رئيسيةاتصل بناEnglishالزيارة بالإنابة
 






20 ربيع الثاني 1430 | الأربعاء 15 نيسان 2009

خطبتا صلاة الجمعة (14 ربيع الثاني 1430هـ الموافق2009/4/10م) بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي

925

الخطبة الأولى

قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ).

إن النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة تحث على اجتماع المؤمنين في أداء بعض الشعائر العبادية وتأكد عليها ، فما هو هدف المشرّع الإسلامي من هذا الاجتماع ؟ كما في صلاة الجمعة وأداء الفرائض اليومية جماعة وكذلك صلاة العيدين.. ويمكن أن نسجل عدد من المعطيات والآثار المهمة على صعيد الفرد و المجتمع لهذا الاجتماع وسوف نستعرضها على شكل نقاط كلآتي:

أولا: لا شك حينما يحضر المصلي ويستمع إلى خطبتي صلاة الجمعة أو صلاة العيدين فسيكون لهما اثر على عبادته، ففي صلاة الجماعة التي تؤدى يوميا، يمكنه التعرف على أحكام الله تعالى ومعرفة الحلال والحرام والتعرف على أحكام العبادات والمعاملات والتعرف على رذائل القلب ومذام الصفات والأفعال والتعرف على مكارم الأخلاق الحميدة؛ بالاطلاع على سيرة النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) وعلى سيرة الأئمة المعصومين وعلى قصص الأمم السابقة والاطلاع على أحوالها إبتلاءاً ورحمة وغضبا ورضا ، وأيضا التعرف على سيرة المراجع وخيرة الصالحين والقدوة والمثل الحسن في الدين الإسلامي والحكم والمواعظ والنصائح والإرشادات والتوجيهات الدينية والدنيوية، إضافة إلى الفضل الكبير لصلاة الجماعة حيث يلتقي المصلي بأخيه المؤمن والتعرف على بعض الأحكام ويلتقي بإمام الجماعة ويسأله عن موارد ابتلاءاته ويتعرف على الأحكام الشرعية. إن هذا جزء من الأثر العبادي لصلاة الجمعة والجماعة.. ناهيك عن الثواب العظيم الذي تسجله الملائكة ، والذين يحضرون يوم القيامة سينتبهوا ويلتفتوا كم فاتهم من الثواب العظيم والأجر الجزيل.

ثانيا: توفير عامل السكن النفسي للمؤمنين بعضهم بالبعض الآخر، وحينما يتلقون في مكان واحد واجتماع واحد ويعملون سوية، وعن الإمام الصادق ( عليه السلام) ( إن المؤمن ليسكن إلى المؤمن كما يسكن الظمآن إلى الماء البارد). وكثيرا أثناء هذه التجمعات إن المؤمن ربما يشكو همّه و مشكلته إلى أخيه المؤمن فيدعو له أو يعطيه حلا أو يؤنسه بحديث فيخفف عنه آلامه وهمومه.

ثالثا: يتعرّف المؤمنون بعضهم على البعض الآخر كما ويطلعوا على أوضاعهم وأحوالهم وبالتالي الاستفادة من خبراتهم وعلومهم ومعارفهم.

رابعا: الشعور بالروح الجماعية من خلال شعور المؤمن بأنه ينتمي إلى كيان قوي منتظم في هذا الأمر العبادي وهذا مما يعزز الوحدة الاسلامية بين المجتمعين... وبالتالي يمكن ان تحقق مجتمعا متماسكا متراصا تسوده الألفة وعلاقات المحبة والتوادد والتواصل بين المؤمنين .

خامسا: ان الالتقاء اليومي من خلال الجماعة والأسبوعي ( الجمعة) له اثر كبير في قيام المؤمنين بمسؤولياتهم الإسلامية تجاه دينهم وأمتهم، إذ يتيسر لهم التشاور المستمر وتبادل وجهات النظر حول مشاكل المجتمع والتهديدات التي تحدق به ويحصل من خلال ذلك تبلور للآراء والتعاون الأخوي المستمر في أداء المسؤوليات، بل هناك دور اكبر من خلال صلاة الجمعة إذ يحصل الالتقاء بين قادة الأمة وجماهيرها واستشعار المجتمعين بأنهم إنما يؤدون دورهم من خلال الاقتداء بإمام الصلاة وانه يوجههم ويقودهم وهو الذي يرجعون إليه في أمورهم..

سادسا: إن خطب الجمعة توفر للمجتمعين وعيا لشؤون دينهم وأمورهم العامة وخاصة القضايا الحساسة التي تهم مستقبلهم ومستقبل دينهم ووطنهم ، وتطلعهم على حقائق الأمور وتجنبهم الوقوع ضحية التضليل الإعلامي والإشاعات الكاذبة وتبصرهم بالحقائق وما هو مطلوب منهم تجاه أمتهم وبلدهم ؛ فمثل هذه الصلاة توفر لهم الوعي الديني والعقائدي والسياسي والاجتماعي، وعن الإمام الرضا ( عليه السلام) : ( إنما جعلت الخطبة يوم الجمعة لان الجمعة مشهد عام فأراد الله أن يكون للأمير سبب إلى موعظتهم وترغيبهم في الطاعة وترهيبهم من المعصية، وتوقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم ودنياهم ويخبرهم بما ورد عليه من الأفاق من الأحوال التي فيها المضرة والمنفعة..

سابعا: التواصل مع العلماء والقادة الحقيقيين للمجتمع وكسر العزلة التي يمكن أن تفرضها بعض الظروف بين العلماء والجماهير وترسيخ مبدأ قيادة العلماء للمجتمع من خلال الاقتداء بهم في الصلاة.

(وَذَرُوا الْبَيْعَ) أمر بتركه ، والمراد به على ما يفيده السياق النهي عن الاشتغال بكل عمل يشغل عن صلاة الجمعة سواء أكان بيعا أو غيره، وإنما علق النهي بالبيع لكونه من اظهر مصاديق ما يشغل عن الصلاة.

(ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) إشارة إلى إن إقامة الصلاة وترك المكاسب والعمل في هذا الوقت خير وانفع للمسلمين من حطام الدنيا وملاذها ومشاغلها وملهياتها فهي زائلة بينما ثواب الحضور للصلاة باق وعظيم .(وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ) مفهوم هذه الجملة أوسع من معنى طلب الرزق والكسب بل يشمل عيادة المريض وزيارة الأخ المؤمن وطلب العلم وقضاء الحاجة.

(وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرا) يشمل الذكر اللفظي والقلبي والتوجه إلى الله تعالى في المعاملات والأفعال والسلوك والأقوال وغيرها.. ( لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )إشارة إلى إن الفوز الحقيقي في الأمور المذكورة.

تقرير الخطبة الثانية

أعرب ممثل المرجعية الدينية العليا عن أسفه وعميق حزنه وألمه نتيجة التفجيرات الإرهابية اي حصلت في الإيام الماضية، والتي ذهب من جرائها العشرات من الشهداء والجرحى.

وقال سماحة الشيخ (عبد المهدي الكربلائي) في الخطبة الثانية من صلاة الجمعة (14 ربيع الثاني 1430هـ الموافق 10-4-2009م) في الصحن الحسيني الشريف " نسأله تعالى أن يتغمد الشهداء برحمته الواسعة ويمن على الجرحى بالشفاء العاجل " .

وأضاف سماحته " إن من المهم تشخيص الجهة التي قامت بهذا العمل الإرهابي. لكن الأهم أن يكون في سياق تشخيص الأسباب والظروف التي أدت إلى حصول هذا الكم من العمليات الإجرامية وفي وقت واحد، بعد التحسّن الأمني النسبي ".

وأبدى الشيخ الكربلائي خشيته من التداعيات الكبيرة والنتائج الخطيرة التي ستتركها مثل هذه العمليات. و " أنه وبعد التحسن الأمني النسبي أمكن زرع الثقة لدى المواطن بالأجهزة الأمنية وبالتالي زرع الثقة بعض الشيء بالحكومة الوطنية المنتخبة " .. مؤكدا " أن تعزيز العلاقة بين المواطن وهذه الأجهزة وكذلك زرع الثقة لدى الأجهزة الأمنية نفسها بقدرتها على ضبط الأمن، فان ذلك يشجعّها على تقديم المزيد من الجهد والعطاء لخدمة المواطن، ويولّد حالة من الإحباط وعدم الثقة بالنفس لدى الجهات الإرهابية. كما أن هذه العمليات لها تأثير سلبي في تخفيض نسبة النازحين من المواطنين الذين يرغبون بالعودة للبلد، وكذلك عزوف المستثمرين والشركات من الاستثمار في العراق ".

ودعا سماحته الجهات الأمنية لتعزيز الثقة لدى المواطن تجاه القوى الأمنية، من خلال تحسين الواقع الأمني وعدم السماح بحصول مثل هذه الثغرات.

مبينا إن هذه الأعمال الإرهابية تمثل جرس إنذار قوي للمكونات السياسية الحاكمة للبلد. وأن من الضروري ان تطوي الخلافات فيما بينها. وان استمرارها في ذلك سيؤدي إلى تضييع البلد، وإضافة المزيد من المآسي والويلات والدمار والأرامل والأيتام والمعوقين ... وسيعطي الفرصة للإرهابيين للقيام بالمزيد من العمليات الإجرامية، وأوصى جميع الكتل السياسية بنكران الذات والتضحية وتقديم المصالح العليا للبلد والشعب العراقي على مصالحهم الذاتية.

وبمناسبة حلول الذكرى السادسة لسقوط النظام الصدامي البائد أكد سماحته إن الشعب العراقي تعرض لتجربة قاسية وصعبة وتعرض للكثير من الآلام والمحن والمصاعب بسبب تداعيات الغزو الأجنبي وآثاره السلبية وكذلك الدمار والتضحيات الكبيرة التي قدّمها بسبب العمليات الإرهابية، وصموده أمام تحدي وخطر الوقوع في الحرب الأهلية ومحافظته على وحدة البلد وكذلك ما حصل من تدخلات دولية وإقليمية أضرت به كثيرا، وطالب المكونات السياسية والشعب الذين مرّوا بهذه التجربة المؤلمة أن يتخذوا الدروس والعبر والتوجه من خلالها لنبذ الخلافات والتوجه لبناء عراق موحد قوي ومستقر وآمن يتعاون جميع مواطنيه للنهوض والخروج من هذه المآزق.

وعن ذكرى استشهاد المفكر الإسلامي الشهيد السيد محمد باقر الصدر ( قده) وأخته العلوية المجاهدة بنت الهدى قال سماحته " علينا أن لا ننسى في الوقت الذي نحيي هذه الذكرى " أن هذه الدماء الزكية الطاهرة التي روّت ارض الإسلام وارض العراق هي ثمن باهض وغال على أنفسنا، دُفِعَ من اجل أن ينال هذا الشعب حريته ويستعيد كرامته وعزته ".

وأعرب عن أمله أن نتخذ من سيرتهما العطرة مشاعل نور نهتدي بها في معترك الحياة الصعبة والتجربة القاسية التي نمر بها الآن، وكذلك نتعلّم منهما نكران الذات والعمل الجهادي المتواصل من اجل الأمة والعزوف عن هذه الدنيا وخدمة الناس وقضاء حوائجهم، ونتعلم من سيرتهما الشخصية كيف نقوّي ونعزز علاقتنا مع الله تعالى ومع الأمة خاصة الطبقات المستضعفة والمحرومة منها، وكيف نخلص في عملنا ولا نبتغي شيئا من حطام الدنيا من تحصيل المواقع والمناصب... وعلينا أن نحيي هذه السيرة العطرة للشهيدين السعيدين ولا نكتفي بمجرد إلقاء الكلمات والخطب ونحن بعيدون في واقع حياتنا العملية .. نبحث عن المصالح الذاتية والمكاسب الشخصية ولا يهمنا مصلحة الأمة بقدر ما يهمنا مصالحنا ومصالح الجهات التي ننتمي إليها .. فهذا في الواقع أمانة في أعناقنا وليس إحياء لذكراهما فحسب....

ومع استلام مجالس المحافظات الجديدة لمهامها أعرب سماحته عن أمله " أن يستحضر الإخوة أنهم يعملون بعد أن قلّدهم المواطنون هذه الأمانة العظيمة في ظروف صعبة ومعقدة ومؤلمة .. والحال أن الكثير من شرائح المجتمع تعاني من الحرمان والعوز والفاقة والمرض والبطالة وقلة الخدمات.. فهم يعملون في مرحلة خطيرة وحساسّة في ظل أوضاع استثنائية مليئة بالآلام والهموم وكثرة الأرامل والأيتام والفقراء والمحرومين " .

وبين سماحته أن على مجالس المحافظات " مسؤوليات مضاعفة. وعليهم أن يشمروا عن سواعد الجد والهمة والإخلاص والعمل الدؤوب والتضحيات ونكران الذات وتقديم أقصى ما يمكن من خدمة للمواطنين. وبالتالي فان إخفاقهم سيضعهم أمام محاسبة عسيرة وقاسية من أبناء هذا الشعب، بل أمام الله تعالى وسيؤدي ذلك أيضا إلى فقدان ثقة الناس بهم بل فقدان ثقتهم بالتجربة الانتخابية"..

وشدد قائلاً " وليعلموا أنهم لم يستلموا المسؤوليات في ظل بلد آمن ومستقر ومزدهر، حتى تكون لهم الحرية والخيار في أن يعملوا أو لا يعملوا. ولا يكون هناك مراقبة ومحاسبة عليهم. بل استلموا المسؤوليات في ظل ظروف صعبة ومؤلمة لهذا الشعب والمطلوب منهم الاتصاف بالإخلاص والنزاهة والحرص على تقديم الخدمة ونكران الذات ونسيان الخلافات من اجل التفرّغ لتقديم أقصى ما يمكن من خدمة لهذا الشعب" .

 
 


إعلام العتبة الحسينية المقدسة | www.imamhussain.org