الخطبة الدينية بإمامة السيد أحمد الصافي بتاريخ 7 ربيع الثاني 1438 هـ الموافق 06 /01/ 2017 م

منبر الجمعة

2018-06-26

281 زيارة

نحتاج دائماً أن نتدبّر في نعمة بعثة ووجود النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)

على الأمّة ان تظهر الولاء المطلق للرسول الاكرم(ص)

لابد من استشعار الحاجة الى الله تعالى على الدوام

النص الكامل  للخطبة 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أبي القاسم محمد وعلى آله الطيّبين الطاهرين، الحمد لله الكائن قبل أن يكون كرسيٌّ أو عرشٌ أو سماءٌ أو أرضٌ أو جانٌّ أو إنس، لا يُدرَكُ بوَهْم ولا يُقدّر بفَهْم، ولا يشغله سائل ولا ينقصه نائل.. إخوتي، أبنائي، آبائي وفّقكم الله لكلّ خيرٍ وأخذ الله بأيديكم الى مواطن الخير دائماً، أخواتي بناتي أمّهاتي سدّدكنّ الله وألبسكنّ لباس الحياء والعفّة، السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته، أوصيكم ونفسي الأمّارة بالسوء بتقوى الله تبارك وتعالى والابتعاد عن سخطه، والزهد في هذه الدنيا فإنّنا فيها على سبيل مَنْ مضى قبلنا، ممّن كان أطول منّا أعماراً وأعمر دياراً وأبعد آثاراً، أصبحت أصواتهم هامدة ورياحهم راكدة، وأجسادهم بالية وديارهم خالية وآثارهم عافية، رزقنا الله تعالى العبرة من الماضين لنستصلح حالنا ويستقيم طريقنا، وفّقنا الله تعالى وإيّاكم لما يحبّ ويرضى دائماً، عظّم الله لكم الأجر بشهادة سيّدة نساء العالمين -في رواية- السيّدة فاطمة الزهراء(صلوات الله وسلامه عليها) سائلين الله تبارك وتعالى أن يوفّقنا لزيارة ما يُمكن أن يكون قبرها، وأن يقبل الله تعالى شفاعتها فينا فإنّ الزهراء شافعةٌ مشفّعة إن شاء الله تعالى، ونسأله دائماً الستر والعافية وأن يرزق بناتنا جميعاً الهداية عن طريق الزهراء وأن تكون المثل الأعلى للنساء وكذلك للرجال.

كنّا في خدمة الإمام السجّاد(صلوات الله وسلامه عليه) وقد مرّ بنا ما مرّ من الدعاء الموسوم بـ"دعاء التوبة"، ولعلّ الفقرات التي نقرأها اليوم هي آخر فقراتٍ من هذا الدعاء الشريف الذي بيّنه الإمام(عليه السلام)، وحصلت النتيجة من الداعي عندما بيّن الإمام(عليه السلام) المراحل التي ينتقل فيها هذا التائب الى الله تبارك وتعالى، ونحن في كلّ مقدّمةٍ نؤكّد على هذا المطلب إقراراً له في الأذهان والقلوب وهو أنّ حاجتنا الى الله تعالى حاجة غير منتهية، ونحن دائماً يُفترض أن نكون في سباقٍ لرضا الله تبارك وتعالى، الأيّام تمشي والليالي والسنون تتبعها وبالنتيجة سنخرج من هذه الدنيا، وسيكون خروجنا رغماً عنّا سواءً شئنا أم لم نشأ لابُدّ أن نترك هذه الدنيا بل هي تاركةٌ لنا، ثمّ بعد ذلك سنقف بين يدي الله تبارك وتعالى ويبدأ هناك الحساب، وهذا الحساب فيه دقّة لا توجد غفلة من المحاسِب ولا يُمكن أن نزوّر ونبدّل ونغيّر فإنّنا سيسقط ما بأيدينا، نحن سنقف مع شيءٍ واحد فقط إن أحسنّاه في الدنيا سيكون منجاةً لنا وإن لم نتزوّد منه سيكون حسرةً ووبالاً علينا ألا وهو العمل الصالح، وهذا العمل الصالح هو الذي يُفترض أن يتنافس فيه الأحياء ما داموا في هذه الدنيا، وما هذه الأدعية التي نقرأها والتي يبيّنها الأئمّة الأطهار(عليهم السلام) إلّا إقرارٌ لهذه الحقيقة التي لابُدّ لنا منها، وهي أنّ الإنسان لابُدّ أن يكون عمله عملاً صالحاً ولابُدّ أن يسعى دائماً لرضا من بيده جميع الأسباب وهو الله تبارك وتعالى، لذلك حاجتنا الى الله تعالى ليست حاجة عرضيّة وإنّما حاجة صميميّة وأساسيّة ولها الأولويّة دائماً ولابُدّ أن نستشعر هذه الحاجة، الإنسان عندما يمشي عندما يجلس عندما ينام إذا شغله شاغل عن غير ذكر الله تعالى لابُدّ أن تكون عنده مشكلة هي مشكلة التوجّه، قد يسأل سائلٌ يقول: نعم.. هناك شواغل، الإنسان بمقتضى وضعه تشغله شواغل، هذا صحيح.. لكن أيّ شاغلٍ إذا شغلنا لابُدّ أن نتيقّن أنّ من ورائه قوّة وأنّ من ورائه الله تبارك وتعالى، فإذا شغله شاغل لابُدّ أن ينتقل ذهنُه الى أنّ الله تعالى هو بيده هذه الأسباب، فإن كان الشاغل هو همُّ دنياً يعلم أنّ الله تعالى بيده تبدّل الحال، وإن كان الشاغل هو عبارة عن نعمةٍ جاءته ويفرح بهذه النعمة لابُدّ أيضاً أن لا ينسى أنّ هذه النعمة كانت بتسديد وتوفيق الله تعالى فهي مستوجبة للشكر، وأمثال هذه الأمور التي لابُدّ أن نقف عندها وقفة الشاكر.

في ختام هذا الدعاء لعلّ الإمام(عليه السلام) يريد أن يبيّن لنا نعمةً، وهي من النعم التي دائماً نتكلّم عنها لكن هذه نعمةٌ خاصّة تحتاج منّا معاشر المسلمين أن نتدبّر فيها، -التفتوا جيّداً- نحن معاشر المسلمين نحتاج دائماً أن نتدبّر في هذه النعمة ألا وهي نعمة بعثة ووجود النبيّ الأكرم محمد(صلّى الله عليه وآله)، في ختام هذا الدعاء الإمام(عليه السلام) ختمه بالتركيز على النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وسأبيّن ما يُمكن أن يكون بخدمتكم ثمّ أرجع الى مطلب الدعاء، -لاحظوا إخواني- نحن المسلمون عموماً لعلّه عندنا تقصير في التعامل مع شخصيّة النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، هذه الشخصيّة لا يُمكن أن يكون لها مثيل والقرآن الكريم سلّط كلّيّات مهمّة لهذه الشخصيّة المعظّمة وجعل هذه الشخصيّة محوراً لأمور كثيرة جدّاً بحيث يدور مدار التوفيق مدارها، والقرآن حدّد في بعض الحالات بوضوح أنّه لابُدّ أن يكون المدخل هو من خلال هذه الشخصيّة المعظّمة، وجعل (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ...) إذا جاء النبيّ بشيءٍ فخذوه، يعني أمرنا أن نأخذ ما جاء به النبيّ، والنبيّ أيضاً إذا نهانا عن شيء لابُدّ أن ننتهي، لأنّ النبيّ الخاتم أُرسل رحمةً ليس فقط لنا وإنّما للعالمين، وهذه الرحمة لا يُمكن أن يصدر منها إلّا ما يكون رحمةً لنا، فكلّ ما عندنا الآن من توجّه ومن توفيق ومن رزق ومن عيشٍ ببركات هذا الدين نحن مدينون به الى شخصيّة عظيمة هي شخصيّة النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، مع ما بذل من جهدٍ ومع ما أتعب نفسه الزكيّة في أن يوصل لنا ما أمره الله تعالى به، تعرفون أنّ مقام الرسالة مقامٌ كبير لكن في عين الوقت هناك صعوبةٌ في تأدية الرسالة، نحن الآن عندما نعظّم النبيّ نقول النبيّ هو سلطان الدنيا والآخرة، لكن في عين الوقت ذلك الجهد الخاصّ الذي بذله النبيّ سواءً كان قبل البعثة أو بعد البعثة وتنبّؤه بما يكون هذه أشياء لا يُمكن أن يتحمّلها أيّ أحد، ولذلك بذل (صلوات الله عليه وعلى آله) جهداً خارقاً في سبيل أن يوصل لنا ما أرسله الله تعالى، وهذا الجهد أيضاً سواءً كان للذي يقبل من النبيّ يحتاج أن يتعلّم، والذي لم يقبل من النبيّ يحتاج أن يتحمّل ما يصدر منه، ولذلك كان النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في منتهى الخلق، وهناك قصّةٌ تنقلها الروايات وهي أنّ شخصاً اسمه ثُمامة، قال النبيّ: من يأتيني بثمامة؟ وثُمامة هذا رجلٌ آذى النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بحيث أنّ النبيّ أهدر دمه، الى أن أسرت خيلُ رسول الله في بعض السرايا ثُمامة، فجاء أمام النبيّ(صلّى الله عليه وآله) ماذا يفعل به النبيّ(صلّى الله عليه وآله)!! قال له: إنّي أخيّرك بين ثلاث، أقتلك؟ قال: إذن تقتل عظيماً -هو يقول للنبيّ: إذن تقتل عظيماً-، قال: أمنّ عليك؟ -يعني فداء- قال: إذن تفدي غالياً. الثالثة قال: أن أعرض عليك الإسلام. قال: قبلت بهذا، ففكّ وثاقه ونطق بالشهادتين، ثمّ قال -ثُمامة يخاطب النبيّ(صلّى الله عليه وآله)- قال: عندما رأيتُك عرفتُ أنّك نبيّ لكنّي لم أجرؤ أن أقولها وأنا في الوثاق، أنا لا أقول الشهادة وأنا لا زلت موثقاً، لكن عندما رأيتُك علمت أنّك نبيّ.

لاحظوا هذا الجهد الذي بُذِل من قبله(صلّى الله عليه وآله)، وقلنا في ما مضى في الخطبة السابقة إنّ الله تعالى يُعلّمنا والله تعالى له أفعال وصفات وكان من صفاته أنّه مصلٍّ، فالقرآن يقول: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ...) -هذا تقدّم سابقاً- على مَنْ يصلّون؟ قال: (...يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)، الله تعالى من أسمائه أنّه مصلٍّ، ننتزع هذه الحالة من هذا الفعل -الله تعالى يصلّي على النبيّ-، فالله لم يصلّ على أيّ أحدٍ مع أنّ أنبياءه كلّهم من الطبقة الأولى من البشر، لكنّ الله تبارك وتعالى خصّ نبيّنا(صلّى الله عليه وآله) بهذه الخصيصة، -لاحظوا إخواني- لذا قبل أن أنتقل لابُدّ أن نحافظ على شخصيّة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وأن لا نسعى لمسّها في كتابةٍ أو تقييم أو تشخيص أو تطبيق وهنا المشكلة، الإنسان يسأل نفسه يقول: إنّي أحبّ أن يُباهي بي رسولُ الله(صلّى الله عليه وآله) بقيّة الأمم، ألا يُحبّ أحدُنا أن يُباهي به النبيّ(صلّى الله عليه وآله) الأمم؟!! نعم.. نحبّ لكن إذا جثمنا على معصية او إذا ارتكبنا معصية فالنبيّ يتأذّى، ونحن بذلك نسيء الى النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، نعم.. إذا فزعنا الى التوبة -كما في دعائنا هذا- وتجرّدنا والتفتنا وانتبهنا قطعاً سنسعد النبيّ، والنبيّ يفرح بتوبتنا وإيابنا لأنّ هذا جزءٌ من إكمال رسالته، وهو أنّ الرسالة تحقّقت والدليل استطاع أن يوجد منّا نفوساً طيّبة وأن يوجد منّا ذوات طيّبة ليست خبيثة، وأن نسعى دائماً لرضا الله تبارك وتعالى وهذا نصر (إِنْ تَنْصُرُوْا اللهَ...) هذا نصرٌ أن يتحقّق بعض ما جاء به النبيّ(صلّى الله عليه وآله) ونكون نحن مصداقاً لهذه الدعوة الحقّة التي جاء بها المصطفى(صلّى الله عليه وآله).

