

خامسا: الذوبان في حب الامام الحسين (عليه السلام)، هذا الذوابان الذي يجعل الانسان ينسى الاهل والزوجة والاحبة وآلام الجراح بسبب الطعنات وغير ذلك، وكان ذلك الحب متجسدا عند اصحاب الامام الحسين، ومن شواهد ذلك أن بعض الأمهات كنَّ هن من يدفعن أبناءهم الى القتال دون الحسين مع حبهن الشديد لأبنائهم، وتقول احداهن لابنها بعدما رجع اليها من القتال: لا ارضى حتى تقتل بين يدي الحسين.

ومن المفرح أن هذه المواقف العظيمة نراها اليوم متجسدة عند الرجال الذين يقاتلون داعش، فكثير من العوائل يحثون اولادهم على القتال، وكثير من الشباب الذين يأنسون بالقتال ضد عصابات داعش، فأحدهم يأتي الى أهله وزوجته وعياله في إجازته ولا يستطيع أن يصبر على ترك مقاتلة الارهابيين، فيترك اجازته ويذهب ليقاتل بمجرد ان يسمع ان المعركة بدأت، مع ان في بعض الأحيان والده أو أمه مرضى فيتركهم ويذهب ليقاتل، وهناك من الجرحى من يستعجل طبابته من اجل ان يعود الى المعركة، وبعضهم يعود بأخيه أو ابنه الجريح أو الشهيد فيتركه راجعا الى ساحات القتال، فهذه نماذج علينا ان نقتدي بها كما اقتدوا هم بأصحاب الحسين (عليه السلام)

سادسا: شدة اعتنائهم بالعبادات ومنها الصلاة؛ لأن روح العبودية لله تعالى هي هذه العبادات التي تتوفر فيها الصفات، لاسيما الصلاة، ففي يوم العاشر، يقول أحد أصحاب الامام: يا ابا عبد الله روحي لك الفداء جيش العدو يقترب منكم واقسم انك لا تقتل قبل ان اقتل انا ان شاء الله كما احب ان اصلي قبل ان اذهب الى لقاء الله سبحانه وتعالى، فرفع الامام راسه الى السماء فوجد الزوال قد تحقق فعلا، فقال: ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين، نعم هذا اول وقت سلوهم ان يكفوا عنا حتى نصلي في ليلة العاشر.

فهم يعلمون أنهم غدا سيقتلون وكما في الروايات أن لهم دوي كدوي النحل أي أن أحدهم يصلي ويذكر الله ويقرأ القرآن الكريم حتى تشابكت أصواتهم وبدت كدوي النحل من هذا الذكر الجماعي لله تعالى.

فعلينا أن نقتدي بأصحاب الامام الحسين بهذه الصفة الكريمة وهي تلبية داعي الله للصلاة المفروضة حينما يحين وقتها، فمن غير الصحيح تقديم بعض الشعائر -وإن كنا فيها نستذكر ما أصاب الحسين وأصحابه- على الصلاة الواجبة، فبمجرد ان ينادي المنادي كما هو اصحاب الامام الحسين (عليه السلام)، نتوجه جميعا الى الصلاة، فعلينا ان نعطي للصلاة أهمية كبيرة كما اعطاها اصحاب الامام الحسين (عليه السلام)

لذلك اذا اردنا ان نجسد بصدق واخلاص صورة الطف ومعركة الطف في يوم العاشر فعلينا حينما يحين موعد الصلاة بالتوجه لأداء الصلاة وتأجيل أي عمل آخر بما فيها إقامة الشعائر، لننقل للعالم صورة جميلة عن محبي اهل البيت وهم يقومون بأداء صلاتهم الواجبة تاركين أي عمل آخر، وخصوصا في زيارة الاربعين؛ لتوجه الملايين لأداء الزيارة، نسأل الله تعالى ان يوفقنا للاقتداء بهم والسير على هداهم انه سميع مجيب

بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ).

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً