

الخطبة الأولى
إكمالا لما بينا سابقا في دعاء مكارم الأخلاق للإمام السجاد إذ يقول( عليه السلام) : [ اللهم صل على محمد وال محمد واكفني مؤونة الاكتساب وارزقني من غير احتساب، فلا اشتغل عن عبادتك بالطلب ولا احتمل إصر تبعات المكسب] .
إن الاكتساب فيه نوع من الكلفة والتعب لذا فان الإمام يطلب من الله تعالى في هذا الدعاء أن يكفيه مؤونة الاكتساب، وفي نفس الوقت أن يرزقه من غير احتساب، ولكن هل هذا بنفسه مطلب للإمام ( عليه السلام)؟ فالإنسان إن يكفيه الله تعالى مؤونة الاكتساب؛ لماذا يكفى مؤونة الاكتساب؟
أما لأن رزقه سهل المنال كما ورد عندنا في بعض تعقيبات صلاة العشاء إن الإنسان يطلب من الله تعالى أن يقلل رزقه. إذا كان مثل هذا الرزق مدعاة إلى الطغيان أو طبيعة الاكتساب تحتاج إلى مؤونة زائدة عن الوضع المقرر؛ فسيشتغل الإنسان بالاكتساب وتتحول حالة الاكتساب من كونها وسيلة إلى غاية تحجب الإنسان عن بقية الغايات؛ تتحول بذاتها إلى غاية
ويمكن هنا ملاحظة الدقة في استعمال الألفاظ للإمام ( عليه السلام) وكما هو معلوم إن المسالة مسالة دعاء وهناك أحاديث وروايات فيها الحث على الدعاء فمن صفات المؤمن أن يكون دعّاء أي كثير الدعاء.
وعندما يدعو المؤمن عليه أن يختار الدعاء الذي يؤثر عليه إيجابا في الدنيا والآخرة.
ثم يقول الإمام ( عليه السلام) : (وارزقني من غير احتساب) إن الإنسان عندما يطلب من الله تعالى أن يرزق من غير احتساب، وأرجو الالتفات والشيء الظريف هو إننا نحن بطاقاتنا وبجهدنا نهدئ أسباب الرزق ولا نهيئ تمام الرزق، فمثلا عند الصباح يتوجه 100 شخص إلى أرزاقهم في الظهيرة أو أواخر النهار عندما يأتون تجد كل منهم يحمل رزقه بشكل مختلف، لا شك إن هناك أسبابا أخرى ما وراء العزم والنية، فهناك حالة من حالات سعي الإنسان وتهيئة أسباب الرزق وهناك حالات لا يعرفها الإنسان، وإنما مرهونة بأسبابها وعللها لماذا؟
لان الله تبارك وتعالى فقط هو الذي يعلم بمصالح الإنسان ومفاسده ، فعملية الرزق- إخواني- عملية تربوية وان الله تعالى يربينا ويهذبنا من خلال الأرزاق، فقد يكون رزق كثير يصلح لي وقد يكون الرزق الكثير يفسدني وبالعكس أيضا، فعملية الأرزاق لا يعلمها إلا الله ؛فالله هو الرزاق ويراد من وراءه تربية الإنسان، وإذا كان الله تعالى يربينا ليس المعنى من وراء ذلك هو القول إن الإنسان ينبغي له أن يجلس في بيته وينكفئ ويعتزل الدنيا ويتعبد فلا رهبانية في الإسلام.
ولكننا نقول: لا بد من تنظيم العلاقة ما بين حاجة الإنسان إلى المال وما بين الوظيفة الأخرى التي يجب أن يؤديها في الحياة .
ثم يقول الإمام ( عليه السلام) : (فلا اشتغل عن عبادتك بالطلب ولا احتمل إصرا تبعات المكسب) فهذه هي الموازنة الحقة؛ كون الإنسان عندما يدعو الله تعالى وجدانا أن يكون رزقه قليلا ومؤونته خفيفة عليه؛ والأرزاق عندما يأتي بها قد لا يعلمبها؛ فكثير من الأرزاق قد يمر بها الإنسان لكنه قد يكون غير ملتفت اليها، والإمام ( عليه السلام) هنا في مقام التهذيب والتربية إن الإنسان أمامه وظيفة وهي مسالة العبادة وأنا هنا أقول: إن العبادة لا تنحصر فقط في مسالة الصلاة.. نعم إن اشرف مصاديق العبادة هو الصلاة ولكن لا تنحصر العبادة فيها ، فهناك موارد كثيرة للعبادة ونبينها لاحقاً إن شاء الله.
إن الجزء الأكبر من مشاكل الإنسان في حقيقتها تنحصر في المطلب المادي، فكثير من المشاكل من نزاعات وقتل وغصب لحقوق الآخرين وغيرها؛ فالمحاكم تعج كلها بالمسائل المادية فالإنسان قد يعادي شخصا ما أو قد يقتل أو قد يكذب من اجل حفنة قليلة من المال.
الجانب المالي إخواني مهم جدا وعملية انسياق النفس إليه إذا لم تحصن تكون على شفا الهاوية، فالإنسان قد يفشل من أول تجربة وإنسان يبقى صامدا إلى نهاية عمره والتاريخ يحفل بشخصيات كبيرة وقفت اتجاه الحياة و زخرفها و قدمت المبادئ واستشهدت من اجل ذلك. وقد كانت تعرض أموال هائلة لشخصيات واقطاعات وأراضي من اجل فتوى بباطل أو من اجل وقفة مع باطل لكنها كلها فشلت معها ، هذه التربية الصالحة فعندما يفهم الإنسان ويتربى على منهج خاص في ارتباطه بالمال اعتقد انه سيصبح قويا جدا.
فمن مواطن قوة الإنسان زهده ومن أسباب الزهد هو تركه لما في يده، فالزاهد ينطق بالزهد والحق وان كلفه ذلك الغالي والنفيس.
تقرير خطبة الثانية
وصف ممثل المرجعية الدينية العليا الخطوة التي شهدتها العتبة العسكرية المقدسة مؤخراً، من إنجاز بناء القبة المطهرة والمنارتين، بالموفقة.
وأضاف سماحة السيد (أحمد الصافي) في خطبة صلاة الجمعة (21 ربيع الثاني 1430هـ الموافق 17/4/2009م) "لا يسعني إلا أن أقدم الشكر لمن سعى في هذا العمل المبارك، سواء من المسؤولين الرسميين أو الأمنيين، وكذلك أهالي سامراء وأبطال العتبات المقدسة والمحافظات الكريمة، التي هبت هبة واحدة من اجل أن ترفع ذلك البناء المتهدم وإرجاع ذلك الصرح المبارك إلى سابق عهده ".
ونوه السيد الصافي الى " أن العاملين كانوا كلهم من العراق. وان طريقة التنفيذ وطريقة التصميم والجهود المبذولة، كلها كانت عراقية. وهذا شيء نفتخر ونعتز به. وفي المقابل يصلح أن يكون شاهدا حقيقيا على أن هناك طاقات علمية مهمة ممكن أن تنجز الأعمال الكثيرة، التي لو أوكلت إليها لعملت عملا جيدا ولو دعمت لأنتجت الكثير الكثير ".
وأشار الى " أن هذه الصروح المقدسة المهمة تمثل حضارة من حضارات البلد، عقيدة من عقائده. وبالنتيجة فإن العقل العراقي له القدرة على أن يعمل وهو يحتاج إلى دعم وتأييد ويحتاج إلى إعادة الثقة، والى أن نجعل الثقة فيه ونقول له انك تستطيع أن تعمل وتبدع في عموم العراق".
وجدد شكره وثناءه لكل الإخوة العاملين، وكذلك الإخوة الزائرين الذين ما فتئوا يكثرون من الزيارة.
وبخصوص تشكيل مجالس المحافظات والمهام الملقاة على المسؤولين فيها، قال سماحته " ان الناس انتخبت ومهمتها انتهت. وكلامي موجه إلى الهيئة الإدارية الجديدة، والتي نتمنى لها التوفيق في العمل، فإن المجالس بالصلاحيات التي عندها، أن تنهض بالخدمة وفي جميع المجالات، رغم مسألة التخصيصات المالية ".
وأضاف السيد الصافي " بعد ست سنوات من التجربة في المحافظات، هو انه إلى الآن لم تنهض النهضة المرجوة.. فما هي الأسباب..؟! ونحن لا نعود اليها.. لأننا قلنا سابقا (الماضي يترك ولا نتحدث عن سلبيات الماضي) فالكلام للمستقبل، وان شاء الله ستكون فيه حالة من الايجابية بحيث أن المواطن البسيط يتحسس الجانب الخدمي".
وأكد أن المواطن يصلح أن يكون مقياسا جيدا لمعرفة الخدمات، وهذه المحافظات لعلها تشترك بعد السؤال من المواطنين بحالة وهي ان هناك مجال للخدمة كان يفترض أن يكون أكبر، وأعضاء المجلس الآن والذين لم يكونوا في المجلس السابق والذين هم من المواطنين وكانوا يرددون هذه المقولة ( كان من الممكن العمل بشكل أفضل) الآن وصلت الفرصة لهم، ونقول معهم يمكن أن يكون العمل بشكل أفضل. "
وأعرب السيد الصافي عن أمله من " أن هذه الخدمة نريد تحقيقها في مجال الطرق والمدن والاعمار العام للمدن. وفي مجالات الزراعة والصناعة.. وأرجو من الأخوة الأعزاء أن لا يقصروا فيها أصلا" .. مكررا قوله أنه " لا يوجد شيء للمسؤول ألذ من الخدمة، ولذة الخدمة ينتظرها المواطن الآن بفارغ الصبر من المجالس التي حسمت أمرها وأتمنى أيضا من بقية المحافظات أن تحسم أمرها لان وراءها عملا الناس تنتظره ".
وعن الفساد المالي والإداري الذي يضرب بأطنابه في جميع مفاصل الدولة ولاسيما مواقع مهمة في الدولة، قال ممثل المرجعية الدينية العليا" إن هذه المواقع المهمة تشغل حيزا كبيرا من الفساد، والسبب في ذلك إن هذه المواقع المهمة لم توزع كلها بشكل يتناسب مع الكفاءة. وتبقى هي المؤثر الرئيسي في كثير من الأمور التي تمس حالة المواطن خصوصا الأمور الخدمية ".
وأن " هذه المواقع تتحمل مسؤولية مباشرة في الكثير من مفاصل الدولة وفي بناء الدولة وهو المفصل الإداري الذي يحرك القرار. مؤكدا إن هذه المواقع تتحمل مسؤولية مباشرة جدا. فالإعلام إذا سلط على المسؤول يمكن أن يقوم عمله وهو في تلك المواقع الحساسة والمهمة جدا، ماذا قدم هذا الشخص؟! وفي أي ساعة يأتي إلى الدوام؟! هل يؤدي عمله بشكل جيد؟! وما هي المنجزات التي أنجزها؟! كل هذه الأمور حقيقة تتعلق بشخص الوزير أو المسؤول وهذه الحلقات هي التي يكون لها السبب الرئيسي في النجاح أو في الفشل ".
وفي ختام خطبته أرجع سماحته الكثير من التلكؤات الحاصلة في هذه المواقع من أنها مواقع غائبة عن المواطن لكن في مقام التحليل فإن هذه المواقع مهمة جدا. وقالممثل المرجعية الدينية العليا " أنه على كل وزارة أن تختار الأشخاص الذين يعجّلون في عملية البناء ويفكرون تفكيرا مجديا في مصلحة البلاد عن دراية وواقعية، وأن هذه المواقع حساسة ومهمة، وان الإعلام لم يسلط الضوء عليها لكن لها دور في تبدل قناعات الوزير أو المسؤول سريعا بسبب المزاج.. وللأسف لازلنا نعيش في أمزجة بعض المسؤولين التي هي تحدد المصلحة الوطنية من عدمها وهذه نظرية خاطئة، وعلى العكس يجب أن يكون مزاج المسؤول تابعا إلى المصلحة العامة وليس المصلحة تابعة إلى مزاج المسؤول ".