لاحظوا الآن في ختام الدعاء بعد أن استفرغ المطالب في هذا الدعاء قال(عليه السلام): (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ كَما هَدَيْتَنا بِهِ..) لاحظوا النقطة الأولى مستوجبة قال: "كما هديتنا به"، (..وَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ كَما اسْتَنْقَذْتَنا بِهِ...) هذا ثانياً، (...وَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلاةً تَشْفَعُ لَنا يوْمَ القِيامَة‌ وَيَوْمَ الفاقَةِ إِلَيْكَ..) ثالثاً، ثمّ قال: (..إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهُو عَلَيْكَ يَسِيرٌ)، لاحظوا النقطة الأولى طبعاً الهداية هي إراءة الطريق، أنّ الإنسان إذا أراد الله تعالى أن يهديه يريه الطريق، يقول له هذا طريق الهداية أو هذا طريق الحقّ، معنى الهداية هذا أنّ الله تبارك وتعالى يدعونا ويرينا هذا الطريق، يعني بلا حالةٍ من الإرغام والإكراه، حتى يتمّ الجزاء لابُدّ أن أكون مختاراً في أن أختار (أ) أو أختار (ب)، الله تبارك وتعالى يهدي والدعاء يقول (اللهم صلّ على محمد وآله كما هديتنا به) بمعنى أنّ النبيّ كان هو الهادي لنا من خلال ما أرسلته ومن خلال ما أتعب نفسه ومن خلال ما بيّن، وكان يصل اللّيل بالنهار في سبيل أن يبيّن لنا بطريقةٍ أو بأخرى، أسلوبُ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) معنا كان أسلوباً هادئاً وأسلوباً في منتهى البلاغة ومنتهى الحكمة، القرآن الكريم يقول له: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) ثمّ يردف يقول: (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ...) النبيّ لم يكن فظّاً لكن النكتة في هذه الآية الشريفة أن تبيّن قال: (...لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)، فلَمْ يكن النبيّ(صلّى الله عليه وآله) فظّاً ولذلك هذا الجهد الذي بذله مهمٌّ جدّاً في أن نستفيد منه، لاحظوا مطالب القرآن قطعاً مطالب حقّة ومطالب عظيمة، والطريقة التي نوصل بها القرآن لابُدّ أيضاً أن تكون طريقة حقّة وطريقة جيّدة، ولذلك مَنْ كان يأمر بالمعروف يعني يأمر بشيءٍ حسن، مثلاً الآن تأمر الناس بالصدق وتأمر الناس بالعطاء وهذا عملٌ معروف فلابُدّ أن يكون أمرُه بالمعروف أيضاً –باللّين- أي لابُدّ أن تكون طريقتك بالأمر أيضاً طريقة معروفة، القرآن يقول للنبيّ(صلّى الله عليه وآله): (اِدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) وكان قمّةً في هذا، ولذلك الإمام(عليه السلام) يقرّ هذا المطلب يقول: (كما هديتنا به)، نرجع الى بعض الأدعية في الصحيفة السجّاديّة، في نفس الصحيفة في الدعاء الثالث لاحظوا الإمام السجّاد(عليه السلام) أفرد دعاءً خاصّاً أسماه (دعاء الصلاة على محمد وآل محمد) وهو دعاء خاصّ، وكذلك بقيّة الأئمّة الأطهار(عليهم السلام) في كلّ مناسبة، دعاء الإمام السجّاد(عليه السلام) في يوم عرفة أيضاً يفرد مقطعاً خاصّاً وفقرات دعاءً للنبيّ(صلّى الله عليه وآله)، هناك حقٌّ –إخواني- على الأمّة ويجب عليها أن تُعطي حقّها، ما هو هذا الحقّ؟ الحقّ هو محبّة بل ليست محبّة فقط وإنّما حالة من الولاء المُطلق لنبيّنا(صلّى الله عليه وآله)، النبيّ أيضاً لم يطلب أجراً على الرسالة، نعم.. طلب شيئاً واحداً وهذا امتداد للرسالة لا مال ولا أيّ شيء آخر ألا وهو المودّة في القربى، والكلام في مسألة المودّة في القربى كلامٌ طويل الذيل، لم يطلب نبيّ من الأنبياء مثلما طلب النبيّ(صلّى الله عليه وآله) اقرأوا القرآن وشاهدوا ولاحظوا الآيات، نعم.. إبراهيم(عليه السلام) كان عنده طلبٌ آخر بعد أن وصل الى مقام الإمامة (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي...) إبراهيم مع أنّه نبيّ وأنّه خليل الله تعالى لكن عندما قال له الله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) التفت إبراهيم أنّ هذا مطلبٌ مهمّ وهذا من أهمّ المطالب (قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي) يعني أنّي أُريد أيضاً من ذرّيّتي مَنْ يكون إماماً، فالله تعالى قال: (قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) يعني ليس كلّ أحدٍ يكون إماماً، لكن النبيّ(صلّى الله عليه وآله) كان يقول دائماً: (أنا دعوة أبي ابراهيم)، لذلك الإمام السجّاد عندما يُفرد كما بقيّة الأئمّة لاحظوا العبارة الأولى من الدعاء الثالث في الصحيفة قال: (وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ) ثمّ قال بعد أن ذكر تعريفاً للنبيّ قال: (إمَامِ الرَّحْمَةِ وَقَائِدِ الْخَيْرِ وَمِفْتَاحِ الْبَرَكَةِ..) بتعبير الإمام السجّاد(عليه السلام) الآن أنت عندما تُسلّم على النبيّ(صلّى الله عليه وآله) تستطيع أن تقول هكذا (السلام عليك يا إمام الرحمة، السلام عليك يا قائد الخير، السلام عليك يا مفتاح البركة..)، هنا الإمام السجّاد(عليه السلام) يعظّم النبيّ(صلّى الله عليه وآله) كما قلنا في الدعاء الثالث من الصحيفة.

