

نص الخطبة الأولى
تمر علينا هذه الأيام ذكرى ولادة النبي الأعظم ( صلى الله عليه واله وسلم ) تلك الشخصية الإيمانية المتكاملة التي أخرجت الناس من كل ظلمة وأدخلتهم في كل نور أضاءه الله تعالى للإنسانية، ومن اجل أن نبني شخصيتنا وننظم علاقتنا بالله (جل جلاله) وبالنفس والمجتمع بل ومع كل شيء في الكون ؛ ينبغي استذكار ملامح تلك السيرة النبوية الوضاءة من جميع جوانبها والاهتداء بأنوارها الإلهية والسير على هداها وهدى أهل بيته الأطهار( عليهم السلام).
ولا شك فأنَا إذا أردنا أن نصل إلى الكمال والسعادة في الدارين الدنيا والآخرة ؛ لا بد أن نبني شخصيتنا وعلاقاتنا مع الله تعالى ومع النفس والآخرين. ولكن هنا قد يبرز سؤال ومفاده: كيف نبني العلاقة مع الله تعالى ؟
إن العلاقة الحقيقية بين العبد وربه تبارك وتعالى مبنية على تجسيد العبودية له تعالى في كل نشاط وقول وسلوك بل وفي كل جانب من جوانب الحياة: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام : 162] والآن لننظر كيف كانت علاقة النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) بالله تعالى في الجوانب العبا دية ؛ فالصلاة التي تعد الركيزة الأساسية كونها مظهر يجسّد المؤمن من خلاله العبودية لله تعالى وكان( صلى الله عليه واله وسلم ) لشدة إقباله على الصلاة وانشد اده إليها؛ فتقول عائشة زوج النبي في حديث نبوي شريف :[ كان رسول الله ( صلى الله عليه واله وسلم ) يحدّثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه].
لذا على كل مؤمن ومؤمنة إذا أردا أن يجعلا من النبي أسوة وقدوة لهما؛ أن ينظرا إلى تصرفهما لحظة يحين وقت الصلاة ويكونا منشغلين بأمور الدنيا بحديث أو بغيرها هل يقتديا بالنبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) ويتوجها إلى الصلاة ؟ فان كان كذلك فقد تجسدت العبودية فيهما فعلا كما بينها النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) وجسدها في سيرته وسلوكه . وأما إذا كانا يؤثرا مشاغل الدنيا والحديث في أمورها على الصلاة فأنهما بعيدين كل البعد عن النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) ولا يحق لهما أن يقولا إنه أسوتنا وقدوتنا.
ثم لننظر إلى الدعاء وكيف ينبغي أن نفهمه كما كان النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) يفهمه بحيث لم تخلو ساعة من ساعات حياته من الدعاء؛ فالدعاء تعبير المؤمن عن كونه عاجز وانه محتاج دائما إلى الله تعالى وان الله تعالى وحده هو القادر على تحقيق كل شيء، ومتى كانت مثل هذه المشاعر لديه وعبرّ عن العجز بقلب متفهم لهذا المعنى حينئذ يكون قد أدى حقه وفهم إن الدعاء هو سلاح المؤمن وعمود الدين وانه نور السموات والأرض، ففي الحديث الشريف إن الدعاء مهم دائما وان كنت تتصور في بعض الأحيان انه لا تتحقق لك الحاجة، حيث قال صلى الله عليه وآله سلم:( إن العبد لا يخطئه من الدعاء إحدى ثلاثة : أما ذنب يغفر له وأما خير يعجل له وأما خير يدخر له).
فإذا دعا الإنسان فله ثمرة وله عطاء كما بين الحديث الشريف وان الدعاء لا يذهب هباء منثورا، إذاً لننظر إلى رسول الله ( صلى الله عليه واله وسلم ) في يقينه وتوكله على الله تعالى التي قليلا ما نجسدها في حياتنا اليومية، مع العلم إن اليقين هو التوكل على الله تعالى والاعتقاد بأنه تعالى هو المدبّر لأمور العباد وانه وحده هو الرازق وهو المعطي والذي يمنع ويشفي وبيده النصر والهزيمة والتقدم والتأخر وهو بيده كل شيء.
إذا حصل هذا الاعتقاد عند الإنسان سيكون دائما مملوءاً بالأمل والطمأنينة وانه قادر على مواجهة المشاكل والابتلاءات والمعوقات وكل ما يمر به من فقر أو مرض أو مواقف صعبة وحينئذ سيكون دائما مليئا بالعطاء والتوفيق بخلاف الإنسان الذي ليس لديه توكل على الله تعالى سيمتلئ باليأس والإحباط وبالتالي لا يستطيع أن يواصل مسيرة الحياة لكثرة ما يواجهه من مشاكل وهموم، يقول الله سبحانه وتعالى:
[وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ]
وأما علاقة النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) مع الآخرين كما يرويها الأئمة ( عليهم السلام ) فيجب علينا إن كنا نريد الاقتداء به ( صلى الله عليه واله وسلم ) أن تكون مبنية على طيب المعاشرة وعلى حسن الأخلاق، والبُشر في الوجه والكلام الطيب والاحترام للآخرين والعفو عن المسيء واحترام الزوجة وان نبني علاقاتنا على حسن المعاشرة بل هناك الكثير ممن اهتدى وترك الضلال والكفر إنما اهتدى ليس ببيان جوانب الفكر الإسلامي .. بل لسمو أخلاق النبي الأكرم ( صلى الله عليه واله وسلم ) والأئمة الأطهار(عليهم السلام) لذلك علينا النظر ليس إلى الصلاة والعبادات بل علينا أن ننظر في أخلاق النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) وعلاقاتنا الاجتماعية بين بعضنا والبعض التي لا بد أن تبنى على تلك الأسس النبيلة التي بينها النبي الأعظم ( صلى الله عليه واله وسلم ) وأشاعها بعلمه وعمله.
تقرير الخطبة الثانية
تعرض ممثل المرجعية الدينية العليا الى ثلاثة أمور راهنة في الساحة العراقية.
وأشار سماحة الشيخ (عبد المهدي الكربلائي) في خطبة صلاة الجمعة (15 ربيع الأول1430 الموافق 13/3/2009) من الصحن الحسيني الشريف الى الأمر الأول قائلاً:
" مع انتهاء زيارة مرقد العسكريين عليهما السلام في يوم الجمعة الماضي، بمناسبة استشهاد الامام العسكري عليه السلام اود ان اوجه ( شكرين). شكر عام وشكر خاص )، شكر عام لجميع المؤمنين والمؤمنات الذين عبّروا عن ولائهم وحبهم لأهل البيت عليهم السلام بهذه الزيارة. وللمواكب والهيئات والقوات الأمنية التي قامت بحماية الزائرين، بحيث انتهت الزيارة بأمان وسلام لجميع الزائرين. والاخوة مسؤولي مدينة سامراء وعشائرها وأهاليها وكذلك الاخوة في اللجنة المشرفة على إعمار سامراء، والتي قامت بعمل كبير في تنظيم شؤون هذه الزيارة. وكذلك الأخوة من منتسبي العتبتين المقدستين، الذين ساهموا في تقديم الخدمات للزائرين ومعاونة إخوانهم في لجنة إعمار سامراء على تنظيم شؤون الزيارة.
وشكر خاص لأهالي بلد وادارة مرقد سيد محمد بن الامام علي الهادي (عليه السلام) ولعشائر بلد، فانهم ترجموا الاخلاق المحمدية الاصيلة بحسن استضافتهم للزائرين، حيث ذكر بعض الاخوة المسؤولين في العتبة الحسينية المقدسة نماذج مشرقة ومشرفة من خلق الضيافة الاسلامية التي اظهرها الأخوة الاهالي من مدينة بلد، فكانوا يخرجون عوائلهم من بيوتهم ليفرغوها للزائرين لمنامهم وايوائهم. بل ذكر بعض الاخوة انه راى أطفالا لاحدى العوائل تنام في حوض سيارة حمل .. وحينما سئل عن ذلك قالوا صاحب البيت اخرج اطفاله وانامهم في السيارة ليلا مع شدة البرودة، لكي يفرّغ بيته لايواء الزائرين.. ونتوجه ايضا بالشكر لاهالي الدجيل وباقي المناطق الواقعة في الطريق الذين قاموا بخدمات كبيرة لهؤلاء الزائرين.
وهنا ندعو جميع المواطنين من المدن المقدسة التي تشهد توافدا كبيرا للزائرين لمراقد الائمة ان يقتدوا بهؤلاء المؤمنين المجسّدين للاخلاق الاسلامية الرفيعة ".
أما الأمر الثاني:
" مع ظهور بوادر البدء بانسحاب القوات الاجنبية من العراق فان مسؤولية توفير الأمن على القوات العراقية تتعاظم وتكبر وهم الآن أمام إمتحان عسير ومحكّ حقيقي لإثبات ان القوات العراقية لديها القدرة على بسط الامن والإستقرار والوقوف امام اعداء العراق والقوى الإرهابية .. وان العراق ليس بحاجة الى وجود القوات الأجنبية لكي تحفظ أمنه واستقراره وسير العملية السياسية من دون فتن وإضطراب..
وسيحاول البعض ان يظهر ان هذه القوات عاجزة عن ذلك، لكي يوفر المبرر والذريعة للقول بأن العراق بحاجة الى هذه القوات لحفظ أمنه واستقراره. ومن هنا فان على المسؤولين في القوات الأمنية- وزارة الدفاع والداخلية والامن الوطني وغيرها..وضع الآليات والخطط وإتخاذ الاجراءات الكفيلة بجعل القوات الأمنية العراقية قادرة على ان تؤدي هذه المهمة بنجاح لكي تفوّت على هؤلاء الفرصة للترويج لمثل هذه التبريرات والكلام بأن القوات العراقية ما تزال عاجزة عن اداء هذه المهمة..
ومن جملتها بناء هذه القوات البناء المهني العسكري من التدريب والتجهيز، وابعاد القوات الامنية عن أي انتماءات سياسية او ولاء لجهة معينة وتزويدها بالمعدات والآليات الحديثة ومحاربة الفساد المالي والاداري وتقوية الجانب الاستخباراتي وتهذيب افراد القوات الامنية على الاخلاق الرفيعة، وصون حقوق الانسان. وهناك مسؤولية كبيرة على المواطنين لإنجاح مهمة هذه القوات وعدم اعطاء الذريعة للبعض لكي يقول ان هذه القوات عاجزة عن توفير الامن، وان هناك حاجة لبقاء القوات الاجنبية، وهي التعاون التام مع الاجهزة الامنية وايصال المعلومات الى القوات الامنية، وعدم التردد في ذلك، انطلاقا من الشعور بالمسؤولية تجاه امن البلاد والعباد. لان هذه المسؤولية ليست مقصورة على القوات الامنية بل ان مسؤولية الحفاظ على ارواح الناس، ومن جملتهم نفس المواطن الذي يبدي تعاونا مع الاجهزة الامنية، هي عامة للجميع وتشمل عموم المواطنين. "
والامر الثالث :
" هناك بعض الاحصائيات التي تشير الى وجود ثلاثة ملايين يتيم واكثر من مليون أرملة.. وهنا اود ان أبيّن ان هناك مسؤولية وطنية واخلاقية ملقاة على عاتق المسؤولين وكل من له القدرة على رعاية هذا العدد الكبير من الارامل والايتام.. فأقول ان هناك اموال طائلة تصرف كإعانات ورواتب لهؤلاء الارامل. وفي الواقع فان حاجة هؤلاء الارامل والايتام ليست حاجة مادية آنية بل هناك حاجة للرعاية التربوية والنفسية والعلمية والاخلاقية. كما ان نفس الحاجة المادية وقضاءها بهذه الطريقة قد يعرّض احيانا الارامل والايتام الى هدر الكرامة والاهانة والإذلال. ولذلك لا بد من وضع آلية توفر لهؤلاء الحصول على المال، ولو كان بسيطا يسد الحاجات الأساسية لهم بعزة وكرامة، ومن ذلك ادخالهم في دورات لتعلم بعض المهن حتى يتمكنوا من العيش الكريم منها..
وكذلك بالنسبة للأيتام فمع فقدهم للرعاية الابوية التي تحرمهم من الرعاية النفسية والعملية والاخلاقية، فلا بد من وضع آلية لرعايتهم في الجوانب النفسية والتعليمية والاخلاقية، ومن دون ذلك سيكونون عرضة للضياع والانحراف وفريسة للنفوس المريضة التي تحاول استغلالهم.
ومن دون ذلك فان هذه الظاهرة ستشكل خطرا اجتماعيا في مستقبل العراق وتؤدي الى تضييع طاقات الملايين من ابناء هذا البلد، بل ربما سيكون البعض منهم عامل تخريب وهدم في البناء الاجتماعي للمجتمع العراقي" .
أما بالنسبة الى السجناء السياسين وكذلك ذوي الشهداء عدد سماحته بعض النقاط قائلاً:
1- التلكؤ الواضح في إعادة اموالهم المنقولة وغير المنقولة التي تم مصادرتها زمن النظام البائد. والمعاملات مكدسة ولا يتم انجازها من قبل الجهات المختصة .
2- تأخر كبير جدا في انجاز معاملات اعادة السجناء السياسين الى وظائفهم السابقة وكذلك تأخر كبير في انجاز معاملات السجناء السياسيين التقاعدية وذلك بفرض إجراءات معقدة جدا بحيث ان السجين السياسي بعد إحالته الى التقاعد لا يستلم راتبا تقاعديا لمدة تقارب السنة او السنتين من تأريخ احالته على التقاعد .
3- هناك نسبة مخصصة لتعيين ذوي الشهداء لم يتم العمل وفقها .