
هو رائد من رواد المنبر الحسيني، الذي طالما اشير إليه بالبنان ساعة تعداد الرواد، ولا يزال الكربلائيون بشكل خاص، والحسينيون بشكل عام، يحتفظون في ذاكراتهم للكثير من الصور والمواقف المشرفة.
ولكي نتمكن من الإبحار في أعماق سيرته بشكل سليم وأستطيع أن أطلعك عزيزي المستمع فلابد لي أن أضع مدخلا لحديثي لأصل إلى مرادي.
عندما يستذكر كل منا واقعة الطف الأليمة يقف برهة من الزمن ليتأمل هول مأساتها المريرة. وسرعان ما يعتريه في هذا التأمل شعور غريب قد لا يجد له مثيلا ساعة استذكار أي حدث تاريخي يدغدغ العواطف مهما كان حجمه. ولم يكن هذا التوجس وليد انسياب غزارة عاطفية، رغم أن العاطفة تنمو في الإنسان كنمو أعضاء الجسد أو ربما يفوق ذلك فتتغلب على كل الغرائز أحيانا.
وهذه نتيجةُ فسيولوجيةِ الإنسان. وقد تكون أحيانا خارجة عن إرادته ويتعذر علية الإختيار بين الرفض والقبول. فهي فيض تشحن به الصدور والقلوب التي هي أوعية تحتوي الكثير من الفيوضات. وتتفاوت كثافة تواجد هذا الفيض بين وعاء وآخر.
فان استشعار المأساة في القضية الحسينية وإبرازها وإلفات النظر إليها بتسليط الضوء عليها لم يكن وليد الفيض العاطفي، بقدر ما هو نتيجة من نتائج التفاعل معها روحيا وهاجسيا وعقائديا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن مؤداه معرفة عظم المأساة والأثر العنيف لوقع الطعنة التي طُعن بها رسول الله صلى الله عليه وآله والعقيدة. حيث كان يراد من قتل الإمام الحسين عليه السلام قتل كل ما تحتويه العقيدة من منهج صادق صائب.
درس الرحلة الحسينية
إن النهضة الحسينية العظيمة، التي هي أعظم ملحمة إنسانية عرفها التاريخ، قد تركت في النفوس أثراً عميقا وجراحا لا يضمدها تعاقب السنين بلفاف النسيان الذي عادة ما يضمد جراح فقدان الأحبة والأعزاء.
فإنها حملت أبعادا وأهدافا ومعانٍ سامية رسمت طريقا معبدا سليما تطمئن بالمرورعليه كل قوافل الأحرار في العالم. إذ هي الفجر الذي تبين فيه الخيط الأسود من الخيط الأبيض.
كما إنها صنعت مبلغين معلمين متعلمين بعد استظلوا بلواء سيد الشهداءعليه السلام الذي هو لواء العقيدة. حفزتهم عقيدتهم وحب سيد الشهداء عليه السلام على أن يتطوعوا في بذل مهجهم لإرشاد المجتمعات و تعريفهم على المفاهيم الإنسانية والمبادئ والقيم السامية والمثل العليا التي رسخها بنهضته سيد الشهداء عليه السلام في النفوس الأبية منذ أن وقف قبل خروجه من مكة مخاطبا الأمة عن طريق القوم هناك قائلا: (ألا ومن كان منكم باذلاً فينا مهجته وموطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا. فإني راحل مصبحا انشاء الله).
ويعني بالرحلة السير في طريق رسمته له العقيدة والإيمان الراسخ والجهاد في سبيل الله لإحقاق الحق وتحقيق العدل والعزة والكرامة والشهادة من أجل ذلك وثم الرحلة إلى الخلود.
وقد صاحب الحسين عليه السلام بعض الناس مصاحبة فعلية عملية وساروا معه في رحلته. ومن لم يستطع الإلتحاق حينها فقد سعى لإقتفاء أثر هذه الرحلة العظيمة المشرفة.
ومن أبرز الذين اقتفوا الآثار الحسينية هم هؤلاء المبلغين والمرشدين وهم الخطباء .
ولا شك أنهم بذلوا جهدا لا يستهان به. بل بذلوا مهجهم استجابة لنداء سيد الشهداء عليه السلام وتوطنوا في إحياء وتعظيم الشعائر الحسينية التي هي شعائر الله (ومن يعظمُ شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) وذلك بتأسيس وإقامة وإحياء المجالس الحسينية ورفدها بالوعظ والإرشاد.
وقد تعين عليهم بيان جوهر النهضة الحسينية المباركة وحث المجتمع وتحفيزه بعد اشعال جذوة الرغبة فيه لاستلهام الدروس والعبر في الجهاد والتضحية والفداء لارتقاء ذرى المجد.
ولكن البعض انحاز كثيرا في ميوله إلى الجانب المأساوي. وهذا الإنحياز والميول المتزايد لم يكن يوم ما مدعاةً لإبعاد الناس عن المتابعة والتركيز لتوضيح ما تحمله الواقعة من دروس وعبر في المفاهيم الإنسانية.
وللمجالس ركائزها..
إن غالبية المجالس الحسينية قد استند تأسيسها على قاعدة متينة رصينة، ثبت أسسها الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام، والتي انبثقت من مقولته المشهورة (الحسين عليه السلام عِبرةٌ وعَبرة).
لقد وضع ركيزتين ليرتكز عليهما المجلس الحسيني ولا يمكن ترك احداهما أو حتى فصل واحدة عن الأخرى،إذ كل منهما تكمل الأخرى.
فالعبِرةُ : ذلك الدرس الذي استلهمه كل الأحرار وكل الخيرين الشرفاء في العالم. ولو اطلعنا على ما كتبه العلماء والكتاب والحكماء من الشرق والغرب والمستشرقين لأدركنا جيدا مدى التأثير الذي تركته تلك العبرة حتى على الممارسات.
والعَبرة هي التعبير عن الإحساس الإنساني والإحتجاج والمواسات مع إبراز معانٍ كثيرة.
ولو حصرنا معنى العَبرة في البكاء فقد جاز لنا ذلك. إذ لا يمكن للبكاء دائما أن يمثل الضعف والذلة والإنكسار والخنوع والإستسلام للجزع والعجز أمام المصاعب , فإن أوجه البكاء كثيرة منها: المواساة والإحتجاج وحتى منها الفرح وهنالك أوجه أخرى. وقد قلت في هذه المناسبة :
مالي أرى البعضَ زندَ البغضِ قد قدحا *** والبعضَ فوق بحار المغرياتِ طفـــــا
فإن وصـفت بشـعري عترة طهــُرَت *** قالوا مغالٍ غـوى بـل ظـلَّ وانحـرفـــا
هذا يصرُ بإنكارٍ لــواقعـــــــــــــــــــةٍ *** وذا يصرح لي إن البكــاء كفـــــــــــى
يظُـنُ أن البكـا ضـعفٌ لنمخــــــــــــذلٍ *** أو من جـزوعٍ على أقـــــــرانِهِ عطفـا
نبكي لفقـدِ أدلاءٍ لنــــــــا رحلــــــــــوا *** ألا علــى الدنيـا بعــد الراحليــن عفـــا
مســـــتوحدون بقينـــــا لا دليل لنــــــــا *** ورزؤنــا أن لنا بــدرٌ لنا قــد اختطفــــا
ما صــار يعقـــوبُ بكــّـاءً بحــزن ِ أبٍ *** لكن نبيٌ عــــلى مـن مثلـِهِ أســــــفا
فإن بكاء رسول الله صلى الله عليه وآله مع وجود العاطفة لم يكن بكاء ضعف أو ذلة ومسكنة وانكسار، وهو أعرف الناس في هذا الكون كله بالحسين عليه السلام وبمكانته ومنزلته عند الله تعالى وموقعه في الجنة وعالم الخلد وهو القائل فيه إنه سيد شباب أهل الجنة.
وكذلك بكاء جبرائيل عليه السلام الذي ربما يمثل بكاء أهل السماء. وقول الإمام علي بن موسى
الرضا عليه السلام (إن يوم الحسين عليه السلام أقرح جفوننا).
إنما كان أحد وجوه بكاء رسول الله صلى الله عليه وآله هو احتجاج واستنكار كبير لما تفعله بنو أمية بحامي العقيدة،من ناحية،ومن ناحية أخرى بيان عظمة وكِبَر وهول المظلومية التي وقعت على الإمام الحسين والتي هي مظلومية الحق والعدل والإنصاف ومعالم الإنسانية.
من هنا ارتبط استذكار الجانب الماساوي للقضية الحسينية ارتباطا وثيقا بعمران المجالس الحسينية
وكما ذكرنا لقد تخصص بعض المبلغين أو مال الكثير منهم إلى الجانب المأساوي وهذا لايعني انهم تخلو عن استلهام الدروس والعبر.
ولو تمكنا من بلورة مفهوم الجانب المأساوي في أذهاننا لأدركنا بأن هذا الجانب لم يكن بمعزل عن جوانب وجزئيات ومفاصل النهضة الحسينية. ولا نريد أن نسبر الغور فيه إذ اننا سنحتاج لشرح طويل ووقت أطول.
ورغم أن بعض الخطباء من الذين امتلكوا مؤهلات ومستلزمات الخوض في كل الجوانب والجزئيات، انتهجوا منهجا شاملا مكنهم من مواصلة مسيرتهم العملية والعلمية في إقامة وإحياء المجالس الحسينية. ولكن عُرِفوا واشتهر أولئك بين الأوساط الحسينية بأنهم تخصصوا باعتماد الجانب المأساوي.
ومن أولئك.. الخطيب البارع المرحوم الشيخ هادي الخفاجي الكربلائي ..
ورغم أن المرحوم قد اشتملت مجالسه على كل الجوانب، فإن البعض ظنَّ بأنه قد تخصص بهذا الجانب فقط. حيث إنه عُرِف باجتذاب الدمعة الساخنة من العيون حزنا على سيد الشهداء عليه السلام بسبب ما يمتلك من تلقائية في الأداء ومقدرةٍ فائقة وأسلوبٍ فني، ربما نستطيع القول بأنه انفرد بممارسته ذلك الإسلوب، إذ كان باستطاعته اصطحاب المتلقي في تصويره للأحداث ونقله بأقصى سرعة من حدث إلى آخر دون أن يخربش الصورة فيشوهها في انتقالته السريعة و دون أن يسبب شرودا لذهن المستمع.
وكان ذلك يحدث أما بقراءة جملة واحدة أو حتى إشارة أو تلميح سريع فيجعل المتلقي متفاعلا مع الحدث بل مطلعا عليه اطلاعا جيدا وسريعا فيصل إلى مراده.
كربلاء منجبة الفطاحل..
إن أول صورة لا تزال عالقة بذهني للمرحوم عندما شاهدته وأنا لا أميز كثيرا بين العالم والجاهل أو ربما بين شيخ وسيد. وهو يرتقي المنبر، في الخمسينات من القرن الماضي، في شارع من شوارع منطقة العباسية، قرب جامع (الترك) آنذاك، الذي يحمل اليوم اسم جامع (المرتضى).
حشرت في ذهني تلك الصورة لتصطف مع صور كثيرة بهية المظهر. ورغم اعتزازي بها وافتخاري بطبعها في ذاكرتي، ولكن لم أفكر يوما باستعراضها والتأمل فيها كثيرا لأتحدث عنها بحديث أصف ملامحها الجميلة.
هذه الصورة ربما هي أيضا محفورة في أذهان ذاكرات الكثير من الناس ممن سبقوني في طبعها في الأذهان إذ أنها جزء من لوحة الملحمة الحسينية التي ضمت مشاهد وصورا كثيرة لا يمكن أن يغطيها غبار مرور السنين وتعاقبها.
مدينة كربلاء المقدسة منجبة العلم والعلماء والعضماء والحكماء والفقهاء والخطباء والأدباء الذين دوَّن التاريخ أسماءهم بحروفٍ من نور في سجلاتِهِ.
أنجبت هذه المدينة المرحوم الشيخ هادي الخفاجي الكربلائي ليكون لها إبنا بارا يبرها بكل ما يستطيع وبكل ما يحمل ما تحمل كلمة البر من معنى.
نشـأتُهُ :
يبدو أن نشأته كانت نشأة علمية أدبية وسط أسرة تهتم بتربية أبنائها أكثر بكثير من اهتمامها بزينة الدنيا وزخرفها وجماليتها الخدّاعة.
فقد درس الفقه والأصول على يدي والده المرحوم الشيخ صالح الخفاجي. وكانت هذه الدراسة تمثل له وضع الخطوة الأولى لقطع مسافة الألف ميل،وعزم على أن لا يتوقف عن المسيرة حتى ولو بلغ نقطة الألف ميل فبادر بالتتلمذ على يد الخطيب الكربلائي البارع المرحوم الشيخ محسن أبو الحب.