نرجع الآن الى ختام دعاء التوبة قال: (اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ كَما هَدَيْتَنا بِهِ وَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ كَما اسْتَنْقَذْتَنا بِهِ...) وهذا التعبير تعبيرٌ راقٍ جدّاً، الآية الشريفة عندما تقول: (وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا) الإنقاذ هذا مطلبٌ مهمّ (كنتم على شفا حفرةٍ من النار) أنّ الإنسان إذا دخل الى النار فالمسألة صعبة، لكن الله تعالى أنقذنا بيّن لنا عن طريقه (صلّى الله عليه وآله) طرق الخير، وهذا الإنقاذ يستوجب منّا أن نردّ هذا الفعل الذي فعله النبيّ معنا، كيف نردّه؟! بالشكر لله أوّلاً والشكر له(صلّى الله عليه وآله)، كذلك بالعمل الصالح لأنّ الدعاء يقول: (كما هديتنا به) والدعاء يقول: (كما استنقذتنا به).

ثمّ يقول: (وَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلاةً تَشْفَعُ لَنا)، إخواني لاحظوا هذه هي قيمة الصلاة، هناك أشياء نتعلّمها نحن في الدنيا، وهذه الصفة التي قُلنا الله يصلّي قطعاً لها آثار، الإمام ماذا يقول؟ يقول: (وَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلاةً تَشْفَعُ لَنا يوْمَ القِيامَة‌..) نحن يوم القيامة لم نرَه بعد لكن حقيقةً عندما نقرأ ونسمع أنّ الإنسان لولا أنّ الله يلطف به لكان من حقّه أن يموت وهو ليس بملوم، هذا همّام رجلٌ جاء لأمير المؤمنين(عليه السلام) يسمع عن المتّقين وصفات المتّقين قال: يا أمير المؤمنين صِفْ لي المتّقين، الإمام(عليه السلام) أوجز وأعطاه كلمة قصيرة، هذا ألحّ كأنّ هذه الكلمة ما أشبعته، فقال: صِفْ لي المتّقين، الإمام بدأ يصفُ ويصفُ وهذا يتفاعل، حتّى أوصله الى نتيجة أنّ المتّقي يشعر كأنّه في النار فيتجنّب ويشعر أنّه في الجنّة فيطمع، بعد أن فرغ أمير المؤمنين من كلامه هذا همّام شهق شهقةً فمات، أميرُ المؤمنين يقول: كنت أخافُ عليه منها. هذا صادق، أهوالُ يوم القيامة أهوالٌ عظيمة وعندما نمرّ على بعض الآيات التي فيها تعذيب وفيها نار وفيها مقامع من حديد الله تعالى يُرعبنا لكن للأسف حقيقةً نحن عندنا مشكلة هي أنّنا ننسى، الإنسان في حالة الموعظة يبكي ويتألّم ويسمع أنّ الربا حرام وينوي أن يترك، أو الإنسان يمرض لا يقوى على أن يحرّك يده ورجله فيفزع الى الله تعالى أن سأتوب وسأُرجع لكلّ ذي حقّ حقّه وكذا وكذا لكن بمجرّد أن يرجع لوضعه السابق في تمام الصحّة ينطبق عليه قول القائل: (رمضانُ ولّى هاتِها يا ساقي *** مشتاقةً تسعى الى مشتاقِ) ينسى لكنّ الله تعالى لا ينسى، هذه الشفاعة التي يقول بها الإمام(عليه السلام) أحوج ما نحتاج اليها في يوم لا نملك أيّ شيء، –إخواني- الوحدة قاتلة، الإنسان عندما يجرّب نفسه في الدنيا أن يكون وحيداً لا أحد يعطيه زاداً ولا أحد يعطيه ماءً ولا أحد يتكلّم معه ولا أحد يسلّيه ولا أحد يدفع عنه حرّاً أو برداً أو ما شابه..، يومٌ واحد إذا جرّب نفسه تجده لا يتحمّل فكيف بذلك اليوم؟!!! وهذا من الموجبات علينا أن ندعو الله تعالى أن ينبّهنا الى هذه الأمور.

ثمّ يقول(عليه السلام): (..صَلاةً تَشْفَعُ لَنا يوْمَ القِيامَة‌ وَيَوْمَ الفاقَةِ إِلَيْكَ) يوم الفاقة يعني حين الفاقة، عندما تقول ادّخرتُك ليوم الشدّة يعني لوقت الشدّة، يعبّر العرب عادةً يوم بمعنى الحين أو الوقت، قال (يوم الفاقة اليك) حقيقةً نحن دائماً نحتاج الله تعالى لكن في تلك اللحظات حاجتنا الى الله تعالى ستكون بشكلٍ آخر، لا نملك شيئاً فقط أعينُنا على رحمة الله تعالى، وجوهٌ ناظرة الى ربّها تنتظر رحمة الله تعالى، في تلك الفترة وتلك الحالة الإمام السجّاد يزرع فينا الأمل يقول: (إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهُو عَلَيْكَ يَسِيرٌ)، ماذا تريد إذن أيّها العبد؟؟ قال: أريد أن تصلّي على محمد وآل محمد صلاةً تشفع لنا في ذلك اليوم، في ذلك نحن بأمسّ الحاجة اليك وهذه الصلاة تكون شافعةً لنا وما أشدّه وأصعبه من يوم، كلّنا –إخواني- نحتاج أن يقول النبيّ(صلّى الله عليه وآله): (يا إلهي اشفعْ -أو شفعتُ- لأمّتي) فيأتيه النداء: يا رسول الله يا محمد قد قبلتُ الشفاعة في أمّتك.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من أهل الشفاعة، سائلين الله تعالى برحمته الواسعة وبرحمته المشخّصة بشخصيّة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام) أن يرعانا وأن يتغمّدنا برحمته وأن يحيطنا دائماً بعنايته إنّه نعم المولى ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً